أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور التركي















المزيد.....

من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور التركي


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 09:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس صحيحاً اختزال صعود داعش في سوريا في دولة واحدة أو جهاز واحد. التنظيم خرج من رحم القاعدة في العراق بعد الغزو الأميركي للعراق، ثم استفاد من الفراغ الأمني والانهيار المؤسسي في سوريا بعد 2011، ومن التمويل الذاتي عبر النفط والابتزاز والضرائب والنهب، ومن تدفق آلاف المقاتلين الأجانب. لذلك فالسؤال الأدق ليس: من “اخترع” داعش؟ بل: من فتح البيئة التي سمحت له بالتمدد؟ وهنا يظهر الدور التركي بوصفه عاملاً مهماً في العبور والتسهيل والفراغ الحدودي، لا بوصفه التفسير الوحيد لكل شيء.

الأصل التاريخي للتنظيم معروف: داعش لم يولد في سوريا، بل تطور من تنظيم القاعدة في العراق ثم تمدد إلى سوريا مستفيداً من الحرب الأهلية هناك. الأمم المتحدة وصفت في 2014 الانتهاكات الواسعة التي ارتكبها التنظيم في العراق وسوريا، بينما وثّقت تقارير أميركية لاحقاً كيف أصبح “داعش/ISIS” أخطر تهديد جهادي عابر للحدود في تلك المرحلة. هذا يعني أن سوريا كانت ساحة التوسع الحاسم، لا نقطة الميلاد الأولى.

في الحالة السورية، استفاد داعش من ثلاثة عناصر متداخلة:
أولاً، تفكك الدولة السورية واتساع مناطق خارجة عن السيطرة. ثانياً، التدفق الهائل للمقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق. ثالثاً، اقتصاد الحرب الذي مكّن التنظيم من تمويل نفسه، بدلاً من الاعتماد فقط على رعاة خارجيين. لهذا فإن عبارة “تركيا موّلت داعش” بصيغة مباشرة وحاسمة لا تدعمها الأدلة العلنية الموثقة بالقدر نفسه الذي تدعم به الأدلة فكرة أن الحدود التركية-السورية كانت لسنوات ممرّاً رئيسياً استغله التنظيم وأنقرة تأخرت في إغلاقه بفاعلية.

الدور التركي يبدأ من هنا. رويترز نقلت في 2014 أن تركيا كانت “تكافح لوقف تدفق الجهاديين الأجانب” إلى تنظيم الدولة، لكنها “لم يمض وقت طويل على سماحها بحرية الوصول لأولئك الذين يريدون الالتحاق بالحرب في الجوار”. هذه صياغة مهمة لأنها لا تقول إن أنقرة أسست داعش، لكنها تقول إن السياسة التركية في بدايات الحرب السورية كانت متساهلة بصورة خطرة مع العبور إلى سوريا، في لحظة كانت فيها أولوية أنقرة إسقاط الأسد أكثر من محاصرة التيار الجهادي الصاعد.

هذا التراخي لم يكن اتهاماً سورياً أو كردياً فقط. وزير الخارجية التركي نفسه قال في 2014 إن بلاده تريد تبادلاً أكبر للمعلومات مع الدول الأخرى لمنع الجهاديين من دخول تركيا ثم السفر إلى سوريا والعراق. مجرد صدور هذا الكلام رسمياً يعكس أن تركيا كانت بالفعل دولة عبور مركزية في مسار المقاتلين الأجانب، حتى لو حاولت تفسير ذلك بضعف المعلومات الاستخباراتية الواردة من أوروبا وغيرها.

ومن زاوية أخرى، تقارير ودراسات أوروبية حول “المقاتلين الأجانب” تعاملت مع الملف على أساس أن سوريا والعراق جذبتا عشرات الآلاف، وأن المسارات اللوجستية عبر تركيا كانت جزءاً رئيسياً من المشكلة في تلك السنوات. هذا لا يثبت “تواطؤ الدولة التركية” كقرار رسمي لإدخال داعش، لكنه يثبت أن الحدود التركية كانت القناة الأهم تقريباً لعبور كثير من العناصر إلى سوريا.

أما في مسألة التسليح والتدريب، فالصورة أكثر تعقيداً. رويترز نشرت في 2015 تحقيقاً يفيد بأن جهاز الاستخبارات التركي ساعد في شحن أسلحة إلى مناطق سورية تحت سيطرة فصائل إسلامية في أواخر 2013 وأوائل 2014، استناداً إلى شهادة مدعٍ وعناصر درك. التحقيق قال إن هذا يناقض النفي التركي لتسليح المتمردين، ويشير بصورة غير مباشرة إلى مساهمة هذه السياسة في البيئة التي صعد فيها داعش. لكن التقرير لا يقول إن تركيا سلّحت داعش مباشرة؛ بل إن سياسة تسليح ساحات معارضة إسلامية وتغليب أولوية الحرب على الأسد ساعدت في خلق المناخ الذي ازدهرت فيه التنظيمات الجهادية، ومنها داعش.

وهنا يجب التمييز بين مستويين:
المستوى الأول: الدعم التركي المباشر لبعض فصائل المعارضة السورية المسلحة، وهذا أمر موثق على نطاق واسع.
المستوى الثاني: الزعم بأن تركيا أنشأت داعش أو كانت الممول الرسمي له، وهذا ادعاء أكبر من مستوى الأدلة العلنية المتاحة في المصادر الموثوقة. الأدق أن نقول إن البيئة التي نتجت عن سياسات الحدود والتسليح والفرز المتأخر بين “المعارضة” و”الجهاديين” خدمت داعش بقوة.

في التمويل، كثير من الدراسات والتقارير ركزت على أن داعش كان يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الذاتي: النفط، الضرائب، الإتاوات، النهب، والفدية. كما ظهرت اتهامات متكررة بأن النفط المهرب من مناطق التنظيم مرّ عبر تركيا أو وصل إلى أسواق مرتبطة بها، لكن هذه النقطة ظلت شديدة التسييس، وتركيا نفت تورط الدولة فيها. رويترز نقلت تلك الاتهامات الروسية والعراقية والتركية المتبادلة في 2015، لكنها لم تقدّم في هذه المواد دليلاً قاطعاً على أن الدولة التركية كانت تشغّل هذا المسار رسمياً. لذلك من الأفضل التعامل مع ملف النفط المهرب بوصفه منطقة شبهات وتهريب وحدود رخوة وشبكات وسطاء أكثر من كونه دليلاً حاسماً على قرار دولة بتغذية داعش.

لكن حتى لو تركنا ملف النفط جانباً، تبقى المسألة الأخطر: التأخر التركي في الانتقال من سياسة “فتح الممرات ضد الأسد” إلى سياسة “إغلاق الممرات أمام الجهاديين”. هذا التأخر لم يكن تفصيلاً؛ كان أحد أهم أسباب تحول الشمال السوري إلى بيئة جذب للجهاديين والمهرّبين وشبكات العبور. رويترز وصفت لاحقاً، في 2017، كيف شددت تركيا الحدود بالجدران والطائرات المسيّرة والألغام، وقدّمت أرقاماً عن ضبط مقاتلين أجانب، ما يعني ضمنياً أن المرحلة السابقة كانت أقل إحكاماً بكثير.

ثم تغيرت المعادلة. بعد تعرض تركيا نفسها لهجمات داعش، اتجهت أنقرة إلى حملة أكثر صرامة: إغلاق مواقع موالية لداعش، تضييق على الحدود، وعمليات أمنية داخلية، ثم انخراط عسكري ضد التنظيم في شمال سوريا ضمن عملية “درع الفرات” التي استهدفت داعش أيضاً، وإن استهدفت في الوقت نفسه قوات كردية تعدها أنقرة خطراً أكبر. هذا التحول يؤكد أن تركيا لم تبقَ على خط واحد؛ لكنها أيضاً لا تُعفي السياسة السابقة من المسؤولية عن فتح الباب الذي حاولت لاحقاً إغلاقه.

بل إن التعاون الأميركي-التركي في السنوات اللاحقة وصل إلى فرض عقوبات مشتركة على شبكات مرتبطة بداعش داخل تركيا، ثم إلى إعلان مشترك في 2024 عن العمل معاً ضد شبكة تهريب بشر مرتبطة بالتنظيم. هذا مهم لأنه يدل على أن تركيا تحولت لاحقاً إلى ساحة مكافحة واحتواء بقدر ما كانت سابقاً ساحة عبور واختراق.

الخلاصة أن السؤال “من أدخل داعش إلى سوريا؟” لا جواب له باسم واحد. النظام السوري ساهم بوحشيته وتفكيكه البلاد في خلق البيئة، والغزو الأميركي للعراق أنجب الأصل التنظيمي، وشبكات التمويل والتهريب الجهادية غذّت التوسع، والدول الإقليمية أخطأت حين جعلت أولويتها إسقاط الخصوم لا منع الانفجار الجهادي. أما تركيا، فمسؤوليتها الأكثر ثبوتاً ليست أنها “أنشأت داعش”، بل أنها سمحت لسنوات مبكرة ببيئة عبور وتسهيل وتراخٍ حدودي وسياسة انتقائية تجاه الفصائل المسلحة، ما ساعد التنظيم على التمدد في سوريا قبل أن تنقلب عليه لاحقاً عندما صار تهديداً مباشراً لها أيضاً.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟


المزيد.....




- -الجيش الإسرائيلي سينهار من تلقاء نفسه-.. مصدر يكشف لـCNN عن ...
- ترامب يكشف كواليس قرار تمديد -مهلة منشآت الطاقة-: -إيران طلب ...
- ترامب يمدد مهلة استهداف محطات الطاقة الإيرانية حتى 6 أبريل
- سلمان رشدي في كتابه الجديد: الفن أقوى من الطغاة ويخيفهم
- فرنسا ترجح احتمال تقديم ?روسيا المساعدة لإيران في عملياتها ? ...
- فرنسا تقترح تشكيل بعثة دولية -دفاعية- لضمان حرية الملاحة
- هذا هو سيناريو انتهاء الحرب الذي تخشاه إسرائيل
- مجلس التعاون الخليجي: لن نبقى رهينة لسياسات إيران وسنوجد بدا ...
- مع تعميق التوغل الإسرائيلي.. كيف يدير حزب الله معركة الجنوب؟ ...
- مقتل جندي إسرائيلي خلال اشتباكات في جنوب لبنان


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور التركي