أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع تركيا؟














المزيد.....

في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع تركيا؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 16:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كلما تغيّر شكل الشرق الأوسط، عاد السؤال نفسه بصيغة أكثر حدّة: هل ما زال الغرب يحتاج إلى تركيا، أم أن لحظة الفراق تقترب؟ والسؤال اليوم يبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن المنطقة تعيش إعادة تشكّل فعلية: سوريا ما بعد الأسد، توتر متصاعد مع إيران، اضطراب طرق الطاقة، وتبدّل أولويات واشنطن وأوروبا بين روسيا والبحر الأسود والشرق الأوسط. في هذا المشهد، تبدو تركيا دولة مزعجة للغرب أحياناً، لكنها ما تزال دولة يصعب على الغرب الاستغناء عنها.

من الناحية العاطفية والسياسية، توجد في الغرب أسباب كثيرة للضيق من أنقرة. العلاقة مع تركيا لم تعد علاقة حليف منضبط يتحرك داخل الإطار الغربي التقليدي، بل علاقة شائكة مع دولة تريد أن تفاوض، وتبتز أحياناً، وتناور، وتحتفظ بهوامش خاصة بها في روسيا وسوريا والشرق الأوسط وملفات الدفاع. هذا جعل تركيا في نظر كثيرين داخل الغرب حليفاً صعباً لا شريكاً مريحاً. لكن العلاقات الدولية لا تُبنى على الراحة النفسية، بل على المصالح الصلبة. وهنا تحديداً تكمن قوة تركيا.

تركيا ليست دولة هامشية يمكن الاستعاضة عنها بسهولة. هي عضو في الناتو، وتملك موقعاً جغرافياً يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود، وتستضيف أصولاً استراتيجية مهمة للحلف، بينها قاعدة إنجرليك ومحطة الرادار في كوريجيك. ومع تصاعد الحرب الإقليمية الأخيرة، أعلنت أنقرة أن أنظمة دفاع تابعة للناتو اعترضت صواريخ دخلت مجالها الجوي، في تذكير عملي بأن تركيا ليست فقط حليفاً سياسياً بل جزء من البنية الدفاعية الغربية نفسها.

ثم هناك العامل السوري. بعد سقوط نظام الأسد، برزت تركيا كواحدة من أكثر القوى نفوذاً في سوريا الجديدة، وهو نفوذ لا تستطيع أوروبا ولا الولايات المتحدة تجاهله، سواء اتفقتا معه أم لا. فأنقرة تملك حدوداً مباشرة، وشبكات تأثير، وأدوات أمنية وسياسية، وقدرة على التأثير في مسارات الاستقرار أو الفوضى. وهذا وحده يجعل التخلي الغربي عنها أمراً مكلفاً، لأن الغرب قد يختلف مع تركيا في إدارة الملف السوري، لكنه لا يملك ترف تجاهل من يملك مفاتيح الأرض والحدود والفاعلين المحليين.

كذلك، لا تزال أوروبا ترى في تركيا شريكاً مهماً اقتصادياً واستراتيجياً، حتى حين تتصاعد الخلافات السياسية. والدليل أن بروكسل وأنقرة عادتا في فبراير/شباط 2026 إلى العمل نحو تحديث الاتحاد الجمركي، وهو تطور لا يوحي بعلاقة في طريقها إلى الانهيار، بل بعلاقة يحاول الطرفان إعادة تنظيمها على أساس المصلحة المتبادلة. أوروبا قد تنتقد تركيا في ملفات الديمقراطية والحقوق، لكنها لا تتصرف معها كدولة منبوذة، بل كقوة لا بد من إبقاء خطوط المصالح مفتوحة معها.

أما الولايات المتحدة، فعلاقتها بتركيا تبدو أكثر تناقضاً. فهي من جهة تتصادم معها في ملفات عديدة، ومن جهة أخرى لا تزال تعتبرها حليفاً عسكرياً لا يمكن شطبه بسهولة. صفقة مقاتلات F-16، التي ارتبطت سياسياً بموافقة أنقرة على انضمام السويد إلى الناتو، كشفت طبيعة العلاقة الحقيقية: نزاع، مساومة، غضب متبادل، لكن داخل بيت واحد لم يُهدم بعد. لم يكن ذلك سلوك طرفين يستعدان للطلاق، بل سلوك حليفين ثقيلين يتبادلان الضغط ثم يعودان إلى الصفقة.

لكن القول إن الغرب لن يتخلى عن تركيا لا يعني أن التحالف سيبقى كما كان. هذا هو جوهر المسألة. التحالف القديم كان أقرب إلى علاقة مركز وهامش: الغرب يقود، وتركيا تتبع بدرجات متفاوتة. أما الآن، فتركيا تريد أن تكون قوة مستقلة نسبياً، لا مجرد قاعدة أمامية للناتو. ولهذا فإن ما يتشكل ليس نهاية التحالف، بل تحالف أبرد، أكثر توتراً، وأكثر براغماتية. الغرب سيحاول الإبقاء على تركيا داخل المدار، وتركيا ستحاول رفع ثمن هذا البقاء إلى أقصى حد.

في المقابل، توجد سيناريوهات قد تدفع الغرب إلى تقليص اعتماده على أنقرة، لا إلى قطع العلاقة بالكامل. من هذه السيناريوهات أن ترى واشنطن وأوروبا أن تركيا أصبحت أكثر ميلاً إلى استخدام عضويتها في الناتو كورقة ضغط من كونها التزاماً استراتيجياً، أو أن تتوسع الفجوات في سوريا وشرق المتوسط والدفاع والحقوق إلى درجة تجعل الثقة السياسية شبه معدومة. لكن حتى في هذا السيناريو، سيكون الحديث أقرب إلى احتواء تركيا أو إدارة الخلاف معها، لا إلى استبدالها بالكامل، لأن الجغرافيا لا يمكن إعادة رسمها بقرار سياسي.

بل إن تشكّل شرق أوسط أكثر اضطراباً قد يزيد حاجة الغرب إلى تركيا بدلاً من تقليلها. فمع تهديدات الحرب على إيران لطرق الطاقة، ومع تباين مواقف الأوروبيين والأمريكيين حول الانخراط العسكري، تصبح الدول القادرة على الجمع بين العضوية الغربية والحضور الإقليمي أكثر قيمة لا أقل. تركيا هنا تعرض نفسها كقوة تتحدث مع الناتو، وتتحرك داخل الشرق الأوسط، وتحاول لعب دور دبلوماسي أيضاً. هذا لا يجعلها حليفاً مثالياً، لكنه يجعلها حليفاً عملياً.

لذلك، لا أعتقد أن الغرب سيتخلى عن التحالف مع تركيا في المدى المنظور. الأرجح أنه سيتخلى عن أوهامه القديمة فقط: وهم أن تركيا ستظل تابعة مطواعة، أو أن التهديد بالمقاطعة سيكفي لإعادتها إلى السلوك المرغوب. تركيا الجديدة أكثر استقلالاً واندفاعاً وخشونة، والغرب الجديد أكثر براغماتية وأقل قدرة على خسارة الحلفاء ذوي الوزن الجيوسياسي. ولهذا فالعلاقة لن تنتهي، لكنها ستصبح أكثر كلفة على الطرفين.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل سيتخلى الغرب عن تركيا؟
بل: هل يستطيع الغرب تحمّل تركيا كما هي، وهل تستطيع تركيا الاستمرار في ابتزاز الغرب من دون أن تستنزف نفسها؟
في الشرق الأوسط الجديد، من الصعب تصور انفصال كامل بين الطرفين. لكن من السهل جداً تصور تحالف متوتر، بارد، مليء بالشكوك، يستمر لأن البديل أسوأ من العلاقة نفسها.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يتجنى الاتحاد الاوروبي على تركيا ام انها فعلا لا تستحق ال ...
- هل يدفع المعارضون الاتراك في اوروبا ثمن التقارب الاوروبي الت ...
- ثورة مرتقبة ضد حكم الجولاني في سوريا: هل ستدعم تركيا الجولان ...
- الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى ...
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...


المزيد.....




- الجيش الأردني يعلن إسقاط صاروخين أطلقتهما إيران وإصابة شخصين ...
- مصادر: إنقاذ أحد فردي طاقم مقاتلة أمريكية أُسقطت فوق إيران و ...
- أمريكا تطلق عملية إنقاذ لطائرة مقاتلة أُسقطت فوق إيران.. وفي ...
- قاذفات -بي 52- في سماء إيران.. هل تدفع واشنطن نحو مرحلة تصعي ...
- ماذا بعد قصف أكبر جسر في إيران؟
- -العاصفة الترابية الدامية- تضرب ليبيا واليونان.. فما هي؟ وكي ...
- تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تثقل أعباء حكومات دول آسيوية و ...
- قوات الباسيج تشن حملة ترهيب لثني الإيرانيين عن التظاهر
- تصريحات إسرائيلية: تجريد حزب الله من سلاحه ليس من أهداف الحر ...
- ترمب: الاستيلاء على النفط الإيراني سيحقق ثروة طائلة


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - في ظل تشكّل شرق أوسط جديد، هل سيتخلى الغرب عن التحالف مع تركيا؟