أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟














المزيد.....

صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 16:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في تركيا، لم يكن الصدام بين الدين والعلمانية مجرد خلاف فكري هادئ حول شكل الدولة، بل كان صراعاً طويلاً على هوية الجمهورية نفسها: هل تكون تركيا دولة يحكمها تصور كمالي صارم يضع الدين تحت رقابة الدولة ويضيّق حضوره في المجال العام، أم دولة يخرج فيها الدين من الهامش إلى مركز السياسة والثقافة والتعليم؟ هذا الصراع لم يُحسم نهائياً، لكنه غيّر وجه البلاد بعمق.

العلمانية التركية، كما تأسست في الجمهورية المبكرة، لم تكن علمنة محايدة بالكامل بقدر ما كانت مشروعاً سيادياً لفرض نموذج حديث موحّد على مجتمع متدين ومتعدد. لقد أبقت الدولة الدين تحت الإدارة والضبط، بدل أن تتركه حراً بالكامل، ثم ظهر لاحقاً تيار محافظ واسع رأى في هذا النموذج إقصاءً لهويته الاجتماعية والثقافية. ومن هنا جاء صعود حزب العدالة والتنمية بوصفه تمرداً سياسياً على وصاية النخب الكمالية أكثر من كونه مجرد عودة للدين إلى الفضاء العام.

خلال العقدين الأخيرين، حقق التيار المحافظ انتصاراً كبيراً لا يمكن إنكاره. تراجعت هيمنة المؤسستين العسكرية والقضائية اللتين كانتا تاريخياً حصنين للعلمانية الصلبة، واتسع حضور التعليم الديني، وازدادت رمزية رئاسة الشؤون الدينية، وعادت الرموز الدينية إلى مؤسسات الدولة والمجال العام بعد أن كانت محاصرة أو مقيدة. كما أن الجدل حول الدين لم يعد يدور من موقع دفاعي، بل أصبح جزءاً من خطاب السلطة نفسها.

إذاً، من المنتصر؟
سياسياً وثقافياً، يمكن القول إن المحافظين المتدينين انتصروا على العلمانية الوصائية القديمة. لم تعد تركيا التي كانت فيها النخبة الكمالية قادرة بسهولة على إقصاء المتدينين من الدولة أو فرض تصورها وحدها لمعنى الحداثة. لكن هذا لا يعني أن “الدين” انتصر بوصفه قيمة أخلاقية جامعة، ولا أن “العلمانية” هُزمت نهائياً بوصفها مبدأ دستورياً؛ فتركيا لا تزال دستورياً دولة علمانية، ولا يزال المجتمع منقسماً بحدة حول معنى هذا المفهوم وحدود الدين في السياسة.

المفارقة أن المنتصر السياسي لم ينجح في إنهاء الصراع، بل أعاد إنتاجه بصيغة جديدة. فبدلاً من وصاية علمانية على المجتمع، ظهرت في نظر خصومه نزعة لفرض محافظة رسمية من أعلى، خصوصاً في التعليم والثقافة والخطاب العام. وقد أشارت تقارير وتحليلات إلى أن توسيع التعليم الديني وإدخال مزيد من المرجعيات الأخلاقية المحافظة في المدارس أثار مخاوف التيارات العلمانية من إعادة هندسة المجتمع عبر مؤسسات الدولة.

أما الثمن، فهو باهظ.
أولاً، ثمن الحريات. فالصراع لم يبقِ نفسه داخل حدود النقاش الديمقراطي، بل ترافق مع تركز شديد للسلطة التنفيذية وتراجع في الضوابط والتوازنات، خصوصاً بعد التعديلات الدستورية التي عززت النظام الرئاسي. وتصف تقارير دولية تركيا بأنها شهدت تراجعاً واضحاً في الحقوق السياسية والحريات المدنية، مع تضييق على المعارضين والنشطاء وازدياد القلق بشأن نزاهة المنافسة السياسية.

ثانياً، ثمن السلم الأهلي الرمزي. لقد انقسم الأتراك إلى معسكرات تنظر إلى بعضها بشك عميق: متدينون يرون أن العلمانية القديمة احتقرتهم دهراً، وعلمانيون يرون أن المحافظة الحاكمة تريد تطويع الدولة والمجتمع وفق فهم ديني-سياسي ضيق. هذا الانقسام لا يظهر فقط في الانتخابات، بل في المدرسة، والجامعة، والإعلام، واللغة اليومية، وحتى في تعريف “التركي الجيد”.

ثالثاً، ثمن التعددية الدينية نفسها. فحين يعلو حضور نسخة رسمية من التدين السني في المجال العام، تشعر الأقليات الدينية والمذهبية بأنها أقل تمثيلاً أو حماية. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار القيود والمشكلات القانونية التي تواجه بعض الأقليات الدينية، وإلى أن المساواة الكاملة في الممارسة والاعتراف المؤسسي ما زالت بعيدة.

رابعاً، ثمن الدولة نفسها. فالدولة التي كان يفترض أن تكون حكماً بين المجتمع وتياراته تحولت في مراحل كثيرة إلى طرف في المعركة. وعندما تصبح مؤسسات التعليم والدين والقضاء والإعلام أدوات في صراع هوية، يضعف شعور المواطن بأن الدولة ملك للجميع. هنا لا يعود السؤال: هل يحكم الدين أم العلمانية؟ بل: هل بقيت هناك مساحة محايدة يتنفس فيها الجميع؟ وهذا استنتاج تحليلي تدعمه المؤشرات المتعلقة بتركيز السلطة وتدهور مناخ الحقوق والحريات.

ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من الطرفين حقق نصراً كاملاً. العلمانية لم تمت، لأنها ما زالت جزءاً من البنية الدستورية والهوية الجمهورية ووجدان شرائح واسعة من المجتمع الحضري والتعليمي. والدين لم “يحكم” بالمعنى التقليدي، لأن تركيا ما تزال محكومة بمنطق الدولة القومية، والمصالح، والانتخابات، والبيروقراطية، أكثر مما تحكمها الشريعة أو المرجعية الدينية المباشرة. الذي انتصر فعلياً ربما ليس الدين ولا العلمانية، بل السياسة التي تستخدم كليهما.

لهذا، فإن السؤال الأدق ليس: من المنتصر؟ بل: من دفع الثمن؟
الجواب: المجتمع التركي كله. دفع الثمن في صورة استقطاب دائم، وتآكل في الثقة، وتراجع في الحريات، وتحويل أسئلة الهوية إلى معارك سلطة لا تنتهي. لقد كسر المحافظون احتكار العلمانية القديمة للدولة، لكنهم لم يبنوا بعد صيغة جامعة تطمئن الجميع. وخسرت العلمانية حين تحولت في الماضي إلى أداة إقصاء، وخسر الدين حين تحوّل في الحاضر إلى وقود للاستقطاب السياسي.

تركيا اليوم ليست جمهورية علمانية كما أرادها الكماليون تماماً، ولا دولة دينية كما يتخيل خصوم الإسلاميين. إنها ساحة شدّ وجذب بين إرثين كبيرين، وما لم يتحول هذا الصدام من معركة غلبة إلى عقد مواطنة عادل، فسيبقى كل “انتصار” مؤقتاً، وسيبقى الثمن أعلى من المكسب.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع ترك ...
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...


المزيد.....




- الجيش الأردني يعلن إسقاط صاروخين أطلقتهما إيران وإصابة شخصين ...
- مصادر: إنقاذ أحد فردي طاقم مقاتلة أمريكية أُسقطت فوق إيران و ...
- أمريكا تطلق عملية إنقاذ لطائرة مقاتلة أُسقطت فوق إيران.. وفي ...
- قاذفات -بي 52- في سماء إيران.. هل تدفع واشنطن نحو مرحلة تصعي ...
- ماذا بعد قصف أكبر جسر في إيران؟
- -العاصفة الترابية الدامية- تضرب ليبيا واليونان.. فما هي؟ وكي ...
- تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تثقل أعباء حكومات دول آسيوية و ...
- قوات الباسيج تشن حملة ترهيب لثني الإيرانيين عن التظاهر
- تصريحات إسرائيلية: تجريد حزب الله من سلاحه ليس من أهداف الحر ...
- ترمب: الاستيلاء على النفط الإيراني سيحقق ثروة طائلة


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - صدام الدين والعلمانية في تركيا: من المنتصر وما هو الثمن؟