منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 07:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من السهل أن يبدو الموقف التركي تجاه سوريا متناقضاً. فتركيا كانت من أكثر الدول دعماً لسوريا الجديدة، وتحدث المسؤولون الأتراك مراراً عن إعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي، كما ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا إلى أكثر من 2.5 مليار دولار في عام 2025، ووضعت أنقرة هدفاً لرفع التجارة الثنائية إلى 5 مليارات دولار ثم 10 مليارات دولار. ومع ذلك، فإن حجم الاستثمارات التركية المباشرة على الأرض لا يزال أقل بكثير من التوقعات التي رافقت سقوط نظام بشار الأسد.
فهل يعني ذلك أن تركيا فقدت اهتمامها بسوريا؟ على العكس تماماً. المشكلة أن أنقرة تفرّق، بصورة واضحة، بين التجارة والاستثمار طويل الأجل. التجارة يمكن أن تحقق أرباحاً بسرعة نسبية، بينما الاستثمار في مصنع أو محطة كهرباء أو بنك أو مشروع بنية تحتية يحتاج إلى سنوات من الاستقرار السياسي والأمني والقانوني.
1. المشكلة الأولى: تركيا لا تزال ترى سوريا كسوق غير مكتملة الاستقرار
رغم التحسن الكبير منذ سقوط نظام الأسد، فإن سوريا لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة المستقرة التي يستطيع فيها المستثمر أن يتنبأ بما سيحدث بعد خمس أو عشر سنوات.
المستثمر التركي لا يسأل فقط: «هل أستطيع أن أربح في سوريا؟»، بل يسأل أيضاً: «هل أستطيع إخراج أرباحي من سوريا؟ هل ستتغير القوانين؟ هل سأحصل على حماية قانونية إذا نشأ نزاع؟ هل ستبقى المنطقة التي أقيم فيها المشروع مستقرة؟».
وهذه الأسئلة ليست نظرية. فالتقارير الاقتصادية تشير إلى استمرار المخاطر الأمنية، وضعف النظام المصرفي، والتعقيدات القانونية والضريبية، وضعف البنية التحتية ونقص العمالة الماهرة. وهذه العوامل تجعل المستثمر الخاص أكثر حذراً حتى بعد رفع جزء كبير من العقوبات.
بل إن التطورات الأخيرة تؤكد أن المخاطر الجيوسياسية لم تختفِ. ففي أغسطس 2026 تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل حول مستقبل الوجود والنفوذ العسكري في سوريا، ووصل الأمر إلى استهداف إسرائيل قاعدة أبو الظهور التي كانت تخضع لأعمال تأهيل بمشاركة تركية.
بالنسبة إلى شركة تركية، هذه الأحداث تعني أن الاستثمار في سوريا لا يزال مرتبطاً بمتغيرات إقليمية أكبر من قدرة الشركة نفسها على التحكم بها.
2. تركيا تريد أولاً بناء البنية المالية التي تسمح بالاستثمار
هناك مشكلة أساسية قد لا يلاحظها المتابع العادي: لا يمكن جذب استثمارات ضخمة إلى اقتصاد إذا كان النظام المصرفي غير قادر على خدمة المستثمرين بصورة طبيعية.
ولهذا السبب فإن تحرك تركيا نحو القطاع المصرفي السوري مهم جداً.
ففي نهاية 2025 أعلن بنك زراعات التركي أنه تقدم بمقترح لبدء العمل المصرفي في سوريا، بهدف المساعدة في إعادة بناء النظام المالي وتعزيز علاقات المراسلة المصرفية بين البلدين.
وفي يونيو 2026 أعلن وزير التجارة التركي عمر بولات أن تركيا وسوريا اتفقتا على السماح للبنوك التركية بفتح عمليات داخل سوريا، وأن العمل على الإطار القانوني كان جارياً.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
تركيا لا تؤجل الاستثمار لأنها لا تريد سوريا؛ بل لأنها تحاول بناء الأدوات التي تجعل الاستثمار ممكناً.
فبنك تركي في سوريا يعني إمكانية تمويل الشركات التركية، وإجراء التحويلات، وتمويل التجارة، وتقديم القروض، وتقليل الاعتماد على قنوات مالية غير رسمية.
3. العقوبات انتهت أو خُففت، لكن آثارها لم تختفِ فوراً
لسنوات طويلة كانت سوريا معزولة عن النظام المالي العالمي بسبب العقوبات الأمريكية والأوروبية.
وقد رفعت الولايات المتحدة برنامج العقوبات الاقتصادية الشامل على سوريا في 2025، كما رفعت أوروبا عقوباتها الاقتصادية في مايو 2025، مع استمرار عقوبات محددة على أشخاص وملفات أمنية.
لكن رفع العقوبات على الورق لا يعني أن البنوك العالمية والشركات الدولية ستعود في اليوم التالي إلى التعامل مع سوريا بصورة طبيعية.
المؤسسات المالية تحتاج إلى وقت لإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية، وتقييم المخاطر، وتحديث أنظمة الامتثال، والتأكد من هوية الشركات والأفراد الذين تتعامل معهم.
لذلك فإن أحد أسباب بطء الاستثمار هو أن البيئة المالية السورية نفسها تحتاج إلى إعادة بناء.
4. تركيا تفضّل في البداية الاستثمار الذي يخدم مصالحها التجارية المباشرة
هناك فرق بين أن تنفق تركيا مليارات الدولارات من أموالها في سوريا، وبين أن تجعل الشركات التركية تستفيد من إعادة إعمار سوريا.
والواضح حتى الآن أن تركيا تميل بقوة إلى الخيار الثاني.
فبدلاً من أن تتحمل الدولة التركية وحدها تكلفة إعادة بناء سوريا، تريد أن تقوم الشركات التركية بالتصدير، والمقاولات، والنقل، والطاقة، والصناعة، والبنية التحتية، بينما تتحمل الحكومة السورية والدول الخليجية والمؤسسات الدولية الجزء الأكبر من تمويل المشاريع.
وهذا النموذج أكثر أماناً بالنسبة إلى أنقرة.
ولهذا نجد أن العلاقات التجارية تتقدم بسرعة. ففي 2025 تجاوزت الصادرات التركية إلى سوريا 2.5 مليار دولار، بزيادة تقارب 70% على أساس سنوي.
كما وضعت الحكومة التركية هدفاً للوصول إلى 5 مليارات دولار من التجارة الثنائية ثم 10 مليارات دولار على المدى الأطول.
بمعنى آخر: تركيا بدأت بالفعل بجني العائد الاقتصادي من سوريا، لكنها لم تتحول بعد إلى المستثمر الأكبر في سوريا.
5. تركيا لا تريد أن تتحمل وحدها تكلفة إعادة الإعمار
سوريا تحتاج إلى استثمارات هائلة. وتقديرات إعادة الإعمار تصل إلى مئات مليارات الدولارات.
ومن الطبيعي أن تكون تركيا مهتمة بالحصول على جزء كبير من هذه السوق، خصوصاً في قطاعات الإنشاءات والطاقة والنقل والصناعة.
لكن أنقرة لا تستطيع وحدها تمويل هذه العملية.
لذلك فإن الاستراتيجية التركية تبدو أقرب إلى:
فتح الطريق → تأمين التجارة → إعادة ربط البنوك → دخول الشركات التركية → جذب رؤوس الأموال الخليجية والدولية → ثم توسيع الاستثمار التركي.
وهذا يفسر لماذا نرى في المرحلة الحالية الكثير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والمفاوضات، لكن عدداً أقل من المشاريع الاستثمارية الضخمة التي تحولت بالفعل إلى مصانع ومحطات ومشروعات مكتملة.
حتى في يوليو 2026، كانت تقارير دولية تشير إلى أن سوريا جذبت تعهدات استثمارية ضخمة، لكن جزءاً كبيراً من هذه الأرقام لا يزال في مرحلة المذكرات أو المشاريع قيد الدراسة، بينما يطالب المستثمرون بضمانات أقوى وإصلاحات مالية وقانونية.
6. الأمن هو العامل الأكثر أهمية
حتى لو كانت تركيا سياسياً متحمسة للاستثمار، فإن الشركات الخاصة لها حسابات مختلفة.
المستثمر يريد معرفة:
هل الأمن مستقر؟
هل الحدود والممرات التجارية آمنة؟
هل يمكن حماية المصانع؟
هل يمكن نقل البضائع بسهولة؟
هل توجد سلطة واحدة قادرة على تطبيق القانون؟
هل يمكن أن تحدث اضطرابات محلية أو طائفية؟
ماذا سيحدث إذا تغير الوضع السياسي؟
والواقع أن سوريا ما زالت في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
ولهذا فإن المستثمر التركي قد يفضل أن يبدأ بمشروع صغير أو تجارة عابرة للحدود، بدلاً من إنشاء مصنع بقيمة 100 مليون دولار.
وهذا يفسر أيضاً لماذا كانت التجارة أسرع بكثير من الاستثمار.
7. تركيا تنتظر وضوحاً أكبر في شكل الاقتصاد السوري
هناك سؤال آخر مهم: ما النموذج الاقتصادي الذي ستتبناه سوريا الجديدة؟
هل ستكون سوريا اقتصاد سوق مفتوحاً بالكامل؟
هل ستمنح الدولة امتيازات واسعة للشركات الأجنبية؟
كيف ستكون الضرائب؟
كيف ستتم حماية الملكية؟
كيف ستتم المناقصات الحكومية؟
هل ستكون هناك منافسة حقيقية بين الشركات التركية والعربية والأوروبية؟
وما هي شروط الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والموانئ والاتصالات؟
هذه الأسئلة مهمة جداً للشركات التركية.
فالمستثمر لا يريد الدخول في مشروع ثم اكتشاف بعد عامين أن القوانين تغيرت أو أن الحكومة أعادت تنظيم القطاع بصورة مختلفة.
ولهذا فإن الإصلاح القانوني والمؤسسي في سوريا قد يكون أهم بالنسبة إلى المستثمر التركي من حجم الإعفاءات الضريبية نفسها.
8. لكن هناك مؤشرات على أن مرحلة الاستثمار بدأت فعلاً
رغم كل ما سبق، سيكون من الخطأ القول إن تركيا «لا تستثمر» في سوريا.
الأدق أن نقول إن الاستثمار التركي الواسع لم يصل بعد إلى المستوى الذي يتناسب مع الطموحات السياسية والاقتصادية لأنقرة.
ففي قطاع الطاقة مثلاً ظهرت مؤشرات مهمة.
وفي أغسطس 2026 أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن تركيا مستعدة للتعاون مع الحكومة السورية في البحث عن النفط والغاز، وهو تطور يمكن أن يتحول إلى تعاون استثماري طويل الأجل إذا تحسنت الظروف.
كما توجد تحركات في قطاع البنوك، والجمارك، والنقل، والطاقة، وإعادة الإعمار.
إذن المسألة ليست انسحاباً تركياً من سوريا، بل انتقالاً تدريجياً من التجارة إلى الاستثمار.
الخلاصة: تركيا لا تمتنع عن سوريا، بل تنتظر سوريا أكثر قابلية للاستثمار
من الخطأ تفسير بطء الاستثمار التركي باعتباره دليلاً على أن تركيا فقدت اهتمامها بسوريا.
العكس هو الأقرب إلى الواقع.
تركيا ترى في سوريا فرصة استراتيجية ضخمة، ليس فقط كسوق تصدير، وإنما كجسر تجاري بين تركيا والخليج، وكطريق إلى العالم العربي، وسوق لإعادة الإعمار، ومجال للطاقة والنقل والإنشاءات.
لكن أنقرة تعرف أيضاً أن الدخول المبكر جداً بأموال ضخمة قد يحول الفرصة إلى خسارة.
لذلك يبدو أن الاستراتيجية التركية الحالية تقوم على الانتظار الذكي: زيادة التجارة، مساعدة سوريا على إعادة بناء مؤسساتها، فتح المجال أمام البنوك التركية، تطوير المعابر والطرق، الحصول على عقود إعادة الإعمار، ثم زيادة الاستثمارات تدريجياً عندما يصبح الأمن والقانون والقطاع المالي أكثر استقراراً.
والسؤال الحقيقي ليس: لماذا لا تستثمر تركيا في سوريا؟
بل:
متى تصبح سوريا آمنة ومستقرة وقابلة للتنبؤ بما يكفي لكي تحول تركيا نفوذها السياسي والتجاري الكبير إلى استثمارات بمليارات الدولارات؟
وإذا نجحت الحكومة السورية في تثبيت الأمن، وتوحيد المؤسسات، وإصلاح النظام المصرفي، وتقديم ضمانات قانونية للمستثمرين، فإن تركيا ستكون على الأرجح من أوائل الدول المستعدة للدخول بقوة.
بل إن المؤشرات الحالية توحي بأن تركيا لا تريد أن تفوّت السوق السورية، لكنها أيضاً لا تريد أن تدفع ثمن إعادة إعمار سوريا وحدها. إنها تريد أن تكون المقاول، والمصدّر، والمموّل، والشريك اللوجستي، وفي الوقت نفسه تريد أن يأتي جزء كبير من رأس المال من الخليج والمؤسسات الدولية والمستثمرين الآخرين.
وهنا تحديداً تكمن الاستراتيجية التركية: السيطرة على جزء كبير من دورة إعادة إعمار سوريا دون تحمل كامل تكلفتها المالية والسياسية.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟