أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في تركيا؟














المزيد.....

هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في تركيا؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 03:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس العداء التركي الإسرائيلي وحده ما يدفع الاقتصاد التركي إلى الخطر، لكنه يكشف شيئًا أعمق: أن الاقتصاد التركي لم يعد يحتمل ترف الصراعات المفتوحة، ولا الخطابات العالية التي لا تُحسب كلفتها. فتركيا اليوم لا تواجه أزمة بسبب إسرائيل فقط، بل بسبب تراكم طويل من التضخم، ضعف الثقة، كلفة الطاقة، تذبذب السياسة النقدية، وحاجة مستمرة إلى الاستثمارات والأسواق الخارجية.

مع ذلك، فإن التصعيد مع إسرائيل ليس تفصيلًا صغيرًا. فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين كانت، قبل الانهيار السياسي الأخير، أكبر مما يحب الخطاب الرسمي التركي الاعتراف به. في عام 2023، بلغ حجم التجارة الثنائية بين تركيا وإسرائيل نحو 6.8 إلى 7 مليارات دولار، وكانت تركيا مصدرًا مهمًا للسلع إلى السوق الإسرائيلية. ثم أعلنت أنقرة في مايو 2024 وقف جميع معاملات الاستيراد والتصدير مع إسرائيل على خلفية حرب غزة.

المفارقة أن تركيا، التي رفعت سقف الخطاب السياسي إلى أقصى درجة، كانت قد بنت خلال سنوات علاقة تجارية قوية مع إسرائيل. بنك إسرائيل ذكر أن قيمة السلع التركية التي وصلت إلى إسرائيل في 2023 بلغت نحو 5.3 مليارات دولار، أي ما يقارب 6.3% من واردات إسرائيل، وهو رقم لا يمكن وصفه بالهامشي.

لكن السؤال الأهم ليس: هل ستتضرر إسرائيل من قطع التجارة؟ بل: هل تستطيع تركيا تحمل كلفة تحويل السياسة الخارجية إلى أداة صدام دائم؟

الجواب القاسي: تركيا أقوى من أن تنهار بسبب ملف واحد، لكنها أضعف من أن تتحمل تراكم الملفات الخطرة. اقتصادها كبير ومتنوع، لكنه منهك. في أبريل 2026 وصل التضخم السنوي إلى 32.37%، مع ارتفاع شهري قوي بلغ 4.18%، في وقت أبقى فيه البنك المركزي سعر الفائدة عند 37%. هذا يعني أن المواطن التركي لا يعيش أزمة نظرية، بل أزمة يومية في الأسعار والسكن والنقل والغذاء.

والأسوأ أن تركيا دولة مستوردة للطاقة، وأي توتر إقليمي واسع يرفع أسعار النفط والغاز يضغط مباشرة على ميزانها التجاري وعملتها. صندوق النقد الدولي خفّض توقعات نمو تركيا لعام 2026 إلى 3.4%، مشيرًا إلى ضعف الزخم وارتفاع أسعار الطاقة، مع توقع تضخم متوسط عند 28.6% في 2026.

هنا تصبح القطيعة مع إسرائيل جزءًا من معادلة أكبر. خسارة سوق بقيمة عدة مليارات لا تُسقط اقتصادًا مثل تركيا، لكنها تؤذي قطاعات بعينها: مواد البناء، السيارات، المعادن، الكيماويات، المواد الغذائية، والخدمات اللوجستية. كثير من هذه القطاعات لا تعمل في فراغ؛ هي تعتمد على تدفق مستمر للأسواق، وعلى هوامش ربح ضيقة، وعلى ثقة المورد والمشتري. حين تتحول التجارة إلى رهينة القرار السياسي، يبدأ التاجر والمصنع والمستثمر في طرح السؤال الأخطر: هل تركيا سوق يمكن التنبؤ به؟

وهنا لبّ المشكلة. الاقتصاد لا يخاف فقط من العداء السياسي؛ يخاف من عدم القدرة على التنبؤ. قد تختلف دولة مع أخرى، وقد ترفع صوتها سياسيًا، لكن المستثمر يسأل: هل القواعد ثابتة؟ هل قرارات اليوم يمكن أن تُقلب غدًا؟ هل التجارة تُدار بمنطق الدولة أم بمنطق المنابر؟

من جهة أخرى، يجب الاعتراف بأن أردوغان يستخدم العداء لإسرائيل كورقة داخلية قوية. في الشارع التركي، وخصوصًا بين القواعد المحافظة والقومية والإسلامية، الموقف المتشدد تجاه إسرائيل يمنح الحكومة لغة تعبئة، ويصرف الأنظار جزئيًا عن الألم الاقتصادي. لكن هذه الورقة لها حدود. لا يمكن للخطاب أن يخفض التضخم، ولا يمكن للغضب السياسي أن يملأ جيوب العمال، ولا يمكن للعداء الخارجي أن يعوّض انهيار القدرة الشرائية.

الأخطر أن السياسة التركية تجاه إسرائيل كثيرًا ما تبدو متناقضة: خطاب ناري من جهة، وتاريخ طويل من التجارة من جهة أخرى، ثم إعلان قطيعة، ثم حديث عن استمرار طرق غير مباشرة أو تضييق جديد على شهادات ومنشأ السلع. تقارير في 2025 و2026 أشارت إلى استمرار جدل حول التجارة غير المباشرة والقيود الإضافية، ما يعزز الانطباع بأن السياسة ليست دائمًا واضحة أو شفافة.

هل يعني ذلك أن على تركيا أن تصمت تجاه ما يجري في غزة؟ لا. الدول تملك حق اتخاذ مواقف أخلاقية وسياسية. لكن الفرق كبير بين موقف محسوب وبين سياسة عداء مفتوح تُدار بلا كلفة معلنة. الدولة الجادة تقول لشعبها: هذا موقفنا، وهذه كلفته، وهذه خطتنا لتعويض القطاعات المتضررة. أما تحويل العداء إلى مسرح دائم، ثم ترك الشركات والمصدرين يتحملون النتائج، فهو ليس بطولة اقتصادية.

الحقيقة أن إسرائيل ليست سبب الأزمة التركية، لكنها أصبحت مرآة لها. فالدولة التي يعاني اقتصادها من تضخم مرتفع، وتحتاج إلى العملات الأجنبية، وتحتاج إلى استثمارات، وتخشى هروب الثقة، يجب أن تكون حذرة جدًا في تحويل الخصومات السياسية إلى قطيعة اقتصادية شاملة. كل باب يُغلق قد لا يبدو مهمًا وحده، لكن الاقتصاد المنهك لا يسقط من ضربة واحدة؛ يسقط من ألف ضغط صغير يتراكم فوق بعضه.

لذلك، هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية؟
الجواب الأدق: ليس وحده، لكنه يدفعه خطوة إضافية نحو حافة لا تحتاج أصلًا إلى مزيد من الدفع.

تركيا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من المعارك الرمزية. تحتاج إلى استقرار، ثقة، إنتاج، أسواق مفتوحة، وسياسة خارجية تعرف كيف توازن بين الأخلاق والمصلحة. أما إذا استمرت الحكومة في استخدام الاقتصاد كذراع للصراعات السياسية، فالمشكلة لن تكون فقط مع إسرائيل؛ المشكلة ستكون أن تركيا تُقنع العالم، مرة بعد مرة، بأنها بلد يصعب التنبؤ به. وهذا أخطر على الاقتصاد من خسارة سوق واحدة.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في تركيا؟