أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أردوغان والسلطة الحاكمة في تركيا















المزيد.....

لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أردوغان والسلطة الحاكمة في تركيا


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 03:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن السوري الذي يهرب نحو الحدود التركية يحمل مشروعاً سياسياً، ولا مؤامرة أمنية، ولا ملفاً تفاوضياً. كان يحمل خوفه فقط. يركض من البراميل والقصف والاعتقال والجوع، ويظن أن الجار الكبير الذي ملأ الدنيا خطباً عن “نصرة الشعب السوري” سوف يفتح له باب النجاة، أو على الأقل لن يطلق النار عليه وهو أعزل. لكن كثيرين اكتشفوا، بمرارة قاتلة، أن الخطاب شيء، والحدود شيء آخر، وأن الشعارات الإسلامية والإنسانية التي رفعتها السلطة التركية لسنوات كانت كثيراً ما تتوقف عند آخر الكاميرات، لتبدأ بعد ذلك لغة أخرى: لغة الرصاص، والجدار، والإذلال، والتوظيف السياسي للدم السوري.

السؤال ليس لماذا تتصرف الدول ببرود وقسوة؛ فالدول، في جوهرها، آلات مصلحة قبل أن تكون منابر أخلاق. السؤال الحقيقي هو: لماذا بنت السلطة التركية، وعلى رأسها أردوغان، صورة لنفسها باعتبارها حامية للمظلومين السوريين، ثم سُمِح على الأرض بسلوك يناقض هذه الصورة إلى هذا الحد؟ لماذا كان المسؤول التركي يتحدث عن الأخوة والأنصار والواجب الإنساني، بينما كانت شهادات متكررة تخرج عن انتهاكات عند الحدود، وعن إطلاق نار على الهاربين، وعن معاملة السوري كعبء مؤقت أو كورقة ضغط أو ككائن بلا كرامة سياسية ولا إنسانية؟

الجواب يبدأ من حقيقة بسيطة ومؤلمة: السلطة التركية لم تنظر إلى السوري، في أغلب الوقت، بوصفه إنساناً مستقلاً له حق في الأمان والكرامة، بل بوصفه أداة متعددة الاستخدامات. استُخدم السوري في السياسة الخارجية لإظهار تركيا كقوة إقليمية أخلاقية، واستُخدم في التفاوض مع أوروبا كورقة ابتزاز ناعمة، واستُخدم في الداخل التركي كموضوع للاستقطاب الانتخابي: تارة تتباهى السلطة بأنها استقبلت الملايين، وتارة تلمّح للناخب الغاضب بأنها ستضبطهم وتعيدهم وتؤدبهم. وعندما يتحول الإنسان إلى أداة، يصبح قتله عند السياج، أو إذلاله في المخفر، أو ترحيله قسراً، مجرد تفصيل صغير في حسابات أكبر.

هذا هو النفاق الحقيقي: ليس فقط أن تقول شيئاً وتفعل نقيضه، بل أن تستخدم لغة الدين والرحمة والعدل لتجميل سياسة باردة لا ترى في المظلوم إلا منفعة. لقد أراد أردوغان أن يبدو، لسنوات، كزعيم مسلم يحمل همّ السوريين، لكن صورة “الحامي” هذه تصادمت مراراً مع وقائع على الأرض: حدود مغلقة حين تحتاج الأرواح إلى منفذ، إطلاق نار أو عنف موثّق في شهادات عديدة، خطاب رسمي يطالب العالم بالتعاطف، وخطاب داخلي يغازل الكراهية الصامتة أو يبررها.

وليس الأمر مجرد ازدواجية أخلاقية، بل هو أيضاً تعبير عن طبيعة السلطة حين تجمع بين الشعبوية والقومية والتدين السياسي في خلطة واحدة. في هذه الخلطة، لا يعود السوري أخاً إلا إذا خدم الصورة التي تريدها السلطة لنفسها. أما إذا تحوّل إلى رقم مزعج، أو مشهد محرج، أو عبء اقتصادي، أو مادة يعبّئ بها خصوم السلطة الشارع، فإنه يفقد بسرعة هالة “الأخوة” ويصبح مجرد “مشكلة حدود” أو “ملف أمني”. هنا يتكلم السلاح بدل الخطبة، ويتقدّم المزاج القومي على أي ادعاء أخلاقي.

لقد كشفت السنوات الماضية أن كثيراً من السياسيين في تركيا، ومن ضمنهم السلطة الحاكمة، لم يريدوا للسوري إلا أن يبقى في موقع الشكر الدائم والصمت الدائم. مطلوب منه أن يصفق، وأن يخاف، وأن يقبل بأدنى الحقوق، وأن يعتبر أي معاملة قاسية ثمناً مقبولاً للنجاة. أما إذا تذكر أنه إنسان يستحق الاحترام، أو إذا اشتكى من الظلم، أو إذا فضح التناقض بين الخطاب والممارسة، فإنه يُذكَّر فوراً بأنه “ضيف”، وأن عليه أن يخفض رأسه. هذا منطق استعلائي، لا أخوي؛ ومنطق إمبراطوري صغير، لا إنساني.

والأخطر أن بعض من دافعوا عن السلطة التركية حاولوا دائماً تبرير كل شيء باسم الأمن القومي. نعم، لكل دولة حدود، ولكل دولة هواجس أمنية، لكن الأمن لا يبرر تحويل الهارب من الموت إلى هدف. الأمن لا يبرر أن يصبح السوري، الذي فر من آلة قتل، مهدداً يُطلق عليه النار لأنه اقترب من السياج الخطأ في اللحظة الخطأ. الأمن لا يبرر أن تتكلم السلطة عن العدالة في المؤتمرات، ثم تقبل بسياسات وممارسات مهينة على الأرض. حين يصبح “الأمن” غطاءً دائماً لكل قسوة، فإنه يتحول من ضرورة مشروعة إلى عقيدة بلا ضمير.

من المؤلم أيضاً أن السلطة التركية لم تكتفِ بالتناقض بين خطابها وممارستها، بل شاركت في إنتاج مناخ اجتماعي جعل حياة السوري أرخص من أن تُرى بوضوح. فبدلاً من بناء ثقافة قانون واحترام وشفافية، تُرك المجال واسعاً للتحريض والتشويه، حتى صار السوري في أعين كثيرين مادة للشكوى، ومسبباً لكل أزمة، وهدفاً مناسباً للغضب الشعبي. وحين تخلق السلطة أو تتسامح مع هذا المناخ، فإنها لا تستطيع أن تتبرأ أخلاقياً من العنف الناتج عنه، سواء كان عنفاً لفظياً أو مؤسسياً أو حدودياً.

إن مأساة السوري على الحدود التركية تلخص مأساة أوسع: المنطقة كلها مليئة بالأنظمة التي تتكلم بلغة المبادئ وتتصرف بلغة الصفقات. لكن خيبة السوري من تركيا كانت مضاعفة، لأن السلطة هناك لم تقدم نفسها كسلطة عادية، بل كسلطة ذات رسالة، ذات ضمير، ذات بعد إسلامي وإنساني. وحين يسقط صاحب الرسالة في امتحان الدم، يكون سقوطه أفدح من سقوط من لم يدّعِ شيئاً أصلاً.

لهذا، فإن الحديث عن قتل السوريين الهاربين لسنوات ليس مجرد اتهام أخلاقي لجنود على الحدود، بل هو اتهام لبنية سياسية كاملة قامت على استثمار المأساة السورية، ثم ادعاء الطهر وهي تمارس البراغماتية القاسية. المسؤولية هنا لا تقف عند مطلق النار، بل تصل إلى من صنع المناخ، وكتب الخطاب، وفتح باب الاستخدام السياسي للضحايا، ثم أغلق باب الحقيقة.

في النهاية، لا يحتاج السوري من أردوغان ولا من السلطة التركية خطبة جديدة عن الإنسانية، ولا دموعاً على الشاشات، ولا استعراضاً بطولياً في المؤتمرات. ما يحتاجه هو اعتراف صريح بأن كثيراً من الكلام كان نفاقاً، وأن كثيراً من السياسات كانت مبنية على المصلحة لا المبدأ، وأن دم السوري كان، في لحظات كثيرة، أرخص من أن يفسد على السلطة صورتها التي تحبها عن نفسها. هذه هي الحقيقة القاسية: من يرفع راية الأخوة ثم يخذل الملهوف عند الحدود، لا يخطئ فقط، بل يفضح نفسه.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...


المزيد.....




- أبرز الجُزر الإيرانية على مضيق هرمز وأهميتها الإستراتيجية
- الموت عطشا أو قصفا.. 20 ألف بحار عالقون في مياه الخليج المشت ...
- حلفاء واشنطن يبحثون متطلبات فتح مضيق هرمز
- واشنطن تسمح مؤقتا بتسليم وبيع النفط الإيراني العالق في البحر ...
- السعودية..تدمير عشرات المسيّرات الإيرانية في المنطقة الشرقية ...
- الجيش الإسرائيلي يشنّ غارات على أهداف لحزب الله في بيروت
- إيران فشلت في استهداف قاعدة أميركية بريطانية بصاروخين
- هل تستطيع واشنطن احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟
- بعثة الناتو تغادر العراق جرّاء تدهور الأوضاع الأمنية
- هآرتس: تفاقُم الكارثة التي صنعتها إسرائيل في غزة


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أردوغان والسلطة الحاكمة في تركيا