أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟














المزيد.....

العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 07:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كثيراً ما يجد الإنسان العربي نفسه ممزقاً بين أسئلة الهوية الكبرى: هل أنتمي إلى العروبة أم إلى الإسلام؟ هل أعرّف نفسي باللغة والقومية أم بالدين والعقيدة؟ أم أن الانتماء الأوسع يجب أن يكون للحضارة الإنسانية بما فيها من علم وحرية وعدالة وكرامة؟
هذا السؤال لا يولد من الفراغ. لقد عاش العرب في القرن الأخير هزائم سياسية، وانقسامات مذهبية، واستبداداً داخلياً، وتبعية للخارج، وفشلاً في بناء دولة عادلة. لذلك تحولت الهوية من مصدر طمأنينة إلى ساحة صراع: القومي يتهم الإسلامي بأنه يذيب الوطن في الأمة، والإسلامي يتهم القومي بأنه يقدّم رابطة الدم واللغة على رابطة العقيدة، والحداثي يرى أن الطرفين يعيشان في الماضي ولا يملكان جواباً للمستقبل.
لكن ربما المشكلة ليست في العروبة ولا في الإسلام ولا في الحضارة، بل في تحويل كل واحدة منها إلى سجن مغلق.
العروبة ليست مجرد شعار سياسي. هي لغة وذاكرة وثقافة وأدب وموسيقى وتجربة تاريخية مشتركة. أن تكون عربياً يعني أنك تنتمي إلى فضاء واسع من المعاني: من الشعر الجاهلي إلى المتنبي، من بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، إلى لهجات الناس وحكاياتهم وأغانيهم اليومية. العروبة بهذا المعنى ليست عدواً للإسلام، ولا عدواً للإنسانية. هي بيت لغوي وثقافي، ومن لا بيت له يصعب عليه أن يخاطب العالم بثقة.
لكن العروبة تصبح خطيرة عندما تتحول إلى تعصب قومي، أو إلى أداة لإنكار حقوق غير العرب، أو إلى غطاء لاستبداد عسكري يرفع شعار الأمة بينما يقمع المواطن. لقد استُخدمت العروبة أحياناً كخطاب تعبوي كبير، لكنها فشلت عندما لم تحمِ حرية الإنسان العربي وكرامته. فلا قيمة لعروبة ترفع الراية ولا تحترم المواطن.
أما الإسلام، فهو بالنسبة لملايين العرب والمسلمين ليس مجرد هوية اجتماعية، بل معنى روحي وأخلاقي ووجودي. يعطي الإنسان جواباً عن الغاية، والموت، والعدل، والرحمة، والمسؤولية. الإسلام في جوهره يربط الإنسان بالله، ويدعوه إلى العدل، ويذكّره بأن الكرامة ليست هبة من الحاكم ولا من القبيلة ولا من الدولة، بل أصل في الإنسان.
لكن الإسلام أيضاً يُشوَّه عندما يُختزل في سلطة سياسية أو حزب أو جماعة أو جهاز رقابة على الناس. الدين حين يتحول إلى أداة احتكار سياسي يفقد روحه. ليس كل من رفع شعار الإسلام أقام العدل، وليس كل من تكلم باسم الشريعة احترم كرامة الإنسان. ولذلك يجب التفريق بين الإسلام كإيمان وقيم، وبين الإسلام السياسي حين يتحول إلى صراع على السلطة.
أما الحضارة، فهي ليست بديلاً عن العروبة والإسلام، بل الإطار الذي يختبر صدقهما في الواقع. الحضارة تعني العلم، والمؤسسات، والقانون، والحرية، والطب، والتعليم، واحترام الوقت، وحماية الضعيف، وتداول السلطة، والقدرة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط. لا يكفي أن نقول نحن أصحاب تاريخ عظيم؛ السؤال الأهم: ماذا نصنع اليوم؟ هل نبني جامعة محترمة؟ هل نحمي طفلاً من الجوع؟ هل نحاسب فاسداً؟ هل ننتج دواءً وتقنية وفناً وفكراً؟
الحضارة لا تسأل الإنسان عن شعاره أولاً، بل عن أثره. قد يرفع المرء راية العروبة أو الإسلام، لكنه إن كان يبرر الظلم والجهل والفساد فهو خارج منطق الحضارة. وقد يكون الإنسان مؤمناً أو قومياً أو ليبرالياً، لكنه يخدم الحضارة إن دافع عن العدالة والحرية والمعرفة وكرامة الإنسان.
إذن، إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
الجواب ليس اختياراً قاسياً بين العروبة والإسلام والحضارة. الانتماء الناضج يستطيع أن يجمع بينها دون تناقض: ننتمي إلى العروبة كلغة وثقافة وذاكرة، وإلى الإسلام كقيم روحية وأخلاقية لمن يؤمن به، وإلى الحضارة كمشروع إنساني عملي يقوم على العلم والعدل والحرية.
المشكلة تبدأ عندما نقول: إما هذا أو ذاك. فالإنسان ليس طبقة واحدة. يمكن أن يكون عربياً في لغته ووجدانه، مسلماً في إيمانه وقيمه، إنسانياً في أخلاقه، وحضارياً في سلوكه وعمله. هذا ليس تناقضاً، بل اكتمال.
الانتماء الحقيقي لا يجب أن يكون ضد الآخرين. العروبة الصحيحة لا تعادي الكردي أو الأمازيغي أو السرياني. والإسلام الصحيح لا يظلم المسيحي أو اليهودي أو غير المؤمن. والحضارة الحقيقية لا تسحق الخصوصيات الثقافية باسم التقدم. الانتماء الذي يحتاج إلى كراهية الآخر كي يثبت نفسه هو انتماء ضعيف وخائف.
نحتاج اليوم إلى هوية مركبة لا هوية مغلقة. هوية تقول: أنا عربي، لكنني لا أحتقر غير العربي. أنا مسلم، لكنني لا أكره غير المسلم. أنا ابن حضارة إنسانية، لكنني لا أتنكر لجذوري. بهذه الصيغة فقط يمكن أن نخرج من صراعات الهوية العقيمة إلى سؤال العمل والبناء.
لقد جرّب العرب شعارات كثيرة: الوحدة، التحرير، الصحوة، الأصالة، المعاصرة. لكن الشعار الذي نحتاجه اليوم أبسط وأصعب: الإنسان أولاً. لا معنى لعروبة لا تحمي الإنسان، ولا معنى لتدين لا يرحم الإنسان، ولا معنى لحضارة لا تكرّم الإنسان.
الخلاصة أن الانتماء الأفضل ليس إلى العروبة وحدها، ولا إلى الإسلام وحده بمعناه السياسي الضيق، ولا إلى الحضارة كقشرة غربية مستوردة. الانتماء الأجدر هو إلى مشروع يجمع الجذور بالعدل، والإيمان بالعقل، والهوية بالحرية، والماضي بالمستقبل. أن ننتمي إلى ما يجعلنا أكثر إنسانية، لا أكثر تعصباً؛ أكثر قدرة على البناء، لا أكثر مهارة في ترديد الشعارات.
فالعروبة تمنحنا اللسان والذاكرة، والإسلام يمنح المؤمنين المعنى والقيم، والحضارة تمنح الجميع معيار العمل والإنجاز. وحين تتكامل هذه الدوائر بدل أن تتصارع، يمكن للإنسان العربي أن يتوقف عن سؤال: من أنا؟ ويبدأ بسؤال أهم: ماذا سأفعل بما أنا عليه؟



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...


المزيد.....




- رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج ...
- وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ ...
- إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران ...
- أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس ...
- قائد حرس الثورة الإسلامية في طهران الكبرى العميد -حسن حسن ز ...
- فرنسا: الحبس الاحتياطي لتونسي خطط لهجمات تستهدف متحف اللوفر ...
- حرس الثورة الاسلامية يراقب بدقة وحزم كافة التحركات في المنطق ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلّقة انقضاضيّة آليّ ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أرفع أسمى آيات الشكر للدعم ال ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟