أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟














المزيد.....

هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 08:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ نحو تسعين عاماً، لم تكن فلسطين مجرد قضية حدود أو نزاع على أرض، بل تحولت في الوعي العربي إلى اختبار أخلاقي وسياسي دائم. غير أن المشكلة الكبرى لم تكن في التعاطف مع الفلسطينيين، بل في الطريقة التي أُديرت بها القضية: شعارات أكبر من القدرة، ومزايدات أكثر من الإنجاز، واستثمار سياسي طويل جعل فلسطين أحياناً أداةً في صراع الأنظمة، لا مشروعاً عقلانياً للتحرير أو التسوية. تاريخ الصراع نفسه مرّ بمحطات كبرى: من الانتداب البريطاني، إلى قرار التقسيم عام 1947، ثم حرب 1948 وما تلاها من لجوء واسع للفلسطينيين، ثم حروب 1956 و1967 و1973، وصولاً إلى دورات الصدام المستمرة حتى اليوم.

السؤال الصادم ليس: هل فلسطين تستحق؟ لأن القضايا العادلة لا تُوزن بهذه اللغة التجارية الباردة. السؤال الأدق هو: هل أحسن العرب إدارة الثمن الذي دفعوه؟ هنا يبدأ النقد الحقيقي. فخلال عقود، رُفعت فلسطين إلى مرتبة الشعار المقدس، بينما كانت الجيوش تُهزم، والاقتصادات تُستنزف، والمجتمعات تُقمع باسم “المعركة الكبرى”. كثير من الأنظمة العربية استخدمت فلسطين لتأجيل الإصلاح، وتبرير الاستبداد، وصناعة شرعية عاطفية رخيصة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لكن المعركة نفسها بقيت بلا حسم، بينما علت أصوات السجون والأجهزة الأمنية والانهيارات الداخلية.

بهذا المعنى، لم تكن المأساة أن العرب دافعوا عن فلسطين، بل أن كثيراً من الحكام والنخب حوّلوا فلسطين إلى خطاب أكثر منها استراتيجية. فبدلاً من بناء قوة علمية وعسكرية واقتصادية طويلة النفس، جرى استهلاك القضية في الخطب والمؤتمرات والانقسامات. النتيجة أن إسرائيل خرجت عبر العقود أكثر تنظيماً وتفوقاً، بينما خرج العالم العربي أكثر انقساماً، وأضعف مؤسسات، وأقل قدرة على فرض شروطه. حتى حين خيضت الحروب الكبرى، لم تكن دائماً ضمن رؤية موحدة، بل كثيراً ما كانت محكومة بردود فعل، وتنافسات إقليمية، وحسابات أنظمة تخشى بعضها بقدر ما تخشى إسرائيل. تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية يعكس هذا التتابع الطويل من المواجهات من دون تسوية عادلة أو حسم عربي حقيقي.

ثم جاءت الكلفة الفلسطينية نفسها لتفضح الجميع. فبعد كل هذا التاريخ من الدم والخطابة، ما زال ملايين اللاجئين الفلسطينيين مسجلين لدى الأونروا، وما زالت القضية مفتوحة على اللجوء والاحتلال والانقسام والفقر. اليوم ما يقارب 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني مؤهلون لخدمات الأونروا، فيما تدهور الاقتصاد الفلسطيني بشدة بعد حرب غزة الأخيرة، وذكر البنك الدولي أن الناتج الحقيقي هبط بحلول نهاية 2024 إلى مستويات تعود تقريباً إلى عام 2009، مع بطالة كارثية وانكماش حاد خصوصاً في غزة.

هنا يصبح من المشروع أخلاقياً وسياسياً أن نسأل: ما الفائدة من تسعين عاماً من الشعارات إذا كانت الحصيلة مزيداً من الخراب للفلسطينيين والعرب معاً؟ لكن هذا السؤال لا يجب أن ينقلب إلى كراهية لفلسطين أو للفلسطينيين. ففلسطين ليست “لعنة”؛ اللعنة الحقيقية كانت في سوء الإدارة العربية للقضية، وفي تحويلها إلى سوق للمزايدة، ومبرر للعجز، وغطاء لفساد داخلي مزمن. الشعوب لم تخطئ حين تعاطفت، لكن الأنظمة أخطأت حين استثمرت العاطفة بلا بناء قوة، وحين رفعت سقف الوعود إلى السماء وتركت الواقع على الأرض ينهار.

إن أخطر ما يمكن فعله اليوم هو تكرار الخطأ نفسه: إما تقديس عاطفي يمنع النقد، أو قسوة لفظية تنقلب على الضحية بدل أن تحاسب من تاجر بها. المطلوب ليس التخلي عن فلسطين، ولا الاستمرار في استنزاف المنطقة بالشعارات نفسها، بل إعادة تعريف العلاقة بالقضية على أساس مختلف: دعم الحقوق الفلسطينية بواقعية، بناء قوة عربية حقيقية، تحرير القرار من المزايدة، وربط التضامن بالإنجاز لا بالهتاف. القضية العادلة لا تُخدم بالانفعال الدائم، بل بالعقل، والمؤسسات، والنفس الطويل.

بعد تسعين عاماً، لا يبدو أن العرب خسروا لأن فلسطين لا تستحق، بل لأنهم غالباً لم يعرفوا كيف يجعلون من عدالة القضية سياسة ناجحة. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل كانت فلسطين تستحق الثمن؟ بل: لماذا كان أداء العرب من السوء بحيث دفعوا ثمناً هائلاً ولم يحققوا عدالةً للفلسطينيين ولا استقراراً لأنفسهم؟



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني: إذا استهدفتم الكهرباء فسنرد بالمثل
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني: سنرد على أي تهديد بمستوى الردع ...
- مع استمرار الهجمات الإيرانية.. نظرة على ما يحدث في الخليج ال ...
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- ترمب ينشر على منصته مقطع فيديو يسخر من ستارمر
- تصريحات أمريكية إسرائيلية عن -نهاية اللعبة- وإيران تستعد لمع ...
- هجمات للمستوطنين بالضفة وجيش الاحتلال يقتحم مناطق عدة
- كيف ينظر الأتراك إلى اقتراب تداعيات الحرب من بلادهم؟
- -سنرى إن كان محقا أم لا-.. ترمب يرد على عراقجي بشأن التهديد ...
- حزب الله العراقي يمدّد تعليق استهداف السفارة الأمريكية في بغ ...


المزيد.....

- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟