منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 03:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ اندلاع الحرب السورية، تحولت العلاقة بين تركيا وسوريا من علاقة جوار تقليدية إلى علاقة معقدة تجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد. وبينما ركزت وسائل الإعلام على الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، ظهر شكل آخر من النفوذ أكثر هدوءًا وأطول أثرًا، يتمثل في الحضور الاقتصادي والتجاري والخدمي التركي داخل المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق.
يرى منتقدو السياسة التركية أن أنقرة لم تكتفِ بالتدخل العسكري، بل عملت على بناء شبكة نفوذ اقتصادي وإداري تجعل المناطق الشمالية السورية مرتبطة بها أكثر من ارتباطها بالعاصمة السورية. ويشير هؤلاء إلى انتشار المنتجات التركية، واعتماد الليرة التركية في بعض المناطق، وربط شبكات الكهرباء والاتصالات والخدمات بالجانب التركي.
لكن السؤال الذي يطرحه كثير من السوريين هو: أين الاستثمارات التركية الحقيقية؟
فعلى الرغم من سنوات الحضور التركي الطويلة، لا تزال المناطق الشمالية تعاني من ضعف الاستثمار الصناعي الكبير. فلا توجد مناطق صناعية ضخمة قادرة على استيعاب عشرات الآلاف من العمال، ولا مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات التكنولوجيا أو الصناعة الثقيلة أو البنية التحتية المتقدمة. وبدلاً من ذلك، يتركز النشاط الاقتصادي في التجارة والخدمات والاستهلاك والاستيراد.
ويذهب بعض النقاد إلى القول إن النموذج الاقتصادي القائم جعل شمال سوريا سوقًا للمنتجات التركية أكثر مما جعله مركزًا للإنتاج السوري. فبدلاً من إنشاء مصانع سورية كبيرة قادرة على المنافسة والتصدير، بقي الاقتصاد المحلي معتمدًا إلى حد كبير على الاستيراد والتجارة الحدودية.
في المقابل، تدافع تركيا عن سياساتها بالقول إن الأولوية كانت للأمن والاستقرار وإعادة الخدمات الأساسية، وإن الظروف الأمنية والسياسية غير المستقرة لا تشجع على استثمارات ضخمة طويلة الأمد. كما تشير إلى مساهمتها في إعادة تشغيل المدارس والمستشفيات والبلديات والطرق وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: إذا كانت تركيا تنظر إلى شمال سوريا كشريك استراتيجي طويل الأمد، فلماذا لم نشهد حتى الآن استثمارات صناعية وتنموية بحجم النفوذ السياسي والعسكري القائم؟
إن مستقبل النفوذ التركي في سوريا لن يتحدد فقط بعدد القواعد العسكرية أو حجم التأثير السياسي، بل بقدرته على تحويل المناطق التي يدعمها إلى مناطق منتجة وقادرة على النمو الاقتصادي الذاتي. فالتجارة وحدها لا تبني اقتصادًا مستدامًا، والاعتماد على الاستيراد لا يصنع نهضة حقيقية.
ولهذا يرى كثير من السوريين أن الاختبار الحقيقي للسياسة التركية في سوريا ليس في السيطرة على الأرض أو إدارة المعابر، بل في الإجابة عن سؤال بسيط: أين المشاريع الكبرى التي يمكن أن تغير حياة السوريين اقتصاديًا وتمنحهم مستقبلًا مستقلاً؟
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟