أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - أوهام سارق المال العام: قراءة سيكولوجية بين حكمة الإمام علي (ع) ورمزية لوحة العقاد















المزيد.....

أوهام سارق المال العام: قراءة سيكولوجية بين حكمة الإمام علي (ع) ورمزية لوحة العقاد


فارس حامد عبد الكريم

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 07:36
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


يقول الإمام علي (عليه السلام):
«المِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ: مَكْتُومُ الأَجَلِ، مَكْنُونُ العِلَلِ، مَحْفُوظُ العَمَلِ، تُؤْذِيهِ البَقَّةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرَقَةُ، وَتُنْتِنُهُ العَرَقَةُ».
لا تقف هذه الحكمة عند حدود التذكير بضعف الإنسان وفنائه، وإنما تفتح باباً واسعاً للتأمل في الطبيعة النفسية للإنسان حين ينسى هشاشته، ويتصرف وكأنه قادر على صناعة حصانة دائمة بالمال أو السلطة أو النفوذ.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة سلوك الفاسد الذي يستولي على المال العام قراءة نفسية وأخلاقية معاصرة؛ فالمشكلة ليست في المال وحده، وإنما في الوهم الذي يصنعه المال داخل النفس. إذ قد يدرك الإنسان في أعماقه أنه ضعيف وفانٍ، لكنه يتصرف في الواقع كما لو أن الثروة والنفوذ قادران على تأجيل المصير أو شراء الأمان أو ضمان المستقبل.
وهنا تكشف حكمة الإمام علي (ع) مفارقة الإنسان: كائن هشّ في حقيقته، لكنه قد يعيش وهم القوة والخلود في سلوكه.
أوهام الفاسد الثلاثة
إذا استثمرنا هذه الحكمة في قراءة سلوك من يعتدي على المال العام، يمكن أن نلمح ثلاثة أوهام أساسية تحكم هذا السلوك، لا بوصفها تفسيراً حرفياً لألفاظ الحكمة، وإنما باعتبارها قراءة تأملية معاصرة لما تكشفه من هشاشة الإنسان وفناء أثره المادي.
أولاً: وهم الخلود
«مَكْتُومُ الأَجَلِ».
لا يعرف الإنسان متى ينتهي أجله، ومع ذلك قد يقضي سنوات من عمره في جمع المال وكأنه سيبقى إلى الأبد.
وهنا يظهر أحد أغرب تناقضات الفساد: الموظف الذي يفترض أن يكون مؤتمناً على المال العام يحوّل وظيفته إلى وسيلة لتكديس الثروة، ويختلس من الموازنة، ويستولي على العقارات والأموال، ويبرر ذلك بأنه يؤمّن مستقبله ومستقبل أبنائه.
لكن أي مستقبل هذا الذي يُبنى على حقوق الآخرين؟
قد يرحل الإنسان فجأة، فتظل العقارات والأرصدة والسيارات والحسابات لمن بعده، بينما يبقى هو وحده أمام ما صنعه بيده من مسؤولية ووزر وسمعة.
إن المال الذي جمعه ليضمن خلوده يتحول بعد موته إلى دليل على وهمه؛ فقد بقي المال، وغاب صاحبه.
ثانياً: وهم القوة
«مَكْنُونُ العِلَلِ».
إن الإنسان لا يرى ما يختبئ في جسده من أسباب ضعفه ومرضه وفنائه. وهذه الحقيقة وحدها كافية لتذكيره بأن القوة التي يظن أنه يمتلكها مؤقتة وعابرة.
ومع ذلك قد يتوهم الفاسد أن المنصب والنفوذ والعلاقات السياسية أو الإدارية تمنحه حصانة مطلقة.
يستطيع أن يعطل الرقابة، أو يؤثر في القرار، أو يخفي وثيقة، أو يغير رقماً، أو يمرر عقداً، فيتوهم أن شبكة النفوذ التي تحيط به أقوى من القانون.
لكنها في النهاية ليست سوى صورة أخرى من صور الوهم.
فالمال لا يمنح الإنسان جسداً خالداً، والمنصب لا يمنحه حياة إضافية، والنفوذ لا يستطيع أن يمنع عنه ما تخفيه الأيام.
إن الإنسان الذي يستعمل سلطته لإيذاء المجتمع ينسى أنه، في النهاية، أحد أفراد ذلك المجتمع، وأن المستشفى الذي حُرم من بنائه بسبب فساده قد يحتاج إليه هو أو أحد أفراد أسرته يوماً ما.
ثالثاً: وهم الإفلات من الحساب
«مَحْفُوظُ العَمَلِ».
قد ينجح الفاسد في الإفلات من رقابة بشرية، وقد تتعطل قضية، أو تضيع وثيقة، أو يتغير مسؤول، أو تنتهي مرحلة سياسية؛ لكنه لا يستطيع أن يمحو حقيقة ما فعل
فالعمل محفوظ في أثره الاجتماعي، وفي ذاكرة الناس، وفي التاريخ، وفي الضمير، وفي الحساب الأخروي لمن يؤمن به.

ولهذا فإن جريمة الاعتداء على المال العام ليست مجرد رقم اختفى من حسابات الدولة؛
إنها مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُنجز، وطريق لم يُعبد، وخدمة حُرم منها المواطن، وفرصة ضاعت على جيل كامل.
فالمال العام ليس مالاً مجهول المالك، وإنما هو حقوق متراكمة لأفراد المجتمع، والاعتداء عليه يعني في جوهره الاعتداء على حياة الناس وفرصهم ومستقبلهم.

قصة العقاد: حين يتحول المال إلى «قصعة» يتكالب عليها الطامعون
وتزداد الصورة وضوحاً إذا استحضرنا القصة المعروفة عن الأديب عباس محمود العقاد والفنان صلاح طاهر.
تروي القصة أن العقاد طلب من صلاح طاهر أن يرسم له لوحة تصور فطيرة حلوة تتكالب عليها حشرات مقززة، في إشارة ساخرة إلى فنانة مشهورة كانت تربطه بها علاقة قبل أن تشتهر، ثم اتخذ العقاد من هذا المشهد وسيلة رمزية للتعبير عن التحول الذي طرأ عليها بعد استغلالها لمكانته وكسب الشهرة.
وبغض النظر عن التفاصيل الشخصية للقصة، فإن رمزيتها تتجاوز الأشخاص إلى معنى أوسع: عندما تتحول المنفعة إلى غاية، يتحول الإنسان من صاحب قيمة إلى كائن يتكالب على ما يحقق له مصلحته.
وهنا تصبح الصورة التي اختارها العقاد شديدة الصلة بمشهد الفساد المالي والإداري.
فالمال العام هو «الفطيرة» التي لا يملكها فرد، وإنما هي حق المجتمع كله.
والفاسد الذي يمد يده إليها لا يتعامل معها بوصفها أمانة، بل بوصفها غنيمة متاحة لمن يستطيع الوصول إليها.
والأخطر من ذلك أنه قد يفقد، مع مرور الوقت، إحساسه بقبح الفعل؛ إذ يتحول الاعتداء على المال العام في وعيه من جريمة إلى «فرصة»، ومن خيانة للأمانة إلى «شَطارة»، ومن استغلال للوظيفة إلى «مكسب».
وهنا تكمن المأساة النفسية الحقيقية.
فالمشكلة ليست فقط أن يسرق الإنسان المال، وإنما أن تتغير معاييره الأخلاقية حتى لا يعود يرى في السرقة عيباً.
حين يصبح المال العام غنيمة
إن صورة الحشرات المتكالبـة على الطعام تحمل دلالة قاسية، لكنها عميقة.
الفاسد يرى أمامه المال، ولا يرى صاحبه الحقيقي.
يرى العقد، ولا يرى المدرسة التي كان يمكن أن تُبنى به.
يرى العمولة، ولا يرى المريض الذي كان يمكن أن يجد سريراً في مستشفى لم يُنجز.
يرى العقار، ولا يرى العائلة التي كان يمكن أن تستفيد من مشروع سكني.
يرى الرقم في الحساب، ولا يرى آلاف المواطنين الذين تتوزع حقوقهم خلف ذلك الرقم.

وهكذا يختزل المال العام من حق جماعي إلى غنيمة شخصية.
ومن هنا فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون قانونية وإجرائية فقط؛ لأن القانون يعالج الفعل، بينما تحتاج مواجهة الفساد أيضاً إلى تفكيك الثقافة النفسية التي تجعل الإنسان يرى المال العام مباحاً.
الوظيفة العامة: أمانة لا فرصة للإثراء
الوظيفة العامة في جوهرها ليست امتيازاً شخصياً، وإنما تكليف وأمانة.
ومن يدخلها لا يدخلها ليأخذ منها، وإنما ليمارس من خلالها واجباً تجاه الناس.
ولهذا فإن الفارق بين الموظف النزيه والفاسد ليس مقدار المال الذي يمتلكه كل منهما، وإنما المعيار الذي يحكم علاقته بالمال والسلطة.
فالفاسد ينظر إلى المنصب بوصفه فرصة للإثراء؛ يجمع العقارات والأرصدة، ويستعمل النفوذ لمراكمة الثروة، ثم يكتشف متأخراً أن ما ظنه حماية لنفسه كان عبئاً يلاحقه.

أما من يصون الأمانة، فقد يفوّت على نفسه فرصاً كثيرة للثراء غير المشروع، لكنه يربح شيئاً لا تستطيع الأموال شراءه: احترام الناس، وراحة الضمير، وذكراً طيباً، وأثراً يبقى بعد رحيله.
وفي النهاية، لا يدخل الإنسان التاريخ بما اختلسه وكدّسه لحسابه الخاص، وإنما بما قدمه للأمة، وما أداه من أمانة، وما أقامه من عدل.
بغداد - 2026
---
*النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.



#فارس_حامد_عبد_الكريم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشورة القانونية: المستشار القانوني بين استقلال الرأي وحدود ...
- العدالة المشنوقة تحت لوحتها
- الطاغية والمحكمة والصحف المسترجعة .. وتناقضات الانفصال عن ال ...
- لماذا يخون الخائنون؟
- فلسفة الدولة الحديثة: التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى ا ...
- التأصيل القانوني للرقابة السابقة على العقود الحكومية
- فيلسوف القانون الجنائي بيكاريا: -الاب الروحي للقانون الجنائي ...
- المحاكمة العلنية للفاسدين ..… ضمانة للعدالة ورسالة ردع عامة
- على فكرة!
- نظرية الدرج (صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد)
- مبدأ التناسب في القانون: أداة لتحقيق العدالة والتوازن بين ال ...
- نظرية الدرج: صياغة جديدة لمعادلة مكافحة الفساد
- مقترح لإعادة هيكلة القطاع الصحي في العراق في ضوء التجارب الم ...
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل مكافحة الفساد: من الرقابة التقليدية ...
- هل كان النعش فارغاً أم ممتلئاً؟-
- عندما يتحول الاختلاف إلى جريمة: حرية التعبير كضرورة حضارية
- الأثر التدميري المزدوج لإكتناز الاموال الناتجة عن الفساد
- المبادئ العامة لمكافحة الفساد -رؤية في فلسفة مكافحة الفساد-
- فقدان البصيرة الأخلاقية والذهول الشعبي العام
- خطبة في خطر الفساد - بمناسبة الحملة الوطنية لمكافحة الفساد


المزيد.....




- -هدد باستهداف ابن ترامب-.. أول تعليق من الخدمة السرية على في ...
- باكستان: مباحثات طهران -أحرزت تقدما- وركزت على خفض التصعيد و ...
- الأمن الأمريكي يفحص فيديو خروج 3 أشخاص من مجاري الصرف الصحي ...
- سياسي إسرائيلي عن سارة نتنياهو: -مدمنة كحول عنيفة وعنصرية-
- إيبولا يحصد أكثر من 2500 ضحية في الكونغو.. وتحذيرات أممية من ...
- ترمب يمد يده إلى كيم.. لماذا يثير ذلك قلق حلفاء أمريكا في آس ...
- دراسة حديثة: لا فائدة من زيادة البروتين حتى للرياضيين
- مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين في هجوم بمسيرات على إقليم كراس ...
- ترامب يهدد برفع الرسوم الجمركية على المركبات وقطع الغيار الك ...
- بيرنهام يتحدى تهديدات روسيا -الفظيعة- ويقدم أسرار تصنيع صارو ...


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - فارس حامد عبد الكريم - أوهام سارق المال العام: قراءة سيكولوجية بين حكمة الإمام علي (ع) ورمزية لوحة العقاد