أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ستصبح سوريا أفغانستان أخرى؟















المزيد.....

ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ستصبح سوريا أفغانستان أخرى؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 02:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة الانتقالية الجديدة في دمشق، عاد السؤال القديم بثوب أكثر إلحاحًا: كيف ستُدار سوريا الجديدة؟ هل ستكون دولةً مدنية ذات مرجعية اجتماعية محافظة، أم سلطةً سياسية تُلبِس نفسها عباءة الدين ثم تُخضع المجتمع كله لمنطقها؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، لأن المرحلة الانتقالية الحالية أظهرت بوضوح أن الدين لم يعد مجرد عنصر ثقافي في المجال العام، بل بات جزءًا مركزيًا من هندسة الشرعية السياسية والدستورية في سوريا الجديدة. فقد أبقت السلطات الانتقالية في الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025 على دور محوري للشريعة الإسلامية، ووصفت الفقه الإسلامي بأنه المصدر الرئيسي للتشريع خلال مرحلة انتقالية قد تمتد خمس سنوات، في وقت تركزت فيه صلاحيات واسعة بيد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.

هنا تحديدًا تبدأ المشكلة، لا لأن الدين حاضر في الحياة السورية، فهذا أمر طبيعي في مجتمع متدين ومتعدد، بل لأن اقتران الدين بالسلطة في لحظة هشة كهذه يحمل خطرين في وقت واحد: خطر تديين السياسة، وخطر تسييس الدين. فعندما تستمد السلطة شرعيتها من خطاب ديني، يصبح الاعتراض عليها أسهل في الخطاب الرسمي أن يُصوَّر كأنه اعتراض على الدين نفسه، لا على قرارات بشرية قابلة للنقد والخطأ. وفي المقابل، عندما تستخدم السلطة الدين كأداة ضبط اجتماعي وإعادة تشكيل للمؤسسات، فإن الدين نفسه يُستهلك في الصراع اليومي، ويفقد مكانته الجامعة ليتحوّل إلى أداة فرز وهيمنة. وقد أشارت تقارير ميدانية إلى أن السلطات الجديدة لجأت بالفعل إلى توظيف التعاليم الإسلامية في تدريب قوى الشرطة الناشئة بعد سقوط النظام السابق، باعتبار ذلك وسيلة لبناء “الانضباط الأخلاقي” في المؤسسات الجديدة.

لكن هل يعني ذلك أن سوريا تتجه حتمًا إلى أن تصبح أفغانستان أخرى؟ الجواب الأدق هو: ليس بالضرورة، لكن الخطر موجود بوضوح. فثمة فروق مهمة بين الحالتين. سوريا بلد شديد التعقيد والتعدد الديني والقومي والطائفي، وفيه حضور عربي وكردي وسرياني وعلوي ودرزي ومسيحي وسني، كما أن نسيجه الحضري وتاريخه الاجتماعي والسياسي يختلفان عن النموذج الأفغاني. ثم إن السلطة الجديدة، رغم خلفيتها الإسلامية، حاولت تقديم نفسها خارجيًا وداخليًا بوصفها سلطة انتقالية “شاملة”، وشكّلت حكومة ضمت وزراء من خلفيات دينية وإثنية متعددة، بينها شخصيات مسيحية ودرزية وعلوية.

غير أن هذه الفروق لا تكفي وحدها لبث الطمأنينة. فالمشكلة ليست فقط في تركيبة الحكومة، بل في بنية السلطة نفسها. عندما يجتمع الخطاب الديني مع التركيز الشديد للسلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية في يد شخص واحد، فإننا لا نكون أمام “توازن” بين الدين والدولة، بل أمام اندماج خطير بين القداسة والقوة. وقد حذرت تقارير عديدة من أن الإعلان الدستوري الانتقالي منح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة، تشمل رئاسة السلطة التنفيذية، وقيادة القوات المسلحة، والإشراف على الأمن، وتعيين الوزراء والقضاة وجزء من البرلمان، وهو ما أثار مخاوف داخلية وخارجية من إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة ولغة جديدة.

إن نجاح ثنائية السلطة والدين في سوريا مشروط إذًا بأمر بالغ الصعوبة: أن يبقى الدين مرجعية أخلاقية عامة لا جهازًا أيديولوجيًا للدولة، وأن تبقى السلطة سلطةً سياسيةً قابلة للمحاسبة لا وصايةً دينيةً فوق المجتمع. فإذا لم يتحقق هذا الشرط، فإن سوريا لن تحتاج إلى نسخة مطابقة من طالبان كي تقترب من النموذج الأفغاني؛ يكفي أن تتشكل فيها دولة مركزية مغلقة، تحتكر الحديث باسم الدين، وتُضعف التعددية، وتؤجل المشاركة الشعبية الحقيقية، وتتعامل مع الأقليات والنساء والمعارضين من موقع “الاستيعاب المشروط” لا المواطنة المتساوية.

وتظهر علامات القلق في مواقف قوى سورية عديدة، لا سيما في الشرق والشمال الشرقي، حيث رفض المجلس الديمقراطي السوري الإطار الدستوري الجديد، معتبرًا أنه لا يحمي التنوع الديني والقومي كما يجب، وأنه يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مفرطة. كما أن المطالب الكردية باللامركزية أو الفيدرالية لم تختف، بل عادت بقوة مع الخوف من أن يؤدي توحيد الدولة تحت مرجعية دينية مركزية إلى تهميش مكاسب سابقة تتعلق باللغة والتمثيل والحقوق المحلية.

ومع ذلك، فما زال هناك أمل. نعم، الأمل موجود، لكنه ليس مضمونًا ولا مجانيًا. مصدر هذا الأمل أن سوريا الخارجة من الحرب ليست أفغانستان التسعينيات، وأن المجتمع السوري، رغم الإنهاك، أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر تنوعًا، وأكثر حساسية تجاه مسألة احتكار السلطة. كما أن السلطة الجديدة نفسها تحتاج إلى اعتراف عربي ودولي، وإلى رفع العقوبات، وإلى إعادة بناء الدولة والمؤسسات، وهذا كله يفرض عليها — نظريًا على الأقل — قدرًا من البراغماتية والانفتاح لا يسمح بسهولة بالانزلاق الكامل إلى نموذج انغلاقي متشدد. وقد سعت القيادة الانتقالية بالفعل إلى توسيع اتصالاتها الخارجية وإعادة دمج سوريا دبلوماسيًا خلال 2025 و2026، ما يوحي بأنها تدرك أن الشرعية الدولية لا تُنال بخطاب عقائدي صرف.

لكن الأمل وحده لا يصنع دولة. ما يصنع الدولة هو وجود ضمانات واضحة: دستور لا يحول الدين إلى أداة احتكار سياسي، وقضاء مستقل، وبرلمان حقيقي لا مجلسًا مُعينًا على هوى السلطة، وضمانات صلبة لحقوق الأقليات، وصيغة مواطنة لا تجعل الانتماء الديني أو المذهبي معيارًا خفيًا للثقة والفرص. فإذا بقيت هذه العناصر غائبة، فإن الحديث عن “الخصوصية السورية” أو “الاعتدال الإسلامي” لن يكون كافيًا لمنع الانحدار التدريجي نحو دولة سلطوية دينية، حتى لو اختلفت في الشكل واللغة عن طالبان.

في النهاية، السؤال ليس: هل سوريا ستصبح أفغانستان أخرى حرفيًا؟ بل: هل ستنجح في تفادي إنتاج استبداد جديد يرتدي لباس الدين بعد سقوط استبداد قديم كان يرتدي لباس القومية والأمن؟ هنا يكمن جوهر المسألة. سوريا لا ينقصها الشعار، بل ينقصها العقد السياسي العادل. فإذا استطاعت أن تفصل بين قداسة الدين ونسبية السياسة، وأن تجعل السلطة خادمة للمجتمع لا وصية عليه، فهناك أمل حقيقي. أما إذا استمر تركيز القوة، وتوسعت شرعنة الحكم بالدين، وتراجعت المشاركة الفعلية، فإن البلاد قد لا تصبح طالبان أخرى بالاسم، لكنها قد تصبح نسخة سورية من المأزق نفسه: سلطة تتكلم باسم السماء بينما تضيق بالأرض ومن عليها.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...
- لماذا تواصل الدولة التركية حرمان الأكراد من حقوقهم؟ قراءة نق ...
- هل سيقوم الرئيس الأمريكي القادم بدعم الأكراد مجددًا؟


المزيد.....




- السيد الحوثي يعزي إيران ويؤكد: نحن في ذروة الصراع مع أعداء ا ...
- قائد القوة الجوفضائية في حرس الثورة الإسلامية العميد مجيد مو ...
- مهدي المشاط: ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية من عدوان أمريكي ...
- مهدي المشاط: نؤكد وقوفنا إلى جانب الجمهورية الإسلامية وتأييد ...
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا بصلية صاروخية تجمعاً لجنود -جيش ...
- تزامن عيد الفطر والجمعة 2026: دليلك الشامل لآراء دور الإفتاء ...
- مجاهدو جبهة المقاومة في رسالة لقائد الثورة الإسلامية: تلاحم ...
- الجمعة أول أيام عيد الفطر في فلسطين ومعظم الدول العربية والإ ...
- لأول مرة منذ عقود.. الاحتلال يمنع صلاة عيد الفطر في المسجد ا ...
- لأول مرة منذ 59 عاما.. المسجد الأقصى بلا صلاة عيد الفطر


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ستصبح سوريا أفغانستان أخرى؟