أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على السوريين بالشقاء؟















المزيد.....

بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على السوريين بالشقاء؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 22:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليست مأساة السوريين أنهم انتقلوا من أزمة إلى أزمة فحسب، بل إنهم علقوا طويلاً بين نموذجين كلاهما ادعى امتلاك الحقيقة والحق في السيطرة: نموذج حكم أمني مغلق احتمى بالطائفة واستخدم الدولة مزرعةً للخوف والفساد، ونموذج إسلامي رفع شعارات الخلاص الديني من دون أن يقدّم مشروع دولة حديثة قادرة على حماية الناس وإدارة الاختلاف. وبين هذين النموذجين، ضاعت سوريا، ودفع السوريون الثمن دماً وفقراً وتشرداً وذلاً.

النظام الذي حكم سوريا لعقود لم يكن مجرد سلطة استبدادية عادية، بل بنية خوف كاملة. سلطة جعلت من الأجهزة الأمنية فوق المجتمع، ومن الولاء الشخصي فوق القانون، ومن البقاء في الحكم هدفاً يسمو على كل شيء. وقد استخدم هذا النظام، في لحظات كثيرة، البعد الطائفي لا بوصفه هوية ثقافية فحسب، بل بوصفه أداة تحصين سياسي: تخويف الأقليات من الأكثرية، وتخويف الأكثرية من الفوضى، وتحويل الدولة إلى شبكة امتيازات وحمايات وشبهات. هكذا لم تعد الوطنية عقداً جامعاً، بل صارت قشرة فوق انقسامات يجري تغذيتها سراً وعلناً كلما احتاجت السلطة إلى ذلك.

لكن ظلم النظام لا يكفي وحده لتفسير الكارثة. فحين تراجعت قبضة الدولة في أجزاء من البلاد، لم يظهر دائماً بديل وطني ناضج، بل تقدمت أيضاً تيارات إسلامية كثيرة وهي تحمل يقيناً عقائدياً أكبر من قدرتها على بناء مؤسسات. دخلت السياسة بعقلية الدعوة، ودخلت الدولة بعقلية الجماعة، ودخلت المجتمع بعين الفرز بين الصالح والمنحرف، والمؤمن والمشبوه، والملتزم وغير الملتزم. وهنا ظهر الوجه الآخر للمأساة: ليس فقط استبداد النظام، بل أيضاً عجز خصومه الإسلاميين، في كثير من الحالات، عن إقناع السوريين بأنهم يحملون مستقبلاً أرحب وأكثر عدلاً.

مشكلة الإسلاميين في سوريا، كما في غيرها، لم تكن في تدينهم بحد ذاته، بل في تحويل الدين إلى برنامج سلطة. فعندما يصبح الخطاب السياسي مشبعاً بوعد أخلاقي مطلق، بينما تظل أدوات الحكم بدائية ومشحونة بالإقصاء، تكون النتيجة شديدة القسوة: كثير من الوعظ، قليل من الدولة؛ كثير من الشعارات، قليل من المؤسسات؛ كثير من الحديث عن الهوية، قليل من الحديث عن الاقتصاد والإدارة والقانون وحقوق المختلفين. وهكذا شعر كثير من السوريين أنهم انتقلوا، أو كادوا ينتقلون، من قمع أمني ثقيل إلى وصاية اجتماعية ثقيلة، ومن مخابرات الدولة إلى رقابة الجماعة.

الوجه المشترك بين النموذجين هو ازدراء الإنسان الفرد. النظام الأمني لا يرى المواطن إلا رقماً مشبوهاً يجب ضبطه، والمشروع الإسلامي المتشدد لا يراه إلا موضوعاً للتقويم والتهذيب والإلزام. في الحالتين، يضيق المجال العام، وتختنق الحرية، ويُطلب من الناس أن يطيعوا: مرة باسم الاستقرار والوحدة الوطنية، ومرة باسم الدين والفضيلة. وفي الحالتين، يتم سحق السياسة الحقيقية، أي التفاوض والاختلاف والتعدد والمحاسبة، لصالح منطق الخضوع.

السوريون شقوا لأنهم حُرموا من الدولة الطبيعية. لا دولة مواطنة، ولا مؤسسات مستقلة، ولا تداول سلطة، ولا ثقافة عامة تسمح بوجود معارضة مدنية قوية بين استبداد السلطة واستبداد العقيدة. لهذا بدا البلد، في لحظات كثيرة، كأنه محكوم دائماً بين خيارين سيئين: إما سلطة تعرف كيف تقتل وتبتز وتدير الخوف، أو قوى تعرف كيف تصرخ وتكفّر وتفرض الوصاية باسم الخلاص. وحين يكون المجال محصوراً بين هذين، لا يعود السؤال: من سينتصر؟ بل: كم سيدفع المجتمع من روحه قبل أن ينهار؟

يزيد المأساة أن كلا الطرفين احتاج الآخر بطريقة ما. النظام احتاج إلى التطرف الإسلامي ليقول للعالم: أنا الحاجز الأخير قبل الجحيم. والإسلاميون احتاجوا إلى وحشية النظام ليقولوا للناس: لا خلاص إلا بنا. وبين هذا وذاك، تحولت سوريا إلى أرض يثبت فيها كل طرف صحة دعايته بجثث السوريين. كلما ازداد بطش السلطة، ازداد خطاب الثأر والتشدد. وكلما ازداد حضور التيارات المتشددة، ازداد خوف العالم والأقليات ووجد النظام مبرراً إضافياً للاستمرار. إنها دائرة جهنمية لم تُكسر، لأن الطرفين عاشا جزئياً على بقاء الطرف الآخر.

ولعل السؤال الأشد إيلاماً هو: لماذا لم يتمكن السوريون من إنتاج بديل ثالث قوي؟ الجواب ليس بسيطاً. فالقمع الطويل دمّر الحياة السياسية، وأضعف الطبقة الوسطى، وأفسد النقابات والجامعات والإعلام، وجعل المبادرات المدنية هشة ومحاصرة. ثم جاءت الحرب فرفعت السلاح فوق السياسة، والممول الخارجي فوق القرار الوطني، والولاء للفصيل فوق الولاء للفكرة. وفي مثل هذا الخراب، تزدهر المشاريع الأكثر بساطة ووحشية: مشروع العصا الأمنية، أو مشروع الراية العقائدية. أما المشروع المدني الوطني الديمقراطي، فيحتاج وقتاً ومؤسسات وطبقات اجتماعية مستقرة، وهي كلها كانت تتآكل أمام العنف والفقر والتدخلات الخارجية.

لقد شقي السوريون لأنهم عاشوا تحت نظام لم ير فيهم شعباً بل رعايا، ثم واجهوا معارضات لم تر فيهم دائماً مواطنين بل جماعات يجب قيادتها أو هدايتها أو استخدامها. شقوا لأن السياسة في بلادهم لم تُبنَ على فكرة الإنسان الحر، بل على فكرة الجماعة الخائفة أو المطيعة أو المستنفرة. شقوا لأن الطائفة استُخدمت سلاحاً، ولأن الدين استُخدم برنامج حكم، ولأن الوطن نفسه انكسر بين هاتين الماكينتين.

الخروج من هذا الجحيم لا يكون بالحنين إلى الاستبداد خوفاً من الإسلاميين، ولا بالتسليم للإسلاميين كرهاً في الاستبداد، بل ببناء شيء ثالث: دولة قانون لا تحكمها طائفة، ولا تحتكرها جماعة دينية، ولا تختزل المجتمع في هوية واحدة. دولة يكون فيها الجيش جيشاً لا أداة عائلة، والدين مصدراً أخلاقياً لا جهاز حكم، والمواطن مواطناً لا تابعاً. من دون هذا البديل، سيظل السوريون أسرى الثنائية نفسها: سجن كبير باسم الدولة، أو سجن آخر باسم الخلاص.

لهذا لم يُحكم على السوريين بالشقاء لأنهم شعب ناقص أو لأن قدرهم أسود، بل لأنهم تُركوا طويلاً بين مشروعين فاشلين في معنى الدولة والإنسان: مشروع يحتمي بالخوف والطائفة، ومشروع يحتمي بالنص واليقين. وكلاهما، في النهاية، حين يقترب من السلطة، يضيق بالحرية.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...


المزيد.....




- حرس الثورة الإسلامية: تدمير صاروخين من طراز -AGM-158 كروز- خ ...
- حرس الثورة الإسلامية: التدمير تم بواسطة منظومات دفاع جوي متط ...
- المقاومة الإسلامية تستهدف تجمعا لجنود العدو في موقع مسكاف عا ...
- المقاومة الإسلامية تستهدف تجمعا لجنود العدو وآلياته في محيط ...
- المقاومة الإسلامية تستهدف تجمّعًا لآليات وجنود العدوّ الإسرا ...
- حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا محطات استقبال الأقمار الإصطنا ...
- حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا قواعد - الأزرق، الشيخ عيسى، ع ...
- فوكو في طهران.. هل كان الثورة الإسلامية ظاهرة روحانية حقا؟
- قوى الأمن الداخلي تعتقل 466 خائنا مرتبطا بأعداء الثورة الاسل ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف دبابة -ميركافا- على طريق ...


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على السوريين بالشقاء؟