أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة الحماية بوابةً للهيمنة على حلب؟















المزيد.....

لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة الحماية بوابةً للهيمنة على حلب؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 09:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ بداية الانخراط التركي العميق في الشمال السوري، لم يعد ممكناً إقناع أحد بأن أنقرة تنظر إلى سوريا بوصفها جاراً مستقلاً كامل السيادة. فالسلوك التركي على الأرض، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإدارياً، يوحي في كثير من الأحيان بأن سوريا، أو على الأقل أجزاء واسعة من شمالها، ليست في نظر صانع القرار التركي سوى مساحة نفوذ مفتوحة، ومورداً قابلاً للاستثمار، وساحةً قابلة لإعادة التشكيل بما يخدم الأمن القومي التركي والمصالح التركية الداخلية، لا مصالح السوريين أنفسهم. من هنا يتولد ذلك الانطباع القاسي: أن تركيا تتعامل مع سوريا كما لو أنها مزرعة، لا دولة؛ وكأن الأرض والناس والحدود والاقتصاد مجرد عناصر قابلة للإدارة والاستغلال والتوجيه من الخارج.

هذا الوصف قد يبدو صادماً، لكنه لا يأتي من فراغ. فحين تربط دولة ما مناطق واسعة من بلد آخر بعملتها، ومؤسساتها، وشبكات خدماتها، ومناهجها، وفصائلها، ومسارات تجارتها، فإنها لا تمارس مجرد “مساعدة” عابرة، بل تصوغ واقعاً تابعاً. وحين يصبح القرار المحلي مرهوناً إلى هذا الحد بالمزاج التركي الأمني والسياسي، فإن الحديث عن “دعم” يتحول شيئاً فشيئاً إلى وصاية، ثم إلى شيء أقرب إلى الإدارة غير المباشرة. المشكلة هنا ليست فقط في وجود نفوذ تركي، بل في طبيعته: نفوذ لا يبدو مؤقتاً ولا خجولاً، بل مهيأً للاستمرار والتمدد متى توفرت الفرصة.

تركيا تبرر هذا كله دائماً بلغة الأمن: حماية الحدود، منع التهديدات الكردية المسلحة، احتواء الفوضى، منع موجات لجوء جديدة، وتأمين مناطق نفوذ تضمن لها هامشاً تفاوضياً في الملف السوري. بعض هذه الاعتبارات مفهوم من زاوية الدولة التركية، لكن ما هو مفهوم من زاوية المصالح لا يصبح بالضرورة مشروعاً من زاوية السيادة السورية. فالدول الإمبراطورية القديمة والحديثة كلها تقريباً تدخلت في جوارها بذريعة الأمن، ثم تحولت الحماية إلى سيطرة، والسيطرة إلى إعادة هندسة للواقع المحلي، ثم إلى تطبيعٍ مع فكرة أن من حق الدولة الأقوى أن تعيد تشكيل البلد الأضعف بحجة إنقاذه من نفسه.

في الحالة السورية، يبدو الخطر مضاعفاً لأن البلاد مدمرة ومنهكة ومنقسمة، أي أنها البيئة المثالية لتدخل طويل الأمد. فكلما ازداد الضعف السوري، زادت شهية القوى المحيطة إلى الاقتطاع الوظيفي: هذه منطقة نفوذ لروسيا، وتلك لإيران، وهذه لتركيا، وأخرى للأميركيين. لكن تركيا تختلف هنا في أمر مهم: إنها ليست بعيدة جغرافياً، وليست قوة عابرة للقارات، بل دولة حدودية ذات تاريخ عثماني، وذاكرة إقليمية، وطموح دائم للعودة إلى المجال السوري بوصفه عمقاً طبيعياً. ولهذا فإن أي تمدد تركي لا يُقرأ فقط باعتباره إجراءً أمنياً، بل أيضاً باعتباره جزءاً من نزعة أوسع إلى إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي تحت عناوين جديدة.

ومن هنا يأتي السؤال الأخطر: هل يمكن أن تُطرح حلب يوماً بوصفها المدينة التي تحتاج إلى “حماية” تركية؟
لا يوجد، بالمعنى الصارم، دليل قاطع يمكن الاستناد إليه للقول إن هناك خطة تركية معلنة أو محسومة للاستيلاء على حلب. لكن غياب الدليل لا يلغي مشروعية الخوف. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن السيطرة لا تبدأ دائماً بإعلان نيات صريح، بل تبدأ بتهيئة خطابية: الحديث عن الفراغ، وعن الخطر، وعن ضرورة الحماية، وعن عجز المركز، وعن مسؤولية الجار القوي في منع الانهيار. وعندما تتكرر هذه اللغة بما يكفي، تصبح فكرة التوسع أقل صدمة في الوعي العام.

حلب ليست مدينة عادية في المخيال السوري ولا في الحسابات التركية. إنها مدينة ضخمة، قريبة من الحدود، ذات وزن اقتصادي وتاريخي ورمزي هائل. والسيطرة عليها، إن حدثت بشكل مباشر أو غير مباشر، لن تكون مجرد خطوة ميدانية، بل انقلاباً في معنى سوريا نفسها. لذلك فإن الحديث عن حلب لا يتعلق فقط بخرائط عسكرية، بل بسؤال: هل ما زالت سوريا دولة واحدة في نظر جيرانها، أم أنها صارت مجموعة مساحات قابلة للترتيب والاقتسام؟

المقلق أن الخطاب التركي تجاه سوريا كثيراً ما يكشف نظرة utilitarian باردة: اللاجئون ورقة تفاوض، الشمال منطقة عازلة، الفصائل أدوات ضغط، التجارة منفذ نفوذ، والحدود مجال لإعادة الضبط الديموغرافي والسياسي. في مثل هذه الرؤية، لا يُنظر إلى السوريين كشعب له حق تقرير المصير، بل ككتلة بشرية يجب تنظيمها بما يمنع ارتداد الأزمة على الداخل التركي. وهنا يصبح التشبيه بـ“مزرعة الأبقار” مفهوماً بوصفه تعبيراً عن الإحساس بالإهانة: الناس موجودون ليُداروا، لا ليقرروا؛ وليُستخدموا، لا ليُحترموا.

لكن هل هذا يعني أن تركيا قادرة فعلاً على ابتلاع حلب أو فرض وصاية كاملة عليها؟ ليس بالضرورة. فحلب أثقل من أن تُختزل في مناورة حدودية، وأي محاولة من هذا النوع ستفتح صدامات إقليمية ودولية معقدة، فضلاً عن الكلفة السورية الداخلية. كما أن تركيا، رغم نفوذها الكبير، ليست اللاعب الوحيد في سوريا، ولا تستطيع التحرك في فراغ. غير أن المشكلة ليست فقط في السيناريو الأقصى، أي “الاستيلاء”، بل في السيناريو الأدنى والأكثر واقعية: التطبيع التدريجي مع الهيمنة. أي أن يصبح من المعتاد أن تقرر أنقرة ما يجوز وما لا يجوز في مساحات سورية واسعة، من غير إعلان ضم، ومن غير حاجة إلى رفع العلم التركي فوق كل مبنى.

وهذا ربما هو الشكل الأخطر من أشكال السيطرة: السيطرة التي لا تعلن نفسها احتلالاً، بل تقدم نفسها خدمةً، أو حمايةً، أو ضرورةً مؤقتة، بينما هي في الحقيقة تعيد تشكيل الواقع لمصلحة الطرف الأقوى. عندها لا يعود السؤال: هل ستستولي تركيا على حلب؟ بل يصبح: هل يجري ببطء إعداد السوريين والمنطقة لتقبل فكرة أن لتركيا حقاً خاصاً في تقرير مصير الشمال السوري، وربما ما هو أبعد منه؟

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في النوايا التركية، بل أيضاً في الفراغ السوري الذي يغري بهذه النوايا. فحين تضعف الدولة إلى هذا الحد، يصبح كل جار قوي مشروع وصيّ محتمل. وحين تعجز النخب المحلية عن إنتاج مشروع سيادي وطني جامع، تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتبريرات “الحماية” القادمة من الخارج. وحين يعتاد الناس على إدارة حياتهم عبر العواصم الأجنبية، تتآكل فكرة الوطن نفسها.

لذلك فإن مواجهة هذا المسار لا تبدأ فقط برفض تركيا أو مهاجمتها خطابياً، بل بإعادة بناء معنى السيادة السورية نفسها. فالدول لا تحميها الشعارات، بل تحميها القدرة على منع الآخرين من تحويلها إلى ممر ومزرعة وسوق ومخزن أوراق تفاوض. وما لم يستعد السوريون هذه القدرة، ستظل كل قوة مجاورة ترى في سوريا شيئاً قابلاً للاستعمال.

وقد لا تكون هناك اليوم خطة معلنة للاستيلاء على حلب، لكن مجرد طرح هذا السؤال بجدية يكشف إلى أي حد وصلت العلاقة التركية بسوريا إلى مستوى يزرع الشك العميق. وهذا بحد ذاته إدانة قاسية للواقع القائم: أن يصبح من المعقول سياسياً أن يتساءل السوري أو العربي إن كانت “الحماية” مجرد اسم مهذب لمرحلة جديدة من الهيمنة.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا


المزيد.....




- متزلجون بـ-المايوهات- على الثلج.. منحدرات أمريكا -تتنكر- لمل ...
- اكتشاف دير أثري في مصر يؤرخ بدايات الرهبنة في العالم
- قرقاش: الإمارات لا تحتاج لـ-العدة والعديد- بل لـ-وضوح المواق ...
- من محمد باقر قاليباف الذي برز اسمه وسط تكهنات -مع من تحدث تر ...
- المبادرة المصرية تطالب النيابة بالاستئناف في حكم براءة المته ...
- أولى سفن أسطول المساعدات تصل إلى كوبا وسط أزمة طاقة خانقة بس ...
- قطع أشجار غابة السنط يستأصل رئة الخرطوم
- حساسية الربيع على الأبواب.. كيف تستعد لها؟
- ريبورتاج: سكان برج البراجنة يصرون على البقاء بالمخيم رغم مخا ...
- إيران ولبنان تتصدران القائمة.. آلاف القتلى في نزيف الحرب على ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة الحماية بوابةً للهيمنة على حلب؟