أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دولة, سوريا القاعدية نموذجاً














المزيد.....

كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دولة, سوريا القاعدية نموذجاً


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 04:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في كل مرة يقترب فيها الإسلام السياسي من السلطة، يبدو الخطاب واضحًا ومطمئنًا: حلول جاهزة، هوية جامعة، وعد بالعدل والاستقرار. لكن ما إن ينتقل من موقع المعارضة إلى موقع الحكم، حتى تتكشف فجوة عميقة بين ما قيل وما يمكن تطبيقه. لأن الدولة، ببساطة، ليست فكرة مجردة يمكن فرضها، بل شبكة معقدة من المصالح والمؤسسات والتوازنات. وما يحدث اليوم في سوريا يعيد طرح هذه الحقيقة بشكل صارخ.

التحول الذي شهدته سوريا لم يُنتج “دولة دينية” صريحة كما تخيل البعض، ولم يحافظ أيضًا على نموذج الدولة التقليدية السابقة. بل أفرز واقعًا هجينًا: قيادة ذات خلفية إسلامية تحاول أن تتحدث بلغة الدولة الحديثة، دون أن تنفصل تمامًا عن جذورها الأيديولوجية. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، لأن الجمع بين الأمرين ليس سهلًا كما يبدو في الخطابات.

في مرحلة المعارضة، كان من السهل رفع شعارات شاملة: “الحل في الشريعة”، “العدل الإلهي”، “نظام مختلف عن فساد الأنظمة القائمة”. لكن عندما تصبح مسؤولًا عن إدارة اقتصاد منهك، وتأمين الغذاء والطاقة، وإدارة علاقات دولية، تتغير المعادلة. لا يمكن تشغيل دولة بخطاب تعبوي، ولا يمكن تجاهل التعقيدات اليومية التي لا تعترف بالشعارات.

لهذا نرى أن الخطاب يتغير تدريجيًا. بدلاً من الحديث عن “حكم ديني”، يظهر حديث عن “دولة مؤسسات” و”قانون” و”مواطنة”. هذا التحول ليس بالضرورة قناعة فكرية جديدة، بل نتيجة ضغط الواقع. لأن أي سلطة تريد البقاء تحتاج إلى حد أدنى من القبول الداخلي والاعتراف الخارجي، وهذان الشرطان لا يتحققان عبر خطاب أيديولوجي مغلق.

لكن هذا التحول يخلق مأزقًا مزدوجًا. فمن جهة، يفقد التيار جزءًا من قاعدته التي دعمته على أساس مشروع ديني واضح، ومن جهة أخرى لا يكسب ثقة كاملة من خصومه أو من المجتمع الدولي، الذي ينظر بعين الشك إلى الخلفية السابقة. النتيجة هي سلطة عالقة في المنتصف: لا تستطيع العودة إلى خطابها القديم، ولا تنجح في التحول الكامل إلى نموذج جديد.

في الحالة السورية، يظهر هذا التناقض في أكثر من مستوى. على مستوى الحكم، هناك حديث عن مؤسسات ودستور، لكن في الواقع تبقى مراكز القرار محدودة وغير خاضعة لتوازنات حقيقية. على مستوى المجتمع، يُرفع شعار “الدولة للجميع”، لكن الممارسة على الأرض لا تزال تعكس حساسية تجاه الاختلاف والتعدد. وعلى المستوى الدولي، تُرسل إشارات انفتاح، لكن الشكوك تبقى قائمة بسبب الماضي والهوية غير المحسومة.

الأخطر من ذلك أن هذه الحالة الرمادية تُنتج عدم استقرار طويل الأمد. فالدولة التي لا تُعرّف نفسها بوضوح، ولا تبني عقدًا اجتماعيًا صريحًا مع مواطنيها، تبقى عرضة للاهتزاز مع كل أزمة. لأن الناس لا تحتاج فقط إلى خدمات، بل إلى وضوح في القواعد التي تحكم حياتهم. وعندما تغيب هذه القواعد أو تتغير حسب الظرف، تتآكل الثقة تدريجيًا.

التجربة السورية تطرح أيضًا سؤالًا أعمق: هل المشكلة في التطبيق أم في الفكرة عندما تتحول إلى مشروع حكم شامل؟ لأن الإسلام السياسي—في كثير من طرحه—لا يقدم نفسه كخيار سياسي ضمن خيارات متعددة، بل كبديل كامل ونهائي. وهذا ما يجعله يصطدم بطبيعة الدولة الحديثة، التي تقوم على التعدد والتفاوض والتسويات المستمرة، لا على اليقين المطلق.

وعندما يحدث هذا الاصطدام، تظهر نتيجتان متكررتان: إما التشدد ومحاولة فرض الرؤية بالقوة، وهو ما يؤدي غالبًا إلى الفشل والعزلة، أو التراجع التدريجي وإعادة التكيّف، وهو ما يؤدي إلى فقدان الهوية الأصلية. وفي الحالتين، لا تتحقق الوعود التي تم تقديمها في البداية.

في سوريا اليوم، لا نرى نموذجًا مكتملًا يمكن الدفاع عنه بسهولة. لا هو “الحلم الأيديولوجي” الذي رُوّج له، ولا هو دولة مستقرة بمؤسسات راسخة. بل تجربة انتقالية مليئة بالتناقضات، تكشف حدود الشعارات عندما تُختبر في الواقع. وهذا بحد ذاته كافٍ لإعادة التفكير في الفكرة من أساسها، لا فقط في طريقة تطبيقها.

قد يجادل البعض بأن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم، وأن أي تجربة تحتاج إلى سنوات لتستقر. هذا صحيح جزئيًا. لكن المؤشرات الأولى دائمًا مهمة، لأنها تكشف الاتجاه. وعندما يكون الاتجاه قائمًا على التردد والتناقض، فإن ذلك لا يبشر بنموذج مستقر على المدى الطويل.

في النهاية، الحكم ليس ساحة لإثبات صحة الأفكار، بل مسؤولية تجاه حياة الناس اليومية. والناس لا تعيش على الشعارات، بل على نتائج ملموسة: أمن، اقتصاد، عدالة، وحرية. وعندما يفشل أي مشروع—دينيًا كان أو غير ديني—في تحقيق هذه الأساسيات، يصبح من الطبيعي أن يُطرح السؤال من جديد، وبصوت أعلى:

هل المشكلة في الظروف التي تعيق النجاح… أم في الفكرة نفسها عندما تتحول إلى سلطة تحاول أن تكون كل شيء في آن واحد؟



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...
- الى اين تسير تركيا في علاقتها مع امريكا هل هي اسرائيل الخفية ...
- عندما يصبح الدين ثوبًا على مقاس الحاكم: كيف نصب أردوغان الأت ...
- عقدة الخواجة: لماذا تقبّل تركيا أقدام الأوروبيين بينما تدوس ...
- صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...


المزيد.....




- المطران عطاالله حنا: سيبقى الصوت المسيحي في هذه الديار صوتًا ...
- حرس الثورة الاسلامية: اعتقال 155 جاسوساً بينهم 4 يتبعون للمو ...
- سلاح الطائفية: كيف يحاول الاحتلال تفكيك النسيج اللبناني لفرض ...
- صوت من الجنة: رحيل الشيخ ناجي القزاز.. قيثارة السماء
- جدل في مراكش عقب أداء سياح يهود صلوات تلمودية أمام أسوار الم ...
- إدانة عربية وإسلامية واسعة لانتهاكات الاحتلال في القدس وتوسع ...
- يهودي يُحتجز بسبب علمين على -كيباه- يرتديه.. والشرطة الإسرائ ...
- الإسلام الديمقراطي في تونس: قراءة في -المأزق الكافكوي- وصراع ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا آلية هامر إسرائيلية ع ...
- القدس.. إسرائيل توافق على إنشاء مدرسة يهودية متشددة في الشيخ ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دولة, سوريا القاعدية نموذجاً