منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 07:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ عقود، يتكرر السؤال نفسه في تركيا: أين ذهبت استثمارات الدولة في المناطق ذات الغالبية الكردية؟ هل هي غائبة فعلاً، أم موجودة ولكن بلا أثر حقيقي على الأرض؟
الجواب ليس بسيطًا، لأن الحقيقة تقع في منطقة رمادية بين “وجود استثمارات” و“فشلها في إحداث تنمية حقيقية”.
من الناحية الرسمية، لا يمكن القول إن الدولة التركية لم تستثمر في تلك المناطق. على العكس، الحكومات المتعاقبة أعلنت مرارًا عن خطط ضخمة. على سبيل المثال، أطلقت أنقرة مشاريع تنموية تشمل البنية التحتية والتعليم والصحة منذ سنوات طويلة ، كما أعلنت عن حزم استثمارية بمليارات الدولارات لإعادة إعمار المدن المتضررة من الصراع . بل إن الخطط الحديثة تتحدث عن برنامج ضخم تصل قيمته إلى نحو 14 مليار دولار يشمل مئات المشاريع حتى عام 2028 ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) .
لكن المشكلة ليست في الأرقام… بل في النتائج.
رغم هذه المليارات المعلنة، لا تزال مناطق الجنوب الشرقي من تركيا تعاني من معدلات فقر وبطالة أعلى بكثير من بقية البلاد. لماذا؟ لأن جزءًا كبيرًا من هذه “الاستثمارات” لم يكن تنمويًا بالمعنى الحقيقي، بل جاء في سياق أمني أو إعادة إعمار بعد الدمار. فعلى سبيل المثال، تم تخصيص مليارات الليرات لإعادة بناء أحياء مدمرة بعد المواجهات العسكرية ، وهو إنفاق يعيد ما تهدم أكثر مما يبني اقتصادًا جديدًا.
بمعنى آخر: الدولة تصرف، لكنها غالبًا تصرف لتعويض خسائر الصراع، لا لخلق مستقبل اقتصادي مختلف.
هناك أيضًا إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة هذه المشاريع. كثير من الخطط، مثل مشروع “GAP”، ركزت على البنية التحتية الكبرى (سدود، طرق، ري)، لكنها لم تُترجم دائمًا إلى تنمية اجتماعية متوازنة أو فرص عمل مستدامة. والأسوأ أن بعض هذه المشاريع ارتبط بتغييرات ديموغرافية غير معلنة، أو باعتبارات أمنية، ما أفقدها ثقة جزء من السكان المحليين .
ولا يمكن تجاهل العامل السياسي. فالمناطق الكردية في تركيا عاشت لعقود تحت حالة من التوتر الأمني والصراع مع حزب العمال الكردستاني. هذا الواقع جعل الدولة تنظر إلى المنطقة أحيانًا بعين أمنية قبل أن تنظر إليها كمساحة تنمية. النتيجة: طرق تُبنى، لكن الاستثمار الخاص يتردد؛ مشاريع تُعلن، لكن الاستقرار اللازم لنمو الاقتصاد لا يتحقق.
المفارقة أن الحكومات التركية نفسها اعترفت ضمنيًا بهذه الفجوة. فحتى تقارير داخلية تشير إلى أن الإهمال التاريخي للتنمية في الجنوب الشرقي كان أحد أسباب الفقر والسخط في المنطقة .
إذن، أين الاستثمارات؟
هي موجودة على الورق، وموجودة جزئيًا على الأرض، لكنها في كثير من الأحيان:
إما جاءت متأخرة بعد الدمار
أو صُممت بعقلية أمنية لا تنموية
أو فشلت في خلق اقتصاد محلي حقيقي ومستدام
المشكلة ليست في غياب المال، بل في غياب الرؤية.
تنمية أي منطقة لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرتها على تغيير حياة الناس. وفي الحالة الكردية داخل تركيا، ما زال هذا التغيير محدودًا، رغم كل المليارات التي تم الحديث عنها.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل تريد الدولة تنمية هذه المناطق فعلاً، أم فقط إدارتها؟
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟