أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحركات؟














المزيد.....

السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحركات؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 07:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد المأساة السورية مجرد صراع على سلطةٍ متهالكة أو حدودٍ ممزقة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة ابتلعت فيها البلاد قوى مسلحة متعددة المشارب، كان أخطرها التيارات السلفية الجهادية وما تفرع عنها من تشكيلات وأجسام عسكرية وسياسية. وبعد سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 على يد تمردٍ “مدعوم جزئيًا من تركيا” وله جذور في “الجهاد السني”، لم تدخل سوريا طور الاستقرار، بل دخلت طورًا جديدًا من الفوضى المركبة، حيث تغيرت الوجوه وبقي منطق السلاح والانتهاك حاضرًا بقوة.

المشكلة ليست فقط في وجود جماعات متشددة داخل المشهد السوري، بل في أن بعضها انتقل من الهامش إلى قلب السلطة والنفوذ، فيما بقيت فصائل أخرى مدعومة من أنقرة تتحرك على الأرض بمنطق المليشيا أكثر من منطق الدولة. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش في 2025 أن فصائل من “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا واصلت احتجاز المدنيين وابتزازهم وإساءة معاملتهم في شمال سوريا، كما وصفت ضربة نفذها التحالف التركي-الجيش الوطني ضد سيارة إسعاف بأنها “جريمة حرب على ما يبدو”. هذه ليست أخطاء عابرة، بل مؤشرات على بنية مسلحة منفلتة تُدار سياسيًا وأمنيًا بما يخدم نفوذًا إقليميًا أكثر مما يخدم بناء دولة سورية محترمة.

لكن لماذا دعمت تركيا هذا النوع من الحركات أو المظلات المسلحة القريبة منه؟
الجواب الأول هو أن أنقرة نظرت إلى سوريا، منذ سنوات، باعتبارها ملفًا أمنيًا لا أخلاقيًا. الأولوية التركية لم تكن بناء نموذج سوري ديمقراطي متوازن، بل منع قيام كيان كردي مسلح على حدودها بقيادة وحدات تعتبرها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني. لهذا بقيت أنقرة تركّز رسميًا على ضرورة وجود “قوة مسلحة شرعية واحدة” في سوريا وعلى تحجيم “YPG/SDF”، وتدفع نحو ترتيبات أمنية تضمن ألا تتحول الحدود الجنوبية لتركيا إلى مصدر تهديد دائم. هذه المقاربة الأمنية دفعت تركيا مرارًا إلى تفضيل فصائل مسلحة موالية وقابلة للتوظيف، حتى لو كانت بنيتها الفكرية أو سلوكها الميداني إشكاليين للغاية.

الجواب الثاني هو أن تركيا رأت في هذه الجماعات، أو في بعض التحالفات التي خرجت منها، أداة نفوذ منخفضة الكلفة نسبيًا. فبدل الانخراط العسكري المباشر الواسع والمكلف سياسيًا وبشريًا، جرى الاستثمار في فصائل محلية تؤدي وظائف ميدانية: قتال الخصوم، ضبط مناطق النفوذ، وموازنة القوى الأخرى، سواء كانت قوات النظام سابقًا أو “قسد” أو حتى تنظيم الدولة في بعض المراحل. هذا النمط من “الحرب بالوكالة” يمنح أنقرة أوراق ضغط كبيرة داخل سوريا من دون أن تتحمل كامل تكلفة الاحتلال المباشر أو مسؤولية الإدارة الشاملة. لكن ثمنه دفعه السوريون من دمهم وكرامتهم ومصيرهم.

الجواب الثالث يرتبط بالطموح الجيوسياسي. تركيا، وخصوصًا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، لم تنظر إلى سوريا بوصفها دولة مجاورة فقط، بل كساحة مركزية لترتيب ميزان القوى الإقليمي بعد الربيع العربي. ومن هنا كان الميل إلى رعاية أطراف سورية سنية مسلحة تعادي النظام وإيران معًا، وتمنح أنقرة عمقًا استراتيجيًا في الشمال السوري. غير أن هذه البراغماتية انقلبت تدريجيًا إلى فخ: فكلما تعاظم نفوذ الفصائل العقائدية أو المليشياوية، صار من الصعب تفكيكها أو دمجها داخل مؤسسات دولة حقيقية. حتى بعد تغير السلطة في دمشق، ظل القلق الدولي قائمًا من “الجهاديين” ومن ضرورة كبحهم كشرط لاستمرار الدعم الخارجي للقيادة الجديدة.

وهنا تكمن الكارثة السورية الكبرى: حين تدعم دولة بحجم تركيا تشكيلات مسلحة ذات خلفيات متشددة أو تغض الطرف عن تجاوزاتها لأنها “مفيدة” مرحليًا، فإنها لا تصنع استقرارًا، بل تؤجل الانفجار فقط. والنتيجة أن سوريا لا تخرج من حرب، بل تنتقل من حرب إلى أخرى؛ ومن سلطة استبدادية إلى سلطات أمر واقع؛ ومن جيش واحد إلى جيوش ورايات وولاءات متصارعة. تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية خلال 2024 و2025 تحدثت عن تصاعد القتال على جبهات عدة، وعن استمرار الانتهاكات والقتل على الهوية، بما يؤكد أن البلاد لم تدخل سلامًا حقيقيًا بعد، بل بقيت عالقة في دورة عنف جديدة.

ثم إن هذا الخيار التركي لم يضر السوريين وحدهم، بل أضر أيضًا بصورة تركيا نفسها. فالدولة التي تقدم نفسها شريكًا في الاستقرار ومكافحة الإرهاب تجد نفسها مرتبطة، سياسيًا أو ميدانيًا، بفصائل متهمة بالابتزاز والاعتقال التعسفي وقتل المدنيين. وحتى عندما تحاول أنقرة لاحقًا الظهور بوصفها داعمة “للدولة السورية الجديدة” أو للاستقرار الانتقالي، فإن إرث الفصائل التي رعَتها يلاحقها. وهذا ما يجعل السؤال الأخلاقي والسياسي ثقيلًا: كيف يمكن لدولة أن تزعم محاربة التطرف وهي تستثمر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أدوات غذّت الفوضى والتشدد؟

الحقيقة المُرّة أن تركيا لم تدعم هذه الحركات حبًا في السلفية الجهادية كفكرة، بل لأنها رأت فيها، أو في بعض امتداداتها وتحالفاتها، أداةً رخيصة وفعالة لتحقيق أهدافها: كبح الأكراد، إسقاط خصومها، توسيع نفوذها، وفرض موقعها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في الملف السوري. لكن الأدوات العقائدية المسلحة لا تبقى أدوات إلى الأبد؛ فهي سرعان ما تتحول إلى وحش مستقل، يلتهم الدولة والمجتمع والراعي نفسه سياسيًا وأمنيًا. وهذا ما تراه سوريا اليوم بوضوح مؤلم.

سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الرعاة الإقليميين الذين يديرونها كخريطة نفوذ، ولا إلى فصائل تُجمَّل خطاباتها بينما تبقى عقيدتها وسلوكها أقرب إلى منطق الغلبة والسلاح. ما تحتاجه هو دولة واحدة، وسلاح واحد، وقانون واحد. وكل دعم خارجي لفصائل متشددة أو منفلتة، مهما تجمّل بشعارات الأمن القومي أو الواقعية السياسية، ليس إلا مساهمة جديدة في التهام سوريا قطعةً قطعة.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟
- زيادة أسعار الكهرباء في سوريا: من المستفيد فعليًا… الدولة أم ...
- المسلمون: ظاهرة صوتية
- أن تكون متديّنًا وعنصريًا في الوقت نفسه: ازدواجية الشعور عند ...
- أيّهما أخطر على المسيحيين في سوريا: الإسلام أم العلمانية؟
- النقاب: آفة دينية أم ظاهرة اجتماعية مُسيَّسة؟
- بعد استيلاء تركيا على قرارات وزارة الدفاع في سوريا… هل ستتجه ...
- هل شارك اللاجئون السوريون فعلًا في بناء الاقتصاد التركي خلال ...
- كيف تتحرك تركيا في مواجهة محتملة بين روسيا وأوروبا؟
- ماذا أورث أتاتورك تركيا سوى عداء الجيران؟
- لماذا يبالغ الاتراك في استعراض وطنيتهم اليس ذلك علامة على مر ...


المزيد.....




- بوتين يبعث رسالة إلى مجتبى خامنئي مرشد إيران الجديد.. ماذا ج ...
- انتصار قضائي لعامل ضد شركة سمنود للنسيج والوبريات: حكم نهائي ...
- خاص بي بي سي: داخل كهف مع مقاتلات كرديات يتحضّرن للحرب
- سلسلة انفجارات في تل أبيب بسبب صواريخ جديدة أُطلقت من إيران ...
- صفارات الإنذار تدوي في جميع أنحاء إسرائيل.. ما رأي الشارع ال ...
- دوي انفجارات وصوت صفارات الإنذار.. ما آخر التطورات الميدانية ...
- سلسلة انفجارات في تل أبيب بعد رصد رشقة صواريخ جديدة أُطلقت م ...
- سنتكوم: نحذر إيران من استخدام أماكن المدنيين وسنستهدفها
- تركيا تنشر مقاتلات وأنظمة دفاع جوي في شمال قبرص
- -قادتُنا متورطون مع إسرائيل-.. جندي أمريكي سابق يدعو للانتفا ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحركات؟