أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية















المزيد.....

مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 02:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد العلاقة التركية العربية اليوم تُقاس فقط بحجم التبادل التجاري، ولا بعدد الزيارات الدبلوماسية، ولا حتى بخطابات المجاملة السياسية التي تتكرر في المؤتمرات والقمم. فخلف هذه الواجهة الرسمية توجد مشكلة أعمق وأخطر، وهي تصاعد النزعة العنصرية في قطاعات من المجتمع والسياسة والإعلام في تركيا تجاه العرب، وهي نزعة باتت تؤثر مباشرة في صورة تركيا داخل الوعي العربي، وتهدد مستقبل العلاقة بين الطرفين على المدى البعيد.

لقد حاولت أنقرة خلال العقود الأخيرة تقديم نفسها بوصفها قوة إقليمية قريبة من العالم العربي، مستفيدة من التاريخ المشترك، والجوار الجغرافي، والتقاطع الديني والثقافي، إضافة إلى الفراغ الذي تركته قوى عربية منهكة بالصراعات الداخلية. لكن هذا التوجه التركي اصطدم بواقع مختلف على الأرض، إذ اكتشف كثير من العرب أن الخطاب الرسمي الودي لا ينسجم دائمًا مع المزاج الشعبي والإعلامي السائد داخل تركيا، حيث يُصوَّر العربي في كثير من الأحيان كعبء، أو كغريب غير مرغوب فيه، أو كمصدر تهديد للهوية والاقتصاد والأمن.

العنصرية ضد العرب في تركيا ليست مجرد حالات فردية أو انفعالات عابرة، بل أصبحت في أحيان كثيرة جزءًا من خطاب سياسي وإعلامي منظم. فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية أو ارتفعت حدة الاستقطاب الانتخابي، جرى استدعاء ملف اللاجئين والعرب عمومًا بوصفهم مادة سهلة للتحريض الشعبي. وهكذا تحوّل العربي في الخطاب الشعبوي إلى شماعة تُعلّق عليها مشكلات التضخم والبطالة وتدهور الخدمات، حتى لو كانت الأسباب الحقيقية أعمق وأكثر تعقيدًا وتتعلق ببنية الاقتصاد والسياسات الحكومية نفسها.

هذا المناخ لا يمكن أن يبقى بلا أثر. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر الحكومات، بل عبر الانطباعات المتبادلة أيضًا. وعندما يشعر العربي أنه مُهان أو مُستهدف أو موضع كراهية في تركيا، فإن ذلك ينعكس تدريجيًا على نظرته إلى الدولة التركية كلها، لا إلى العنصريين وحدهم. ومع تكرار حوادث الاعتداء اللفظي والجسدي، وحملات التحريض على وسائل التواصل، والخطاب الإعلامي الذي يحمّل العرب مسؤولية أزمات تركيا، تتآكل صورة تركيا التي حاولت أنقرة بناءها طويلًا في العالم العربي كحليف أو نموذج أو شريك محترم.

ومع ذلك، فإن مستقبل العلاقة التركية العربية لن يكون محكومًا فقط بموجة العنصرية الحالية، بل سيتحدد وفق قدرة الطرفين على التمييز بين المصالح الاستراتيجية وبين الأمراض السياسية والاجتماعية المؤقتة. فهناك حقائق جيوسياسية واقتصادية تجعل من الصعب على تركيا والعالم العربي الذهاب إلى قطيعة كاملة. تركيا تحتاج إلى الأسواق العربية، والاستثمارات العربية، والطاقة، والموقع العربي في معادلات الإقليم. والعرب بدورهم يتعاملون مع تركيا بوصفها دولة مؤثرة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، ولا يمكن تجاهل دورها في ملفات سوريا والعراق وليبيا والخليج وشرق المتوسط.

لكن بقاء المصالح لا يعني بقاء الثقة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالعلاقة قد تستمر رسميًا، لكنها قد تصبح باردة ومصلحية وخالية من أي عمق شعبي أو وجداني. وهذا أخطر على المدى الطويل من الخلافات الدبلوماسية العابرة. إذ يمكن للدول أن تتجاوز أزمة سياسية خلال أشهر، لكن من الصعب ترميم صورة شعب في ذهن شعب آخر إذا ترسخت صورة الإهانة والاحتقار والاستعلاء. والعرب الذين كانوا ينظرون أحيانًا إلى تركيا بإعجاب أو فضول أو تعاطف، بات كثير منهم يعيد تقييم هذه النظرة في ضوء التجارب المعيشة، لا في ضوء المسلسلات والخطابات الرنانة.

إن استمرار العنصرية التركية ضد العرب سيقود على الأرجح إلى أحد ثلاثة مسارات. المسار الأول هو استمرار العلاقة بشكل براغماتي بحت، حيث تتعاون الحكومات وتوقع الاتفاقات، بينما يبقى المستوى الشعبي متوترًا ويفتقد الثقة. وهذا هو السيناريو الأقرب في المدى المنظور. أما المسار الثاني فهو تراجع تدريجي في الحضور التركي المعنوي داخل العالم العربي، بحيث تخسر تركيا رصيدها الرمزي والثقافي حتى لو حافظت على بعض المصالح الاقتصادية. والمسار الثالث، وهو الأفضل لكنه الأصعب، فيقوم على مراجعة تركية داخلية جادة للخطاب العنصري، وإعادة صياغة العلاقة مع العرب على أساس الاحترام المتبادل لا على أساس الاستعلاء أو الاستغلال السياسي.

غير أن الوصول إلى هذا المسار الإيجابي يتطلب من تركيا أولًا الاعتراف بالمشكلة بدل إنكارها أو تبريرها. فلا يمكن بناء علاقة صحية مع العالم العربي بينما يتعرض العرب داخل تركيا للتشهير والتحريض والابتزاز السياسي. كما يتطلب الأمر ضبط الإعلام الشعبوي، ومحاسبة خطاب الكراهية، وفصل الملفات الاقتصادية والانتخابية عن التحريض على الأجانب، وإرسال رسائل واضحة بأن العربي ليس هدفًا مشروعًا للغضب الداخلي. فالدولة التي تريد شراكة طويلة الأمد مع محيطها لا يجوز لها أن تسمح بتغذية الكراهية ضد ذلك المحيط داخل مجتمعها.

وفي المقابل، على العرب أيضًا أن ينظروا إلى تركيا بعيون واقعية لا عاطفية. فالعلاقة مع أنقرة ليست علاقة أخوة رومانسية، ولا عداوة قدرية، بل علاقة مصالح واختبارات وتجارب. والوعي العربي اليوم مطالب بأن يفرّق بين تركيا الرسمية وتركيا الشعبية، وبين المصالح المشتركة والنزعات العنصرية، وأن يدرك أن أي علاقة متوازنة لا يمكن أن تقوم إلا على الندية والاحترام. فالتغاضي العربي الدائم عن الإهانات بحجة المصالح لا يصنع شراكة، بل يشجع الطرف الآخر على التمادي.

في النهاية، يمكن القول إن مستقبل العلاقة التركية العربية سيتوقف على سؤال بسيط في ظاهره وعميق في جوهره: هل تريد تركيا العرب شركاء فعلًا، أم مجرد أدوات اقتصادية وسياسية مؤقتة؟ إذا بقي العربي في المخيال التركي الشعبي والسياسي مجرد لاجئ ثقيل، أو سائح مرغوب بماله لا بكرامته، أو ورقة انتخابية للاستعمال الداخلي، فإن العلاقة ستستمر ظاهريًا لكنها ستفرغ من مضمونها. أما إذا أدركت تركيا أن احترام العرب ليس مسألة أخلاقية فقط بل مصلحة استراتيجية أيضًا، فقد يكون بالإمكان إنقاذ هذه العلاقة وإعادة بنائها على أسس أكثر صلابة وعدلًا.

فالعلاقات بين الأمم لا يحميها التاريخ وحده، ولا الدين وحده، ولا الجغرافيا وحدها. الذي يحميها حقًا هو الاحترام. وحين يغيب الاحترام، يصبح كل تقارب مؤقتًا، وكل تحالف هشًا، وكل خطاب أخوة مجرد قناع رقيق فوق جرح مفتوح.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...


المزيد.....




- نتانياهو يعلن -تقدمًا- في الحرب على إيران وضربات الطاقة ترفع ...
- ماكرون: انطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل مرتبط بمواف ...
- إيران تقصف إسرائيل بـ5 دفعات صاروخية خلال ساعة
- -المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان-.. نتنياهو يستحضر -فلسف ...
- بوليتيكو: ترمب يستعد للاستيلاء على جزيرة خارك.. إليكم ما قد ...
- الإمارات تعلن -تفكيك شبكة إرهابية مرتبطة بحزب الله اللبناني ...
- التلفزيون الإيراني يعرض إنقاذ رجل من تحت أنقاض جنوب خراسان
- مباشر: نتنياهو ينفي أن يكون قد -جرّ- واشنطن إلى الحرب مع إير ...
- محمد بن زايد يبحث مع ترمب الاعتداءات الإيرانية على الإمارات ...
- من الهند إلى هوليود.. -صوت هند رجب- يواجه محاولات المنع والت ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية