أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعية أخلاقية إلى مشروع سلطة















المزيد.....

لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعية أخلاقية إلى مشروع سلطة


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 08:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، قدّمت نفسها بوصفها مشروعاً لإصلاح المجتمع والدولة انطلاقاً من المرجعية الإسلامية، وسعت إلى جعل الشريعة إطاراً للحياة العامة والسياسة. هذا البعد الديني-السياسي هو بالضبط ما منحها جاذبيتها عند أنصارها، وهو أيضاً ما جعلها هدفاً دائماً لخصومها. فالإخوان لم يكونوا مجرد جماعة دعوية، بل حركة “دينية-سياسية” بامتياز، وهذا التداخل بين العقيدة والتنظيم والسلطة هو أصل الجدل حولهم.

كثيرون لا يكرهون الإخوان لأنهم متدينون، بل لأنهم يرون فيهم نموذجاً يخلط بين قداسة الدين ومصالح الحزب. حين يدخل حزب سياسي إلى الساحة بغطاء ديني، يصبح نقده أصعب في نظر العامة، لأن الخصومة معه قد تُفهم وكأنها خصومة مع الدين نفسه. هنا تبدأ المشكلة الكبرى: المنافسة السياسية بطبيعتها تقوم على الخطأ والصواب، والبرامج والمحاسبة، والتنازل والتفاوض. أما حين تُلبَّس هذه العملية لبوساً دينياً، فإن الهزيمة السياسية تتحول عند الأنصار إلى “استهداف للإسلام”، ويصبح الخصم السياسي في نظر البعض خصماً للهوية والعقيدة، لا مجرد منافس في إدارة الدولة. هذا ليس خطأً خاصاً بالإخوان وحدهم، لكنه يظهر بحدة في كل تجربة تجعل الدين قاعدة تنظيم حزبي وصراع على السلطة. هذا استنتاج تحليلي تدعمه طبيعة الحركة كما تصفها المراجع الأساسية: جماعة تسعى إلى “أسلمة المجتمع والدولة” لا إلى المشاركة السياسية بوصفها مجرد آلية مدنية محايدة.

السبب الثاني في شدة العداء للإخوان هو أن خصومهم، حتى من غير المعادين للدين، رأوا فيهم حركة غامضة في علاقتها بالديمقراطية: تقبل بها حين توصلها إلى الحكم، لكن يظل السؤال مطروحاً حول حدود التزامها بالتعددية عندما تصبح هي صاحبة النفوذ. هذا الشك لم يأت من فراغ؛ فالحركة تاريخياً نشأت بهدف “إعادة تشكيل” المجتمع والدولة وفق تصور ديني شامل، لا كحزب خدمات أو حزب اقتصادي أو تيار محافظ عادي. لذلك ظل منتقدوها يسألون: هل الديمقراطية عندهم قيمة ثابتة، أم مجرد وسيلة؟

ثم جاءت التجارب العملية بعد الربيع العربي لتزيد هذه المخاوف. ففي مصر، صعد الإخوان من موقع المعارضة إلى موقع الحكم بسرعة هائلة، لكنهم واجهوا استقطاباً واسعاً، واتهامات بسوء إدارة المرحلة، وضعف بناء التحالفات، والعجز عن طمأنة قطاعات واسعة من المجتمع والدولة. وبعد عزل محمد مرسي عام 2013، دخلت الجماعة في صدام تاريخي مع النظام، وتعرضت لحملة قمع واسعة أعادتها إلى العمل السري تقريباً. موسوعات ومراكز بحث كبرى تصف هذه المرحلة بأنها لحظة كشفت حجم هشاشة العلاقة بين الإخوان وباقي القوى السياسية، كما كشفت عجزهم عن الحفاظ على تحالفات واسعة.

وفي بلدان أخرى، لم تكن الصورة أفضل كثيراً. حتى النماذج التي وُصفت سابقاً بأنها أكثر “براغماتية” من الإخوان المصريين، مثل الإسلاميين في المغرب، تعرضت لتراجع كبير، ووصفت دراسات حديثة هذا التراجع بأنه جزء من أزمة أوسع لدى الحركات الإسلامية التي فشلت في إنتاج مشروع سياسي مقنع بعد موجة الربيع العربي. فالمشكلة لم تعد فقط في القمع الذي تتعرض له هذه الحركات، بل أيضاً في فقر الخيال السياسي: شعارات أخلاقية عامة، لكن من دون برامج دولة قوية ومقنعة في الاقتصاد والإدارة والمؤسسات.

وهناك سبب ثالث للكراهية: الإرث الملتبس مع العنف. الصورة هنا معقدة ويجب قولها بدقة. بعض المصادر البحثية تؤكد أن الإخوان، خصوصاً في مصر منذ السبعينيات، أعلنوا نبذ العنف وشاركوا في العمل السياسي، لكن هذه المصادر نفسها تشير أيضاً إلى أن تاريخ الجماعة في مراحل سابقة تضمن استخداماً للعنف أو دعماً له، وأن هذا الإرث لم يختف من ذاكرة خصومها. كذلك، بعض الفروع أو التنظيمات المرتبطة باسم “الإخوان” في دول مختلفة تعرضت لتصنيفات إرهابية من حكومات معينة؛ ومؤخراً أعلنت الولايات المتحدة في 2026 تصنيف فرعين محددين هما اللبناني والسوداني، لا “كل الإخوان المسلمين” ككيان عالمي واحد. هذا التفصيل مهم لأن الخلط بين الفروع والحركة الأوسع كثيراً ما يُستخدم دعائياً من جميع الأطراف.

لكن الأهم من كل ذلك هو السؤال الفكري الأوسع: هل فشل الإخوان يعني فشل الإسلام؟ الجواب: لا. فشل حزب أو جماعة أو تيار لا يثبت فشل دين عمره قرون. الذي تكشفه تجربة الإخوان، وتجارب كثيرة شبيهة، هو شيء آخر: أن الدين عندما يتحول إلى برنامج حزبي مباشر يفقد كثيراً من سموه ويكتسب كل عيوب السياسة. في السياسة هناك مساومة، دعاية، صفقات، أخطاء بشرية، صراع على النفوذ، وتنازع على الشرعية. وعندما تُدخل المقدس في هذا المستنقع، لا ترفع السياسة إلى مستوى الدين، بل غالباً تهبط بالدين إلى مستوى الصراع اليومي على الكرسي.

لهذا يكره كثيرون الإخوان: ليس فقط لأنهم إسلاميون، بل لأنهم بالنسبة إلى خصومهم جعلوا الدين يبدو وكأنه لافتة انتخابية، وأعطوا الانطباع بأن “المشروع الإسلامي” حين يقترب من الدولة يتحول إلى تنظيم مغلق، شديد الحساسية للنقد، ضعيف في الإدارة، ومهووس بالشرعية الأخلاقية أكثر من الكفاءة المؤسسية. سواء اتفقنا مع هذا الحكم أو اختلفنا معه، فهو سبب مركزي في السمعة السيئة التي التصقت بهم في قطاعات واسعة من العالم العربي. هذا استنتاج مدعوم أيضاً بتحليلات بحثية عن تراجعهم وفقدانهم الحلفاء والجاذبية السياسية بعد تجارب الحكم أو الاقتراب منه.

الدرس الذي يمكن استخلاصه ليس أن التدين مشكلة، ولا أن الإسلام عاجز عن إلهام المجال العام أخلاقياً، بل أن احتكار الدين داخل تنظيم حزبي يكاد ينتهي دائماً إلى نتيجتين: تشويه السياسة، وتشويه صورة الدين معاً. فعندما يفشل الحزب، يدفع الدين الثمن الرمزي. وعندما يُدان التنظيم، يشعر أتباعه أن العقيدة نفسها تتعرض للإدانة. وهكذا يخسر الجميع.

لذلك، فإن أزمة الإخوان في جوهرها ليست مجرد أزمة جماعة، بل أزمة الفكرة التي تريد تحويل النص الديني إلى برنامج حكم يومي، والوعظ إلى إدارة دولة، والهوية إلى دستور عملي لكل تفاصيل السياسة. هنا بالتحديد يظهر المأزق: الدولة الحديثة لا تُدار بالخطب وحدها، ولا بالنقاء الأخلاقي المعلن، بل بالمؤسسات، والكفاءة، والتعددية، وقبول الشك، والقدرة على الفصل بين المقدس والبشري. والإخوان، في نظر عدد كبير من خصومهم وحتى بعض من خاب أملهم فيهم، أخفقوا في هذا الامتحان.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟


المزيد.....




- إضرام النار في سيارات إسعاف تابعة لمتطوعين يهود خارج كنيس بل ...
- شرطة لندن: حادثة حرق سيارات الإسعاف التابعة للمنظمة اليهودية ...
- حرس الثورة الإسلامية: الجيش الأمريكي المعتدي والمعادي للشعوب ...
- حرس الثورة الاسلامية: ادعاءات ترامب بأن حرس الثورة يعتزم اس ...
- حرس الثورة الاسلامية: إذا استُهدفت محطات الكهرباء في إيران ف ...
- حرس الثورة الاسلامية: نحن مصمّمون على الرد على أي تهديد بالم ...
- البنتاغون الجديد: كيف تحول الجيش الأمريكي من الاستراتيجية ا ...
- فلسطين: تصريحات نتنياهو بحق المسيح انحراف فكري وتبرير لجرائم ...
- حي يهودي في الإمارات: ترسيخ للتطبيع أم إعادة تشكيل للمنطقة؟ ...
- بابا الفاتيكان: حرب الشرق الأوسط عار على البشرية


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعية أخلاقية إلى مشروع سلطة