أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى مساحة للإذلال والتمييز














المزيد.....

الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى مساحة للإذلال والتمييز


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 09:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المشكلة في الجيش التركي أنه مؤسسة شديدة الانضباط فقط، بل في أنه كثيراً ما يعمل داخل مناخ قومي مغلق يجعل المختلف عرقياً أو دينياً أو لغوياً هدفاً سهلاً للإهانة والاشتباه وسوء المعاملة. وعندما تدخل الأقليات إلى هذه المؤسسة، لا تدخل دائماً بوصفها مواطنين متساوين، بل كثيراً ما تدخل وهي تحمل عبء الشك المسبق، وكأن عليها أن تثبت “تركيّتها” أكثر من غيرها. هذا ليس اتهاماً عاطفياً مجرداً، بل واقع تشير إليه تقارير حقوقية ووثائق دولية وشهادات متكررة عن التمييز ضد الأرمن والأكراد وغيرهم داخل الخدمة العسكرية التركية أو في البيئة المرتبطة بها.

من أكثر الوقائع وضوحاً ما أشارت إليه تقارير رسمية أجنبية وحقوقية حول تعرض الأرمن في تركيا للتنمر والتمييز أثناء أداء الخدمة العسكرية. تقرير وزارة الخارجية الأسترالية عن تركيا ذكر أن مصادر أفادت بأن الأرمن يواجهون التنمر والمعاملة التمييزية خلال الخدمة الإلزامية. هذه الإشارة وحدها كافية لنسف الرواية التي تريد تصوير المؤسسة العسكرية بوصفها فضاءً محايداً لا مكان فيه للتمييز. عندما يصبح انتماء الجندي الأرمني سبباً لاحتمال الإهانة داخل الثكنة، فنحن لا نتحدث عن تجاوز فردي بسيط، بل عن بيئة تسمح بازدراء المختلف.

الأكراد بدورهم يدخلون الجيش وهم محمّلون بتاريخ طويل من الشك الرسمي والقومي. الدولة التركية، طوال عقود، لم تنظر إلى المسألة الكردية بوصفها تنوعاً طبيعياً داخل المجتمع، بل بوصفها ملفاً أمنياً وسياسياً مشحوناً. وعندما تنتقل هذه العقلية إلى داخل الجيش، يصبح الجندي الكردي مهدداً بأن يُعامل لا كمواطن يؤدي واجبه، بل كهوية تحتاج إلى مراقبة وصهر وضبط. تقارير عن أوضاع الأقليات في تركيا ما تزال تصف التمييز ضد الأكراد وغيره من الأقليات بأنه بنيوي، لا مجرد حالات استثنائية. ومن السذاجة الاعتقاد بأن المؤسسة العسكرية، وهي أكثر مؤسسات الدولة تشبعاً بالقومية والانضباط، تقف خارج هذا السياق.

ولم يبق الأمر في مستوى المناخ العام فقط. فقد وثقت جمعية حقوق الإنسان التركية حالة مجند تعرض لهجوم وُصف بالعنصري داخل وحدة عسكرية في أدرنة في عام 2020، مع إصابات وكسور متعددة. مثل هذه الحوادث لا يجوز التعامل معها كأنها “شجار داخلي” عابر. حين يقع اعتداء ذو طابع عنصري داخل فضاء مغلق كالثكنة، فالمشكلة لا تكون في الضارب وحده، بل أيضاً في المؤسسة التي لم تمنع، ولم تحمِ، ولم تُنتج بيئة يشعر فيها المختلف بالأمان.

ثم تأتي القضية الأشد قتامة: الوفيات المشبوهة، والانتحارات المعلنة، والملابسات الغامضة التي ترافق أحياناً موت مجندين أثناء الخدمة. تقارير حكومية أجنبية عن تركيا أشارت إلى تسجيل وفيات وحوادث ومزاعم سوء معاملة في إطار الخدمة العسكرية، مع انتقادات لضعف الشفافية والمساءلة. صحيح أن كل وفاة مشبوهة لا يمكن نسبتها تلقائياً إلى دافع عنصري أو إلى التعذيب، لكن عندما تتكرر الشكاوى في مؤسسة مغلقة، ويكون بعض الضحايا من فئات مهمشة أو مختلفة، يصبح من المشروع جداً أن يُطرح السؤال: كم من هذه “الحوادث” يخفي وراءه ثقافة إذلال وقسوة وتمييز لا تريد المؤسسة الاعتراف بها؟

أما السوريون المُجنَّسون، فقصتهم تقع في منطقة أكثر هشاشة. من الناحية القانونية، بعضهم يصبح خاضعاً للخدمة العسكرية إذا حصل على الجنسية في سن معينة. لكن من الناحية الاجتماعية، يدخل كثير منهم المؤسسة وهم محاطون بمناخ عام من العنصرية وخطاب الكراهية ضد السوريين في تركيا. لا توجد حتى الآن مادة علنية واسعة بما يكفي توثق نمطاً ثابتاً ومفصلاً من تعذيب السوريين المجنسين داخل الجيش تحديداً، لكن هذا لا يجعل الخوف غير مشروع. بالعكس، حين يعيش السوري المجنس في مجتمع يُعامل فيه أحياناً بوصفه دخيلاً حتى بعد التجنيس، فمن المنطقي أن يُخشى عليه أكثر داخل مؤسسة قائمة على الهرمية والطاعة والخطاب القومي الصلب.

المشكلة الحقيقية إذن ليست فقط في حادثة هنا أو إهانة هناك، بل في بنية أعمق: مؤسسة عسكرية تشكلت طويلاً على فكرة التجانس، داخل دولة متوترة مع التنوع، وفي مجتمع لم يتصالح بعد مع تعدديته الإثنية والدينية. في مثل هذا الإطار، يصبح التمييز ضد الأقليات أمراً قابلاً للحياة، وقابلاً للإنكار في الوقت نفسه. ويصبح التعذيب أو الإذلال، إن وقع، أسهل في الإخفاء، لأن الضحية داخل الثكنة أضعف من أن يرفع صوته، ولأن المجتمع القومي حوله جاهز غالباً لتصديق المؤسسة لا الضحية.

الجيش الذي يريد أن يُقدّم نفسه بوصفه “جيش الأمة” يفقد شرعيته الأخلاقية حين يشعر بعض أبناء تلك الأمة بأنهم يدخلون إليه كمشتبه بهم لا كمواطنين. وإذا كانت المؤسسة العسكرية التركية عاجزة عن ضمان معاملة متساوية للأرمني والكردي والعربي والسوري المجنس وغيرهم، فإن المشكلة لا تكمن فقط في بعض الجنود أو الضباط، بل في ثقافة كاملة ما زالت ترى الاختلاف عيباً يجب كسره، لا حقيقة وطنية يجب احترامها. وهذه هي الأرض التي تنبت فيها العنصرية، ويصبح فيها الإذلال ممكناً، ويغدو التعذيب - إذا وقع - نتيجة طبيعية لبيئة لا ترى في الضحية مساوياً لها بالكامل



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يمنع الجولاني الخمور في سوريا بينما يسمح بها “معلمه” أ ...
- تركيا: الكل يخاف منها، لا أحد يحبها كيف حوّلت السلطة الحالية ...
- من أدخل داعش إلى سوريا ومَن موّلها ودرّبها؟ بحث في الدور الت ...
- هل بدأ أحمد الشرع يسقط من عيون مناصريه؟
- لماذا تتعامل تركيا مع سوريا كمزرعة أبقار؟ وهل تُستخدم ذريعة ...
- بين الاستبداد الطائفي وفشل الإسلام السياسي: لماذا حُكم على ا ...
- هل دفعت المنطقة ثمناً يفوق قدرتها في إدارة قضية فلسطين؟
- لماذا يكره كثيرون الإخوان المسلمين؟ حين يتحول الدين من مرجعي ...
- ما مصير الحكم الإسلامي في سوريا في حال اختفاء أردوغان عن الم ...
- رغم الدعم الأمريكي والخليجي لتركيا، لماذا لا يزال الاقتصاد ا ...
- لماذا قتل الجيش التركي السوريين الهاربين لسنوات؟ عن نفاق أرد ...
- كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية ا ...
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس


المزيد.....




- 3 آلاف مظاهرة.. حشود غفيرة تشارك في احتجاجات -لا ملوك- ضد إد ...
- غوريلا تنظر بغيرة إلى صديقها فيما يتناول وجبات خفيفة في حديق ...
- الحوثيون يعلنون شن هجوم جديد على أهداف في إسرائيل
- تقرير: البنتاغون يستعد لعمليات برية في إيران وغموض في موقف ت ...
- شركات توريد قطع غيار السيارات تجبر على إعادة ترتيب أوراقها
- جنود أمريكيون يعلنون إسلامهم بسبب الحرب على إيران.. ما الحقي ...
- لمواجهة تداعيات الحرب.. مصر تبدأ إجراءات لترشيد استهلاك الطا ...
- مقتل جندي إسرائيلي جنوبي لبنان وحزب الله يوسع هجماته
- هل حقا يعاني الاحتلال إنهاكا متصاعدا ونقصا في عدد الجنود؟
- بين الميدان والشاشة.. كيف تُصنع -حروب بديلة- موازية للواقع؟ ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - الأقليات داخل الثكنة التركية: حين تتحول الخدمة العسكرية إلى مساحة للإذلال والتمييز