أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أردوغان في تركيا؟














المزيد.....

لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أردوغان في تركيا؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 06:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المفارقة التي تثير السخرية في المشهد السوري اليوم ليست فقط في منع الخمور، بل في الازدواجية السياسية التي تحكم هذا المنع. فالحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع تتحرك نحو تضييق واضح على بيع الكحول واستهلاكها في دمشق، حتى وصلت القيود في مارس/آذار 2026 إلى حظر شربها في المطاعم والنوادي، وحصر بيعها في نطاقات محددة وبشروط صارمة، قبل أن تضطر السلطات إلى التوضيح والاعتذار بعد موجة غضب واحتجاجات. هذا يعني أن الاتجاه العام موجود: فرض محافظة اجتماعية من أعلى، ولو تدريجياً.

أما في تركيا، فالصورة مختلفة تماماً. نعم، أردوغان وحكوماته فرضوا خلال السنوات الماضية قيوداً متزايدة على الكحول: حظر البيع الليلي بين العاشرة مساءً والسادسة صباحاً، منع الإعلانات والترويج، حظر البيع الإلكتروني، وقيود على مواقع البيع قرب المدارس وبعض المباني العامة. لكن، رغم كل ذلك، لم يمنع أردوغان الخمر نفسها، ولم يحاول اقتلاعها من الحياة العامة التركية اقتلاعاً كاملاً. هي ما زالت تباع قانونياً، وتُستهلك في المطاعم والفنادق والأسواق ضمن نظام مقيد لا نظام تحريم شامل.

هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. لماذا يذهب الشرع في سوريا إلى ما يبدو أكثر تشدداً اجتماعياً، بينما يكتفي أردوغان في تركيا بسياسة التضييق دون التحريم الكامل؟ الجواب، في رأيي، ليس دينياً فقط، بل سياسي وبراغماتي قبل كل شيء.

أردوغان يحكم دولة قديمة ومتماسكة نسبياً ومتصلة بالاقتصاد العالمي والسياحة والاستثمار والطبقة الوسطى المدنية. تركيا فيها ملايين لا يرون في شرب الخمر قضية هوية ولا قضية كفر وإيمان، بل سلوكاً شخصياً أو جزءاً من نمط حياة مديني وسياحي. لذلك يعرف أردوغان أن الذهاب إلى المنع الكامل سيخلق صداماً أوسع مع قطاعات اقتصادية واجتماعية كبيرة، وسيكلفه داخلياً وخارجياً أكثر مما يفيده. لهذا اختار نهجاً ذكياً من وجهة نظره: إرضاء المحافظين بالتضييق، دون الوصول إلى نقطة الانفجار بمنع شامل. القيود موجودة، لكن باب السوق لم يُغلق.

أما الشرع، فهو يحكم بلداً مدمراً، مفككاً، منهكاً، ومفتوحاً على صراعات هوية وأمن ومشروعية. في مثل هذا الوضع، يصبح استعراض المحافظة الدينية أداة حكم سهلة. الدولة الجديدة لم تبنِ بعد شرعيتها على مؤسسات قوية أو إنجازات اقتصادية كبيرة أو عقد اجتماعي واضح، لذلك تلجأ إلى ما تلجأ إليه كثير من السلطات ذات الخلفية الأيديولوجية: ضبط المجتمع أخلاقياً لتعويض ضعف الشرعية سياسياً. وعندما تعجز السلطة عن تقديم رخاء سريع أو استقرار متين، يصبح من الأسهل عليها أن تقدم “الفضيلة” بوصفها إنجازاً.

المفارقة الأشد فجاجة أن الشرع، الذي يخرج من مدرسة إسلامية جهادية سابقة وحاول لاحقاً تقديم نفسه بصورة أكثر “واقعية”، يبدو اليوم أكثر ميلاً إلى فرض رموز المحافظة في الداخل السوري، في حين أن تركيا الأردوغانية، رغم كل نزعتها المحافظة، ما زالت مضطرة إلى التعايش مع واقع اجتماعي أكثر تنوعاً. هذا لا يجعل أردوغان ليبرالياً، طبعاً. بالعكس، سياساته تجاه الكحول كانت جزءاً من مشروع طويل لإعادة تشكيل المجال العام التركي أخلاقياً وثقافياً. لكن الفرق أن أردوغان يعرف حدود القوة داخل دولة حديثة، بينما الشرع ما زال يتصرف أحياناً بعقلية سلطة تريد اختبار قبضتها على المجتمع من بوابة السلوك الشخصي.

ومن هنا، فإن المسألة ليست أن أردوغان “أكثر تحضراً” أو “أقل تديناً”، بل أنه أكثر براغماتية. هو لا يرى في معركة الخمر معركة تستحق أن يخسر من أجلها الاقتصاد والسياحة وصورته الدولية دفعة واحدة. أما في دمشق، فهناك ميل أوضح إلى استخدام هذه القضايا لإرسال رسائل إلى القاعدة المحافظة، وإثبات أن النظام الجديد يملك “هوية” مختلفة عن سوريا السابقة. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا يضيقون على الخمر اليوم: ليس لأن الخمر هي أخطر أزمة في سوريا، بل لأن السلطة الجديدة تريد أن تقول لمن حولها: نحن هنا، ونحن نعيد تعريف المجال العام وفق تصورنا.

لكن هذا النوع من السياسات يحمل تناقضاً عميقاً. فإذا كانت سوريا تريد الخروج من الحرب والانهيار، فهي تحتاج إلى دولة قانون لا دولة وصاية أخلاقية. وتحتاج إلى طمأنة الأقليات والطبقات المدنية وأصحاب الأعمال، لا إلى إدخالهم في معارك يومية حول ما يشربون وما يلبسون وكيف يعيشون. الاحتجاجات في دمشق ضد القيود الأخيرة لم تكن مجرد اعتراض على زجاجة نبيذ أو مشروب في مطعم، بل كانت تعبيراً عن خوف أعمق: الخوف من أن تبدأ السلطة الجديدة من الكحول اليوم، ثم تنتقل غداً إلى كل تفاصيل الحياة الخاصة. هذا هو جوهر القلق الحقيقي.

ولهذا فإن السؤال ليس: لماذا يمنع الجولاني الخمور بينما يسمح بها أردوغان؟
السؤال الأدق هو: لماذا تحتاج سلطة سورية جديدة إلى خوض معركة على الحريات الفردية بهذه السرعة، بينما تتجنب حتى السلطة التركية المحافظة الوصول إلى هذا الحد؟

الجواب، في رأيي، بسيط ومزعج في آن واحد:
لأن أردوغان يحكم دولة يعرف كيف يضبطها بالموازنة بين الأيديولوجيا والمصلحة،
بينما الشرع ما زال يحاول أن يثبت نفسه عبر إخضاع المجتمع أكثر من بناء دولة.

وبين الاثنين، يدفع السوريون الثمن مرة أخرى:
مرة باسم الأمن،
ومرة باسم الدين،
ومرة باسم “هوية المجتمع”،
لكن النتيجة دائماً واحدة: تضييق إضافي على الناس في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من الوصاية.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة


المزيد.....




- ترامب لحشد من المستثمرين: اسألوني عن أي شيء.. يمكنكم التحدث ...
- استهداف موقعين نوويين بإيران وإصابة جنود أمريكيين بالسعودية. ...
- باكستان تستضيف محادثات مع السعودية ومصر وتركيا حول حرب إيران ...
- بعد تهديد الحوثيين .. إسرائيل تعلن عن أول هجوم صاروخي من الي ...
- الحوثيون وحرب إيران: ضبط النفس كخطوة محسوبة؟
- منطقة الصداقة.. لماذا نسيء فهم الإشارات ونخطئ في تفسيرها؟
- إسرائيل ترصد أول هجوم صاروخي من اليمن وضربات إيرانية في السع ...
- تايلند تتوصل لاتفاق مع إيران لعبور ناقلاتها مضيق هرمز
- مقاتلة أمريكية تحمل علم سوريا القديم ضمن عمليات جوية تستهدف ...
- إصابات وحرائق بهجمات إيرانية على 5 دول خليجية


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أردوغان في تركيا؟