أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟















المزيد.....

لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 09:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين يقال إن “الإسلام لا يستطيع إدارة دولة”، يكون في العبارة ظلم واختزال، لأن الإسلام بوصفه ديناً أوسع وأعمق من أن يُختزل في تجارب الأحزاب، أو في أداء الجماعات، أو في فشل الحركات التي رفعت شعاره. لكن إذا كان المقصود هو الإسلام الحالي كما يتمثل في خطابه السياسي المعاصر، وفي أغلب القوى التي تتحدث باسمه اليوم، فإن السؤال يصبح أكثر دقة: لماذا يبدو هذا الإسلام عاجزاً عن بناء دولة حديثة مستقرة وعادلة وقابلة للحياة؟

الجواب، في رأيي، ليس لأن الإسلام في ذاته ضد الدولة، بل لأن الإسلام السياسي المعاصر، في صورته الغالبة، يعيش أزمة عميقة في فهم الدولة نفسها.

المشكلة ليست في الدين بل في العقل الذي يتحدث باسمه

الإسلام، كمنظومة إيمانية وأخلاقية وحضارية، لا يمنع قيام العدل، ولا يعارض التنظيم، ولا يرفض العمران، ولا يحرم الناس من الحق في بناء مؤسسات قوية. المشكلة ليست هنا. المشكلة في أن كثيراً ممن يتحدثون اليوم باسم الإسلام لا يفكرون بعقلية الدولة، بل بعقلية:

الجماعة

الدعوة

الغلبة

الهوية

والطهرانية الأخلاقية

وهذه كلها قد تصلح لتحريك جمهور، لكنها لا تكفي لإدارة دولة.

الدولة ليست خطبة جمعة، ولا درساً في العقيدة، ولا ساحة تعبئة وجدانية. الدولة جهاز معقد يحتاج إلى:

قانون

مؤسسات

توازنات

إدارة مصالح

حماية حقوق

قبول بالتعدد

وفصل بين المقدس والبشري في مجال القرار التنفيذي

وهنا يبدأ العجز.

الإسلام الحالي يريد مجتمعاً مطيعاً أكثر مما يريد دولة فعالة

أغلب التيارات الإسلامية المعاصرة لا تنظر إلى الدولة باعتبارها عقداً مدنياً بين مواطنين متساوين، بل باعتبارها أداة لإنتاج “المجتمع الصحيح”. وهذا فرق خطير. فبدل أن تسأل:

كيف نبني قضاءً مستقلاً؟

كيف نمنع الفساد؟

كيف نخلق اقتصاداً منتجاً؟

كيف نحمي الحريات؟

كيف ندير الاختلاف؟

ينشغل كثير من الإسلاميين بأسئلة أخرى:

كيف نضبط الأخلاق؟

كيف نمنع المنكر؟

كيف نفرض الهوية؟

كيف نحرس المظهر العام؟

كيف نؤكد أن الدولة “إسلامية” في شعارها؟

وهكذا يتحول الحكم من إدارة شؤون الناس إلى وصاية عليهم.

الدولة الحديثة لا تُدار بالنوايا الصالحة

من أكبر أوهام الإسلام الحالي أنه يعتقد أن:

التدين

حسن النية

الخطاب الأخلاقي

ورفع الشعارات الدينية

يمكن أن تعوض نقص الخبرة المؤسسية والفهم السياسي.

لكن الدول لا تُدار بالنوايا.
تُدار بالمعرفة، وبناء المؤسسات، والقدرة على الفصل بين:

الإيمان الشخصي

والمصلحة العامة

والقرار الإداري

والواقع المعقد

كم من حركة إسلامية دخلت الحكم وهي تتكلم عن العدل والنهضة والهوية، ثم سرعان ما اصطدمت بحقائق الدولة الحديثة، لأنها كانت تعرف كيف تعبئ الشارع، لكنها لا تعرف كيف تدير:

وزارة

ميزانية

جهاز قضاء

اقتصاداً منهكاً

أو مجتمعاً متنوعاً لا يفكر كله بالطريقة نفسها

الإسلام الحالي يعاني من فقر في مفهوم المواطن

واحدة من أكبر مشكلات الإسلام السياسي اليوم أنه لم يحسم علاقته بفكرة المواطنة.
هو ما يزال في كثير من صوره يفكر بمنطق:

المؤمن وغير المؤمن

الملتزم وغير الملتزم

المسلم الصحيح وغيره

الجماعة والآخر

بينما الدولة الحديثة تقوم على أساس مختلف تماماً:
المواطن، لا “المنتمي إلى التأويل الصحيح”.

وعندما لا يكون المواطن هو الأساس، تظهر الكوارث:

التمييز

الإقصاء

الشك في المختلف

تضييق الحريات

واعتبار المعارضة نوعاً من الانحراف لا حقاً مشروعاً

وهكذا تصبح الدولة الإسلامية المعاصرة، في التطبيق، أقرب إلى مشروع فرز أخلاقي وهوياتي منها إلى دولة قانون.

الإسلام الحالي لا يحسن الفصل بين المقدس والبشري

في الدولة الحديثة، الحاكم بشر، والقرار السياسي بشري، والإدارة بشرية، والخطأ وارد، والمراجعة ضرورية، والمحاسبة واجبة. لكن الإسلام الحالي، حين يدخل السياسة، يخلط كثيراً بين:

ما هو ديني مقدس

وما هو اجتهاد بشري قابل للخطأ

وهذا الخلط مدمّر.

لأن الحزب حين يتكلم باسم الدين، يصبح نقده صعباً.
والحاكم حين يحيط نفسه بهالة دينية، يصبح الاعتراض عليه أقرب إلى التهمة الأخلاقية.
والقرار الإداري الفاشل قد يُغطى بشعار “المشروع الإسلامي” بدل أن يُحاسب كقرار دنيوي أخطأ وأضرّ بالناس.

وهكذا تتضخم السلطة، لا لأنها ناجحة، بل لأنها تتخفى وراء المقدس.

الإسلام الحالي يعيش في الماضي أكثر مما يفهم الحاضر

جزء كبير من عجزه يأتي من أنه ما يزال يريد أن يحل مشكلات القرن الحادي والعشرين بعقلية مستعارة من عصور قديمة، أو بصور مثالية متخيلة عن “الدولة الإسلامية” من دون فهم عميق للفروق التاريخية.

العالم اليوم تحكمه:

مؤسسات معقدة

اقتصاد عالمي

قانون دولي

تكنولوجيا

إعلام مفتوح

مجتمعات متنوعة

وإيقاع حياة لا يشبه شيئاً من القرون الماضية

لكن الإسلام الحالي كثيراً ما يتعامل مع هذه الأسئلة بعقلية دفاعية، أو تبسيطية، أو شعاراتية. يملك يقيناً أخلاقياً، لكنه يفتقر إلى أدوات الدولة الحديثة.

أزمته أنه يريد السلطة قبل أن يفهمها

كثير من الإسلاميين يريدون الوصول إلى الحكم قبل أن يجيبوا عن الأسئلة الكبرى:

ما شكل الدولة التي يريدونها؟

ما حدود الحريات فيها؟

ما موقع المرأة؟

ما وضع الأقليات؟

ما معنى تداول السلطة؟

هل الشعب مصدر الشرعية أم فقط أداة تمنحهم التفويض؟

هل يقبلون فعلاً بخسارة الانتخابات؟

هل يؤمنون بالدولة أم فقط بالتمكين؟

ولهذا، عندما يصل بعضهم إلى السلطة، يظهر التناقض سريعاً. لأنهم يدخلون الحكم بعقلية المنتصر، لا بعقلية البنّاء.

لماذا يفشل “الإسلام الحالي” تحديداً؟

لأنه في صورته الغالبة اليوم:

أخلاقي أكثر من كونه مؤسسياً

هوياتي أكثر من كونه مدنياً

تعبوي أكثر من كونه إدارياً

ماضوي أكثر من كونه مستقبلياً

جماعاتي أكثر من كونه وطنياً جامعاً

وهذا كله يجعله قادراً على إثارة الحماس، لكنه غير قادر على بناء دولة مستقرة وعادلة وحديثة.

هل هذا يعني استحالة قيام دولة ذات مرجعية إسلامية؟

ليس بالضرورة.
لكن ذلك يحتاج إلى شيء مختلف تماماً عن الإسلام السياسي السائد حالياً.

يحتاج إلى:

فهم مدني للدولة

قبول حقيقي بالمواطنة المتساوية

فصل واضح بين قداسة الدين وبشرية السياسة

احترام الحريات

بناء مؤسسات لا جماعات

والخروج من وهم أن الشعار الإسلامي وحده يصنع العدالة

أي باختصار: يحتاج إلى عقل جديد، لا مجرد خطاب قديم بربطة عنق حديثة.

الخاتمة

الإسلام الحالي لا يفشل في إدارة الدولة لأنه إسلام، بل لأنه حالة سياسية مرتبكة لم تنضج بعد لفهم الدولة الحديثة. إنه ما يزال يريد أن يحكم المجتمع قبل أن يتعلم كيف يخدمه، ويريد أن يرفع راية الدين قبل أن يتقن أبجديات الإدارة، ويريد أن يحتكر الحقيقة قبل أن يعترف بتعقيد الواقع.

ولهذا، فإن أزمته ليست أزمة عقيدة، بل أزمة عقل سياسي.

وحين لا يفهم العقل السياسي معنى الدولة، لا ينفعه أن يتكلم باسم السماء، لأنه سيفشل على الأرض.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟
- زيادة أسعار الكهرباء في سوريا: من المستفيد فعليًا… الدولة أم ...
- المسلمون: ظاهرة صوتية
- أن تكون متديّنًا وعنصريًا في الوقت نفسه: ازدواجية الشعور عند ...
- أيّهما أخطر على المسيحيين في سوريا: الإسلام أم العلمانية؟


المزيد.....




- السعودية وعدد من الدول الإسلامية تعلن الجمعة أول أيام عيد ال ...
- التربية الإسلامية بين البيت والمدرسة وتحديات العصر الرقمي
- احتجاج رمزي في مسجد الفاتح بإسطنبول تضامناً مع المسجد الأقصى ...
- المرشد الأعلى الإيراني: دماء لاريجاني لن تضعف النظام الإسلام ...
- جدل حول مقترح الخضر لـ-تعزيز الحياة الإسلامية المتنوعة - في ...
- عاجل | بيان للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي: اغتيال العدو للاري ...
- السلطات السورية تحظر -المشروبات الروحية- في دمشق وتمهل أصحاب ...
- ذكرى مذبحة الثوار.. شراكة الدم بين الجيش والإخوان في السودان ...
- الرياض تستضيف اجتماعا لوزراء خارجية دول عربية وإسلامية لبحث ...
- لبنانيون مسيحيون يرفضون إخلاء قراهم في جنوب لبنان رغم الأوام ...


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟