أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - منصور رفاعي اوغلو - هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهيارها؟ متى تنتهي المأساة الكردية في المنطقة؟















المزيد.....

هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهيارها؟ متى تنتهي المأساة الكردية في المنطقة؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 08:13
المحور: القضية الكردية
    


في كل مرة تهتز فيها دولة من دول المنطقة، يعود السؤال الكردي ليطفو على السطح من جديد: هل اقتربت لحظة الدولة المؤجلة؟ وهل يمكن أن تفتح الفوضى في إيران، إن انفجرت أو انهارت، نافذة تاريخية أمام أكرادها لتأسيس كيان مستقل؟ ثم يأتي السؤال الأشد حساسية: هل يمكن أن تسمح تركيا بذلك، أو حتى تتسامح معه، أم أنها ستتعامل معه باعتباره خطراً وجودياً يجب منعه بكل الوسائل؟

الجواب الأقرب إلى الواقعية، مهما بدا قاسياً، هو أن تركيا لا تبدو مستعدة للسماح بقيام دولة كردية مستقلة على حدودها الشرقية إذا نشأت من انهيار إيران. بل إن سلوك أنقرة في العراق وسوريا، وخطابها المستمر تجاه التنظيمات الكردية المسلحة، يشير إلى العكس تماماً: أي كيان كردي مسلح أو مستقل يُنظر إليه في أنقرة باعتباره تهديداً مباشراً للأمن القومي، لا مجرد تطور سياسي عابر. تركيا ما زالت تعتبر PKK منظمة إرهابية، وتنظر إلى امتداداته أو حلفائه الإقليميين بعين الشك والعداء، سواء في سوريا أو العراق، وقد أكدت مراراً أن المجموعات المرتبطة بهذا المسار يجب أن تُحل أو تُدمج أو تُنزع سلاحها، لا أن تتحول إلى نواة دولة.

الأحداث الجارية حول إيران تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً اليوم، لا أقل. فمع تصاعد التوتر والحرب حول إيران في مارس 2026، شددت أنقرة علناً على حماية حدودها ورفض أي تهديد يمس استقرارها أو مجالها الجوي، كما أكدت أنها تتابع عن كثب تحركات الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة، وخصوصاً PJAK، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب. والأهم أن تقريراً لرويترز أشار بوضوح إلى أن أنقرة من غير المرجح أن تدعم أي تعاون أمريكي مع الميليشيات الكردية الإيرانية، وهو ما يعكس بوضوح أن تركيا لا ترى في هذا المسار فرصة استراتيجية، بل مصدر قلق.

هذا الموقف ليس جديداً، بل هو امتداد لعقيدة دولة راسخة في تركيا الحديثة: الخوف من أن يتحول أي مكسب قومي كردي خارج حدودها إلى نموذج مُلهِم أو قاعدة دعم لأكراد الداخل. لذلك، حتى عندما تعاملت أنقرة بمرونة نسبية مع إقليم كردستان العراق اقتصادياً وسياسياً في مراحل سابقة، فإنها لم تتعامل معه بوصفه نموذجاً قابلاً للتكرار، بل بوصفه حالة يجب احتواؤها ضمن توازنات دقيقة. أما في سوريا، فقد كان موقفها أشد صلابة، إذ اعتبرت قوات SDF امتداداً لخصمها التاريخي، وطالبت مراراً بحلها أو نزع سلاحها أو دمجها في الدولة السورية، لا تثبيت حكم ذاتي مسلح على حدودها الجنوبية.

من هنا، فإن الرهان على أن تركيا ستقبل بسهولة بدولة كردية في إيران يبدو رهاناً ضعيفاً. نعم، قد تختلف حسابات أنقرة من لحظة إلى أخرى بحسب شكل الانهيار الإيراني، وموقف واشنطن، وحجم الفوضى، وطبيعة القوى الكردية الصاعدة هناك. لكن القاعدة العامة تبدو واضحة: تركيا قد تقبل بأكرادٍ شركاء داخل دول قائمة، لكنها لا تبدو مستعدة للقبول بأكرادٍ مؤسسين لدولة مستقلة جديدة على حدودها. هذا استنتاج سياسي منسجم مع مواقفها المعلنة وسلوكها الإقليمي، حتى لو بقيت تفاصيل أي سيناريو مستقبلي مفتوحة على الاحتمالات.

لكن المشكلة الكردية أعمق من سؤال “هل تسمح تركيا أم لا؟”. فالمأساة الكردية في المنطقة لم تبدأ بتركيا وحدها، ولن تنتهي بموقف أنقرة وحده. إنها مأساة شعب قُسّم بين أربع دول كبرى، ثم تحولت حقوقه القومية في كل واحدة منها إلى ملف أمني أو ورقة جيوسياسية أو مادة للتفاوض الخارجي. وفي كل مرة يقترب فيها الأكراد من لحظة أمل، تتداخل حسابات الدول الكبرى والإقليمية لتعيدهم إلى النقطة نفسها: وعود كثيرة، وتضحيات هائلة، وكيان مؤجل.

وتاريخ المنطقة الحديث مليء بالأمثلة على هذه الحلقة القاسية. فالقوى الكبرى استخدمت الورقة الكردية مراراً ثم تراجعت، والدول الإقليمية استخدمتها ضد بعضها ثم اتفقت على كبحها عندما شعرت بالخطر. حتى اليوم، تُظهر التقارير المتعلقة بالأكراد الإيرانيين تردداً عميقاً داخل الأوساط الكردية نفسها حيال الاندفاع وراء دعوات خارجية لمواجهة طهران، لأن خبرة العقود الماضية علمتهم أن الدعم الدولي قد يكون مؤقتاً، وأن التخلي يأتي سريعاً عندما تتغير المصالح.

لذلك فإن سؤال “متى تنتهي المأساة الكردية؟” لا يملك جواباً بسيطاً أو رومانسياً. لن تنتهي بمجرد انهيار نظام هنا أو اضطراب دولة هناك. ولن تنتهي أيضاً إذا بقيت القضية الكردية أسيرة السلاح وحده، أو أسيرة رهانات الخارج، أو أسيرة ردود الفعل المتشنجة من الدول المحيطة. كما لن تنتهي إذا استمرت الأنظمة في رؤية الوجود الكردي كخطر ينبغي احتواؤه، لا كشعب له لغة وذاكرة وحقوق وهوية.

الطريق الأكثر واقعية، وإن كان الأبطأ، ليس بالضرورة طريق الدولة الفورية، بل طريق الاعتراف الدستوري والسياسي الحقيقي بالحقوق الكردية في الدول الأربع: اللغة، والثقافة، والإدارة المحلية، والمشاركة العادلة، والحماية من الإقصاء والقمع. وقد يبدو هذا أقل إثارة من حلم الدولة الكبرى، لكنه ربما أكثر قابلية للحياة في المدى المنظور، خصوصاً في بيئة إقليمية تعتبر أي مشروع استقلال كردي شاملاً تهديداً مباشراً. حتى في تركيا نفسها، ورغم استمرار التصنيف الأمني لـ PKK، شهدت السنوات الماضية نقاشات عن “الاندماج الديمقراطي” وسنوات من محاولات التهدئة أو المسار السياسي، وإن ظلت متعثرة ومتقلبة.

المأساة الكردية، في جوهرها، ليست فقط غياب الدولة، بل غياب اليقين. أن تكون كبيراً بما يكفي لتخيف الدول، وصغيراً بما يكفي لتتخلى عنك القوى الكبرى. أن تكون حاضراً في خرائط الحرب، وغائباً عن خرائط العدالة. أن تُستخدم تضحياتك حين يحتاجك الآخرون، ثم يُطلب منك أن تنسى نفسك حين تنتهي الحاجة إليك.

ولهذا، فإن السؤال الأدق ربما ليس: هل ستسمح تركيا بدولة كردية في إيران؟ بل: هل ستصل المنطقة أصلاً إلى لحظة تعترف فيها بأن إنكار الحقوق الكردية لم يجلب الاستقرار، بل عمّق النزاعات؟ حتى الآن، لا يبدو أن هذا الوعي قد نضج بما يكفي. وما دام التعامل مع الأكراد يتم بوصفهم مشكلة أمنية أو أداة نفوذ أو تهديداً حدودياً، فإن المأساة ستستمر، بأشكال مختلفة، حتى لو تغيرت الحكومات والخرائط والخطابات.

الخلاصة

على الأرجح، تركيا لن تسمح بسهولة بقيام دولة كردية مستقلة في إيران إذا أدى الانهيار هناك إلى فراغ سياسي، لأن ذلك يتعارض مع عقيدتها الأمنية ومواقفها المعلنة من التنظيمات والكيانات الكردية المسلحة على حدودها.

أما نهاية المأساة الكردية، فلا تبدو قريبة ما دامت المنطقة تتعامل مع الأكراد كملف تهديد لا كأصحاب حق. وقد لا تأتي النهاية بحلم كبير مفاجئ، بل بتراكم بطيء من الاعتراف والحقوق والتمثيل والكرامة. وحتى ذلك الحين، سيبقى الأكراد بين أبواب التاريخ المفتوحة قليلاً، والمقفلة كثيراً.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟
- زيادة أسعار الكهرباء في سوريا: من المستفيد فعليًا… الدولة أم ...
- المسلمون: ظاهرة صوتية
- أن تكون متديّنًا وعنصريًا في الوقت نفسه: ازدواجية الشعور عند ...
- أيّهما أخطر على المسيحيين في سوريا: الإسلام أم العلمانية؟
- النقاب: آفة دينية أم ظاهرة اجتماعية مُسيَّسة؟


المزيد.....




- مأساة في خانيونس: شهداء بانهيار جدار على خيام النازحين وغزة ...
- تقليص دورات الاندماج .. ألمانيا تعيد صياغة علاقتها بالمهاجري ...
- إيران تعلن اعتقال 500 شخص بتهمة التجسس منذ بدء المواجهة العس ...
- احتجاجات أمام البيت الأبيض تنديداً بمجزرة مدرسة -ميناب- وتوا ...
- اعتقال 500 شخص في إيران بتهمة التجسس
- اليمن يدعو الأمم المتحدة إلى رفع الاستجابة للاحتياجات الإنسا ...
- هدوء حذر في سماء غزة: تراجع أزيز -الزنانات- يمنح النازحين سح ...
- حرب جديدة على الكلام.. عندما يهدد ترمب وإدارته حرية الصحافة ...
- مطالب بالإفراج عن نشطاء -أسطول الصمود- المعتقلين في تونس
- عاصفة رملية في غزة تُدمر مخيمات الفلسطينيين النازحين.. وتحول ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - منصور رفاعي اوغلو - هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهيارها؟ متى تنتهي المأساة الكردية في المنطقة؟