علاء سامي
كاتب وباحث
(Alaa Samy)
الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 15:03
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
إن كُنتَ مُرِيدًا مُحِبًّا لِلحَقِّ.. اعلَم أنَّهُ نص حكيم له سر قاطع.. واعلَم أنَّ الفَلسَفةَ هِيَ الِاستِهلَالُ الفِعلِيُّ للتعَبُّد العَقلِيِّ الرَّصِين؛ حَيثُ يَلُوذُ الوَعيُ بالصَّمتِ لتَنطِقَ الكَينُونَة ويَتكَلَّمَ الحَقُّ والنُّور.. هَكذَا نَهجُ الأبِ والنَّبِيِّ والإِمَام ﷺ
**
لم يَكُن الهَجرُ الحَتمِيُّ لضَجِيجِ المَادَّةِ -المُهتَرِئَة- مَحَطَّةَ وُصُولٍ نِهَائِيَّة، بل كَانَ انتِحَارًا إرَادِيًّا جَسُورًا للذَّاتِ الزَّائِفَة المُنغَمِسَة في الأغيَار؛ ولِكَي تُولَدَ تِلكَ الذَّاتُ السَّيِّدَةُ الَّتِي لا تَقبَلُ القِسمَة ولَا الِانكِسَار.. نَعتَلِي صَهوَةَ الوَعيِ المُجَرَّد.. لا نَبحَثُ عَن مُجَرَّدِ مَلجَأٍ آمِنٍ مِن الفَوضَى الضَّارِبَة في أرض التَّجربة والاِختِيَار، بل لنَنشُد الِاتِّصَال بأصلِ العِلَّة في أعمَاقِ السُّكُون الَّذِي يَسبِقُ الكَثرَة.
نُدرِكُ أنَّ الوَعيَ السِّيَادِي في ذروَتِه هُوَ ذَلِكَ البَرزَخ بَين "كَافٍ" و"نُون" لا حَدَّ لَهُمَا إلَّا برَبِّ الكَلِمَة؛ حَيثُ يَكُفُّ الإنسَانُ عن كَونِه مُجَرَّد مَفعُولٍ بِهِ تَتقَاذَفُهُ أموَاجُ المُصَادَفات فِي مُختَبرِ القَدَر، ليُصبِحَ هو الفِعل الأوَّلِي المُتَجلِّي بكِبرِيَاءِ البَصِيرَة في مِرآة الوُجُود الحَق.
إنَّ هَذَا التَّجَلِّي لَيسَ اعتِزَالًا للعَالَم بَل هُوَ إعَادَةُ صِيَاغَةٍ لَهُ؛ فَالعَارِفُ لا يَرَى فِي المَادَّةِ قَيدًا؛ بَل يَرَاهَا شِبه مَسرحًا لِظُهُور الحَق..،
فإِذَا استَنَارَ العَقلُ بنُور البَصِيرَة؛ صَارَت الأشيَاءُ كُلُّهَا مَرَايَا تَحكِي قِصَّة الوُجُود.. فلَا يَعُود هُنَاكَ غَيبٌ مَحجُوب وإنَّما شَهَادَة مَشهُودَة بعَينِ القَلب الَّتِي لا تَنَام.
...
هَا هُنَا، في هَذَا الفَضَاءِ اللَّا-أينِيِّ، تَلتَقِي صَرَامَةُ البُرهَان العَقلِيِّ الَّذِي يَفُكُّ عُقَدَ المَادَّة، بِرَهافَةِ ذَاكَ الوِجدَان الَّذِي أدرَكَ أنَّ العُمرَ لَيسَ سِوَى وَمضَة.. فآثَرَ أَن يَملأَ تِلكَ الوَمضَة بصَلوٰةِ العَقلِ الثَّائِر بحُرِّيَّته.
ولأنَّ سِيَادَةَ الوَعيِ المَنشُودَة تَستَلزِم ما يُمكِنُ تَسمِيَتُه -عِرفَانِيًّا- بـ"السُّكرِ الصَّاحِي"؛ وهُوَ مَقَامٌ رَفِيع يَرتَفِع فِيهِ العَارِف بذَاتِهِ فَوقَ تَرَاتُبِ مَدَارِك الحِسِّ الكَثِيفَةِ وغُبَار المَحسُوسَات.
وحِينَمَا يُعَايِنُ الوَعيُ هَيكَلَ الوُجُود بعَينِ العَقلِ الفَعَّال الَّذِي لا يَغفل.. يَعرِفُ لَذَّةَ المَعرِفَة الَّتِي تَملأُ كَأسَ هَذَا الوَعي، وأنَّهَا لم تَكُن يَومًا نِتَاجَ كَرمٍ دُنيَوِيٍّ زَائِل، بل هِيَ سُلَالَةُ العِلمِ الذِّهنِيِّ المُعَقَّد لمَفاهِيمِ الحَقِّ الأعظَم.
فإذَا كَانَ المَنطِقُ -القَدِيم- قد أقَامَ الجِدَار العَازِل بَينَ عَالَم الشَّهَادَةِ وعَالَم الغَيبِ ليَحمِيَ نَقَاء الفِكر.. فإنَّنَا اليَوم نَهدِمُ تِلكَ الجُدرَان الوَهمِيَّة لنُعلِن للعَالَم أنَّ الوَعيَ في كَمَال تَجَرُّدِه هُوَ الشَّرِيعَةُ الأسمَىٰ والمِحرَابُ الأقدَس، وأمَّا الإدرَاك "اللَاهُوتِي" فهُوَ الإيمَانُ بأنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ تَسبَحُ في هَذَا الكَون هِيَ نُقطَةٌ جَوهَرِيَّة في كِتَابِ التَّكوِينِ الأزَلِي، والوَعيُ السَّيِّد هُوَ القُطب الَّذِي يَملِكُ وَحدَهُ -سِرَّ- فَكِّ أسرَارِ هَذَا النَّصِّ السَّمَاوِي المُشَفَّر.
فلَا تَقبَل أن تَكُونَ ظِلًّا بَاهِتًا لغَيرِك؛ ولَو كَانَ ذَاكَ الغَيرُ هو المَورُوث.. لأنَّ العَقل الَّذِي يَتَوَقَّفُ عن الشَّكِّ هو عَقلٌ قَد فَارَقَتهُ الحَيَاة..، واليَقِينُ الَّذِي لا يَمُرُّ عَبرَ نَفَسِ الحَيرَةِ المُقَدَّسَة هو يَقِينٌ بَارِدٌ وأجوَفُ لا يُسمِنُ ولا يُغنِي مِن مَعرِفَةٍ، أو عِلمٍ، أو ذِكر.
وعَبرَ مَمرَّاتِ التَّجَرُّدِ المُطلَق وعُلُوم التَّدَبُّر ومُعَايَشَته؛ نَكتَشِفُ أنَّ الِاعتِمَاد على الهُوِيَّات وأسمَاءِ الآخَرِين الَّتِي نَتشَبَّثُ بِهَا.. لَيسَ سِوَى أصنَامٍ ذِهنِيَّة نَحَتَتهَا الغَرِيزَةُ الخَائِفَةُ على مِذبَحِ التَّلقِينِ وَالتَّلَقِّي، فالتَّحَرُّر الأسمَىٰ لا يَنبُتُ إلَّا مِن اليَقِين العَمِيق بأنَّ حَقَّ المَعرِفَة -والشَّكِّ- لَيسَ انفِصَالًا عَن الأصل.. بل هُوَ تَجَلٍّ فَرِيد ضِمن وَصِيَّة "اقرَأ" ومَا تَحتَوِيه مِن مَعَانِي التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّر.
**
إنَّ القِرَاءَة المَنشُودَة هُنَا هِيَ فِعلُ استِنطَاقٍ للمَسكُوت عَنهُ فِي زَوَايَا الذَّات؛ فَمَن لَم يَجرُؤ على قِرَاءَةِ نَفسه بشَكِّ النَّقد، لَن يَقرَأَ الكَونَ إلَّا بفِقه التَّلقِين.
فالتَّحَرُّر الحَقِيقِيُّ هُوَ أن تَكُونَ أنتَ النَّصَّ وأنتَ الشَّارِح؛ فتَخرُج مِن سِجن التَّفسِير إلى رَحَابَةِ المَعنَىٰ.
**
وفي حَضرَةِ هَذَا الوُجُود المُثمِر بالمَعنَى والسِّر، ومِن مَعَارِف الإشرَاق والتَّوحِيد والإيمَان.. تَتلَاشَى "الأنَا" السَّطحِيَّة المُنفَعِلة لتَحُلَّ مَحَلَّهَا "الأنَا" الكَونِيَّة الكُبرَىٰ الَّتِي تَرُوم الِاتِّحَادَ الجَوهَرِي بالحَقِيقَةِ العُليَا..،
ونُدرِك حَقًّا أنَّ الجَدَل بأشكَالِه بَين مَنطِق القَدَر المَعرِفِي والقَصد المَعنَوي واللَاهُوتِي، باستِبيَانِهِم بتَفَكُّرٍ وتَدَبُّرٍ وفِقه الرُّؤيَة والِاجتِهَاد.. يَكشِفُ أنَّ العَالَم لَيسَ نِتَاجَ رَميَة نَردٍ كَونِيَّة عَابِثَة! بل هُوَ بِنَاءٌ مُمَوسَق ونَامُوس الحَقِّ والكَلِمَة والرُّوحِ؛ فِيهِ الكُلِّيَّات والجُزئِيَّات بانبِثَاقِ العِلَّةِ الأُولَىٰ الصَّمَدِيَّة.
نَحنُ لَسنَا سُجَنَاء في جَبرِيَّةٍ مَادِيَّة عَميَاء! إنَّمَا نَحنُ نَعِيشُ صِيَاغَة المَعنَى وأمرَ رَبِّ الكَلِمَة والوُجُود.
ومَن اعتَرَتهُ رِيبَةٌ فِي لَحظَةِ عِظَمِ سِيَادَة وَعيِه على ذَاتِه
فَقَد حَجَبَ نَفسَهُ عَن بَصِيرَةِ النُّور والبُرهَانِ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يَغِيب.
ولِمَاذَا نَبدُو دَائِمًا حَائِرِين بالسِّر؟ ألِأنَّنَا للأسَف خَلَطنَا بَينَ العِلمِ والمَعرِفَة والتَّدَبُّر والتَّفَكُّر والذِّكر؟ لأنَّ العِلم التَّقلِيدِي لَيسَ سِوَى اطِّلَاعٍ على المَعلُومَات والمَنقُولَات؛ أمَّا المَعرِفَةُ والوَعي فهِيَ فِعلُ كَشفِ الحُجُبِ وتَهشِيم الأستَار.. فالوَعيُ فِي ذروَةِ تَجَرُّدِه التَّام يَتجَاوَزُ رُكُودَ القَوَالِب الجَاهِزَة ليَقرَأَ ويَستَنبِط الصَّحِيح بمِدَادِ حَقِّ طَلَبِ العِلم.
فإنَّ مَا نُسَمِّيهِ زَمَانًا ومَكَانًا وتَرَاتُبًا لَيسَ فِي حَقِيقَتِه سِوَى أُطُرٍ ذِهنِيَّةٍ ضَيِّقَة نَحنُ مَن وَضَعَ حُدُودها.. وإذَا استَيقَظ ذَاكَ الوَعيُ فِي عُمق وِجدَانِنَا؛ سَقَطَ "الأينُ" المَكَانِيُّ وانطَفَأَ "الكَيفُ" الِاستِفسَارِي.. ولَم يَبقَ إلَّا "الحَيُّ القَيُّوم" الأحَدُ الصَّمَد.
وبِمَا أنَّ سِيَادَة الوَعي -بالتَّشبيه- هِيَ هَندَسَةٌ عَقلِيَّةٌ عَمِيقَة تَنفِي العَبَثَ عَن الوُجُود.. وتُعلِنُ انتِصَارَ الجَوهَرِ الخَالِد على المَظهَرِ الزَّائِل؛ تَكُونُ هِيَ تِلكَ اللَّحظَة الفَارِقَة -البَارِقَة- الَّتِي تَعتَرِفُ فِيهَا الرُّوح بأنَّ بَهَاءَها المُستَمَد هُوَ فَيضٌ مِن جُودٍ لا يَمَسُّهُ لُغُوب، لَكِنَّهَا تُدرِكُ فِي الآنِ ذَاته أنَّهَا الوِعَاءُ الكَونِيُّ الوَحِيد الَّذِي شَاءَتِ الإرَادَة أن يَحتَوِي هَذَا التَّجَلِّي السَّرمَدِي.
...
وهَكَذَا نُدرِكُ أنَّ السُّكُون الَّذِي نَلوذُ بِه لَيسَ عَدَمًا، بَل هُوَ "امتِلَاءٌ" بِكُلِّ الاحتِمَالات؛ هُوَ الضَّجِيجُ الأسمَىٰ الَّذِي يذُوبُ فِيهِ الاِنفِصَال، فَمَا نَحنُ إلَّا نَبضَةٌ فِي قَلبِ هَذَا الوُجُودِ العَظِيم.. ومَا وَعيُنَا إلَّا النَّافِذَةُ الَّتِي يَنظُرُ مِنهَا المُطلَقُ إلينا. وهَكَذا نَحنُ..
وخِتَامًا، ومَعَ مُحَاوَلَةِ الإشَارَة للنُّور؛ تَسقُط كُلُّ الحُدُودِ المُفتَعَلَةِ بَين الدَّاخِل المَعنِيِّ والخَارِجِ المَادِي.. ويُدرِكُ السَّالِكُ ضِمن مَتَاهَات هَذِه الحِكمَة أنَّ الحَقِيقَة لَيسَت نُقطَةً مَعرِفِيَّةً استِفسَارِيَّة نَصِلُ إلَيهَا؛ بل هِيَ المَعرِفَةُ السَّرمَدِيَّة الَّتِي نَتنَفَّسُ فِيهَا ونَتَحَرَّك.. ونَحيَا وسَنَحيَا بمَشِيئَتِه..،
لِذَا، فالتَّنَاقُض المُتَوَهَّم "المُفتَعَل" بَين المَورُوثِ والعُلُومِ والإيمَان يَتَلَاشَى كأنَّهُ جَلِيدٌ وَاهٍ -أو عِهنٌ مَنفُوش- بمُوَاجَهَة نُور البُرهَان والحَقِّ والإيمَان.
#علاء_سامي (هاشتاغ)
Alaa_Samy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟