أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء سامي - خمر الروح: ترياق التسامي في حانة الخيَّام














المزيد.....

خمر الروح: ترياق التسامي في حانة الخيَّام


علاء سامي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 07:52
المحور: الادب والفن
    


يا واقفًا بِبَاب الظَّاهر تتَوهَّم الوُجود سَدًّا أصَمّ؛ وما هو إلا حِجابٌ شفَّاف نَسجه وَهمُ الحوَاس، هَا نحنُ ذا.. عَالِقون في بَرزخ الكَافِ والنُّون، فلماذا التَّوجس أنَّنا استِعاراتٌ مَجازيَّة في قَصيدة القِدَم، ولمَاذا سِدرَة الحِيرة هي إشَارة المُنتهىٰ.. وكَيف ترجُو السَّكينة وتَتَّخِذ من أبجَديَّة المَحو مَذهبًا بينمَا عَقيدتُك البَحث عن إصحَاح البَقاء.

أوَّلُ المَجلِس ذَرَفَ الخَيَّام دَمعَة اليَقين على كأسٍ كانت يومًا يملؤُها التَّساؤُل الوَاحِد الأوحَد، وآخِرُه استَأذن بالبُكاء؛ فدَمعه لم يَكُن رِثاءً للفَناء، بل كان دَهشة العَارِف الذي رَأى الكثرَة تبتلِعُ الوِحدَة، وفي اللَّحظة.. وبمَدَد نُور التَّسَامِي، يُعلن أنَّ الحِيرة ليست تِيهًا في الصَّحراء وإنَّما طوافٌ حَول كَعبة المَعنىٰ؛ لأنَّه مَن لم يتحَطَّم صَنَم يَقينِه المَادِّي لن يُبصِر وَجه الحَقيقةِ السَّرمَدي..
..إذن لمَاذا يَبكي عُمَر! ولمَاذا تَتَوجَّعُ رُوحه! أمِنَ البَقاء سَجينَة الجَسَد أم مُعايَشة المَادَّة مَأسَاتها؟

هذا الكَأس كان عاشِقًا وَلهانًا! وهُنا تضحَكُ بَلاغَةُ السُّخريَة؛ فالمَادة راقِصةٌ على اغتِراب الجَوهَر، وماكِرةٌ.. تُبدِّلُ أقنِعتَها في كَرنَفَال الوُجود لتُوهِم النَّاظِر أنَّ الخُلود لها، ويا وَيلَ النَّاظِر من الخَدَّاعةِ الندَّاهة، ولكن الرُّوح في عَقيدَة التَّسَامِي هي ذاك الضَّيف السَّمَاوِي الذي في ضِيافة التُّراب، لِذا اطمَئِن؛ فقلقُك الوُجودي ليس خَللًا نَفسيًا، بل هُوَ ذَاكِرةُ النُّور وقَد استَيقظت في عَتمَة الصَّلصَال.
نحنُ لسنَا أبناء هذا الطِّين.. نحن فقط سُجنَاء ما فِيه؛ وكلُّ حَنينٍ يَعتريك -في أصله- رَفضٌ لاستِيطان الجَسد والمادَّة، وإعلانُ الانتِماء للرُوح ولوَطَن الحَياة والنُّور الذي لا يحتَاج إشرَاق شمسٍ أو أُفولًا.

وفي صَحوَةِ اللَّامَعقوليَّة؛ حاشا لِخَمر الخَيَّام أن تكونَ اعتِصارًا لعِنَب الكُرُوم، بل هي رَحيقُ الغَيبُوبَة المُقدَّسة عن ماديَّة العالم..، والأصلُ هُناك..، وحِين نَدعُوك للتَسَامِي فإنَّنا نُنَاولك كأسَ الدَّهشَة لتَثمَل عن مَنطِق القِياس والعَقلِ البَارد، فإنَّ سَطحِية العَقلِ حِجاب، والمَنطق نِطاق، والتَّسَامِي هُوَ حَلُّ الحِجابِ وتَمزيق النِّطاق.
فاشرَب نَخب الانعِتاق؛ لتُدرك أنَّ اللَّحظة الهَاربة عند الخيَّام هي ذاتُها (الآن) السَّرمَديَّة عند أهل الحَقيقة؛ تِلك النُّقطة التي يسقُط فيها الزَّمن، فلا ماضٍ يُندَمُ عليه ولا مُستقبلٌ يُخاف مِنه، واجعل مَشرُوبك حضورًا كثيفًا في حَضَرة من لا يَغيب.

وبالصُّراخ البَاطِني في وَجه السَّماء: (كُسِرَت نَفسِي في الأرض، فَأين حَقُّ رُوحي!) ويأتي صَدَىٰ التَّسَامِي هَامسًا أنَّ الكَسر هو عَينُ التَّحرير والحَياة، وأنَّ المَكر الإلٰهي ليس خَديعةً للأحبَاب، بل هُوَ تَدبِيرُ العِشقِ؛ يُحطِّم القَوالِب لتنسَكب المَعاني.
ولو خَلَدَ الإناءُ لعُبِد من دونِ السَّاقي؛ ولو دَامَ الجَسدُ لحُجِبَت الرُّوح، وما قد يُرىٰ أنَّه قدرًا غاشِمًا يَطحَنُ الأنفُس هُوَ في الحَقيقة الخَلاص.. الذي لابُد مِنه لتَحيَا، إنَّنا لا نُراد لذوَاتِنا الفَانية بل نُراد لِما سيشرِقُ مِنَّا حِين يَفنىٰ ظَاهِرنا، أمَا ذاكَ مَذهَبُ الرُّوح وجمَاليَّات غَيبها؟

كحَركة الأفلاكِ؛ تَدُور حَول مركزٍ ثَابتٍ -أو مُتحرك- هكذا هو التَّسَامِي، رِحلةٌ عَكسِية من ثَرثَرة المُحيط إلى سُكون المَركز، فالحِيرةُ الوُجوديَّة ضَجيجٌ عَقليُّ قبل ثِقَل إحسَاسِها، واليَقينُ صَمتٌ شُهودي، إنَّنا لا نَسعىٰ لفكِّ طَلاسِم الكَونِ بالكَلِمات، بل نَسعىٰ لنكون قُرَّاء الكَلِمَة التي سَكت عَارِفوها ونَطَق جاهِلوها، ويا مُحِبَّ الـ ما بعدُ.. اتَّخذ التَّسَامِي رَفيقًا أمينًا وتَيَقَّن أنَّ حِيرَتَك ليسَت عَدمًا، بل حَدَقةُ العَينِ التي بِها يَرىٰ القَدَر نَفسه فِيك.

وَيا صَاحِبي في تِيهِ الأسمَاء؛ لا تُطِل الوُقوفَ على أطلَال الجَسد، فالأطلال لا تَروِي قِصَّة السَّاكِنين، وإذ كَان الخيَّام قد صَاغ من التُّراب مَرثِيةً للزَمان، فإنَّ التَّسَامِي يَصُوغُ من الرُّوحِ نَشيدًا للأبَد.
نحنُ لم نأتِ لنِبقىٰ، ولم نأتِ لنَفنىٰ؛ بل جِئنا لنَعبُر نحن "المَعنىٰ" الذي ارتَدى المَبنىٰ لحينٍ من الدَّهر، فإذا انكَسَرت الجَرَّة.. فلا تجزَع، فمَا انكَسَر إلا السِّجنُ وما انسَكبَ إلا النُّورُ عَائدًا إلى شَمسِه الأولىٰ، تَاركًا خَلفه لُغَةً عَاجِزة، وصمتًا هو أبلَغُ الكَلام.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشراق الهوية القبطية بأسرار القومية المصرية
- سيادة الوعي: اعتزال الفوضى والضجيج
- تحرر المعنى من صنمية النص
- صرخة فوق هياكل الحروف
- جدلية اللوغوس وطواف العارفين
- قيامة الروح في ملكوت الباطن
- فردوس الاعتقاد وجحيم الإكراه


المزيد.....




- فواز حداد للجزيرة نت: في الأنظمة الدكتاتورية يصبح الروائي ال ...
- نقل الفنان سامح الصريطي إلى المستشفى إثر إصابته بجلطة دماغية ...
- محمد بن سلمان لـ بزشکيان: لن نسمح باستخدام أجواء أو أراضي ال ...
- الشهقة الأخيرة.. حسن القطراوي يكتب التاريخ السري للألم من قل ...
- خريطة سينمائية سياسية.. افتتاح أفغاني لمهرجان برلين السينمائ ...
- مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلم ...
- رحلة العقل العربي من الانبهار بكنوز أمريكا الجنوبية إلى تشري ...
- مصر.. آخر تطورات الحالة الصحيّة للفنان سامح الصريطي
- غدا.. إطلاق المنحة المالية للصحفيين والأدباء والفنانين
- فيلم -الرحمة-.. كيف تفكر بقلبك في عالم بلا قلب؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علاء سامي - خمر الروح: ترياق التسامي في حانة الخيَّام