أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟














المزيد.....

بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 07:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ سنوات، والشعب السوري يُسحق بين طرفين يبدوان متناقضين في الشكل، لكنهما يتشابهان كثيرًا في النتيجة: طرف يرفع راية الدين ليعيد المجتمع إلى العتمة، وطرف يرفع راية الحداثة والسياسة المدنية بينما يعيش في صالونات مغلقة، بعيدًا عن الناس، وعن وجعهم، وعن خراب مدنهم. بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي، يضيع السوري البسيط، ويصبح الوطن كله مجرد ساحة يتصارع فيها المتطرفون والانتهازيون، بينما الشعب هو الوقود الدائم.

إسلام الكهوف ليس المقصود به الدين، فالدين عند ملايين السوريين كان دائمًا جزءًا من الأخلاق والصبر والكرامة والهوية. المقصود هو ذلك الفهم المتوحش والمنغلق الذي حوّل الإسلام من رسالة حضارة إلى أداة رعب، ومن قيم عدل ورحمة إلى ثقافة تكفير وسكاكين وسجون ومشانق. هذا الإسلام المشوّه لم يحمل لسوريا مشروعًا، بل حمل لها الخراب. لم يبنِ مدرسة، ولم يداوِ جريحًا، ولم يطرح دولة، بل طرح إمارات خوف، وعقليات ثأر، ووجوهًا لا تعرف من الدين إلا مظهره القاسي. لقد قدّم أسوأ خدمة ممكنة للطغيان، لأنه جعل الناس في لحظة ما يقارنون بين الوحشية والوحشية، بين استبداد النظام واستبداد من ادعوا أنهم جاؤوا لتحرير البلاد.

وفي الجهة الأخرى، تقف أحزاب الويسكي؛ تلك الطبقة السياسية التي تتحدث كثيرًا عن الحرية والديمقراطية والدولة المدنية، لكنها في أحيان كثيرة عاشت الثورة كفكرة مجردة أو كفرصة شخصية أو كعنوان للاستهلاك الإعلامي. أحزاب تتقن المؤتمرات أكثر من إتقانها ملامسة الناس، تحفظ المصطلحات الغربية عن ظهر قلب، لكنها تفشل في إنتاج قيادة حقيقية أو خطاب وطني حي. جلّ همّها أحيانًا الظهور، والمقاعد، والمنح، والعلاقات العامة، لا صناعة مشروع إنقاذ فعلي لسوريا. هي تتحدث باسم الشعب، لكنها نادرًا ما تشبهه، وتدّعي تمثيل آلامه، لكنها كثيرًا ما بدت منفصلة عنه نفسيًا وثقافيًا ومعيشيًا.

المشكلة أن الشعب السوري لم يُتح له أن يختار بين مشروعين ناضجين، بل دُفع دفعًا بين كارثتين. فمن جهة، هناك خطاب ظلامي يختزل المجتمع في جماعة، والوطن في غنيمة، والمرأة في ظل، والاختلاف في كفر. ومن جهة أخرى، هناك معارضة متعالية أحيانًا، رخوة أحيانًا، مستهلكة أحيانًا، عاجزة عن حماية الناس أو حتى عن فهمهم. وفي الحالتين، يبقى السوري وحده: فقيرًا، مكسورًا، مطرودًا من أرضه، منسيًا في المخيمات، أو محشورًا في المنافي، أو مذلولًا في الداخل تحت خوف لا ينتهي.

ما هو مصير الشعب السوري إذًا؟ هذا هو السؤال المرير. هل يُترك ليستمر في دفع ثمن أخطاء الجميع؟ هل يظل محكومًا إما بخطاب متطرف يدفنه في الماضي، أو بخطاب نخبوي مستورد لا يملك جذورًا في الشارع؟ هل قدره أن يهرب من استبداد عسكري إلى استبداد ديني، أو من قمع أمني إلى معارضة بلا أسنان؟

الحقيقة القاسية أن مصير الشعب السوري سيبقى مظلمًا ما لم تظهر قوة وطنية حقيقية تكسر هذا الاستقطاب المسموم. قوة لا تحتقر الدين ولا تتاجر به، ولا تحتقر الحداثة ولا تستوردها كزينة لغوية. قوة تعرف أن سوريا ليست مشروع خلافة، وليست أيضًا صالونًا أوروبيًا فاخرًا. سوريا بلد جريح، معقد، متدين بطبيعته الاجتماعية، لكنه أيضًا متنوع، عريق، ويستحق دولة تحفظ كرامة الناس لا أن تسحقهم باسم الرب أو باسم التقدم.

الشعب السوري لا يحتاج من يلقنه العقائد من داخل الكهوف، ولا من يشرح له الديمقراطية بكأس ويسكي في يد وسيجارة في الأخرى. هو يحتاج من يشبهه، من يفهم خوفه، من يعرف أن خبز الناس أهم من الشعارات، وأن العدالة أهم من الاستعراض، وأن الوطن لا يبنى بالخطب المشتعلة ولا بالمؤتمرات الباردة، بل بقيادة أخلاقية وسياسية شجاعة، قريبة من الناس، وصادقة معهم.

لقد تعب السوريون من الممثلين الكاذبين لقضيتهم، من المتطرف الذي يسرق دينهم، ومن السياسي الذي يسرق لغتهم. تعبوا من الذين يصرخون باسم الأمة ثم يذبحون أبناءها، ومن الذين يتحدثون باسم الحرية ثم يفشلون حتى في تنظيم أنفسهم. وما لم يخرج من قلب هذه المأساة تيار وطني نظيف، فسيبقى مصير الشعب السوري معلقًا بين سكين المتطرف وكأس المتفرج.

إن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس طرفًا واحدًا، بل هذا الفراغ القاتل بين طرفين فاسدين في الجوهر. فراغ يسمح للقتلة أن يتجددوا، وللانتهازيين أن يتكاثروا، ولليأس أن ينتشر. لكن رغم كل شيء، ما زال السوري العادي، المنهك، المقهور، أكثر شرفًا من كل هذه النخب مجتمعة. هو من دفع الثمن، وهو من بقي حيًا تحت الركام، وهو وحده الذي يملك الحق في مستقبل مختلف.

ولذلك، فإن مصير الشعب السوري لا يجب أن يبقى بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي. يجب أن ينتزع السوريون حقهم في طريق ثالث: طريق الدولة العادلة، والهوية المتوازنة، والسياسة النظيفة، والكرامة الإنسانية. وإلا فإن المأساة ستستمر، ولن يبقى في سوريا إلا الرايات السوداء من جهة، والوجوه الباردة من جهة أخرى، بينما يواصل الشعب دفن أبنائه وانتظار معجزة لا تأتي.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟
- زيادة أسعار الكهرباء في سوريا: من المستفيد فعليًا… الدولة أم ...
- المسلمون: ظاهرة صوتية
- أن تكون متديّنًا وعنصريًا في الوقت نفسه: ازدواجية الشعور عند ...
- أيّهما أخطر على المسيحيين في سوريا: الإسلام أم العلمانية؟
- النقاب: آفة دينية أم ظاهرة اجتماعية مُسيَّسة؟
- بعد استيلاء تركيا على قرارات وزارة الدفاع في سوريا… هل ستتجه ...
- هل شارك اللاجئون السوريون فعلًا في بناء الاقتصاد التركي خلال ...
- كيف تتحرك تركيا في مواجهة محتملة بين روسيا وأوروبا؟
- ماذا أورث أتاتورك تركيا سوى عداء الجيران؟


المزيد.....




- العمود الثامن: لصوص الطائفية
- استقالة البطريرك ساكو من رئاسة الكنيسة الكلدانية
- -المقاومة الإسلامية- تعلن إسقاط مسيّرة أميركية شمال البصرة
- الشعب الإيراني يخرج للساحات للاحتفاء والبيعة مع القائد الجدي ...
- للمرة الأولى منذ 1967.. الاحتلال يفرغ المسجد الأقصى من المصل ...
- كيف تعاطى الإعلام العبري مع تعيين قائد جديد للثورة الإسلامية ...
- الحرس الثوري الاسلامي يطلق الموجة 34 من عملية الوعد الصادق ( ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا قاعدة -شمشون- غرب بح ...
- مجتبى مختفي.. لماذا لم يظهر المرشد الأعلى الجديد لإيران بعد؟ ...
- المرزوقي يدعو لحلف إسلامي رادع: هل يكون الإسلام هو الحل لموا ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟