أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين














المزيد.....

سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 03:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تسقط دولة مستبدة، لا يولد العدل تلقائيًا من تحت الركام. أحيانًا يسقط المستبد القديم، فيخرج من بين الأنقاض مستبد جديد، بلباس آخر، ولغة أخرى، وراية أخرى. وهذا هو الخطر الأكبر في سوريا اليوم: ألا تكون البلاد قد خرجت من حكم أمني طويل إلا لتدخل في حكم ديني ـ أمني جديد، يطلب من الناس الطاعة باسم الثورة، والصمت باسم الاستقرار، والخضوع باسم الشريعة.

أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، لم يعد مجرد قائد فصيل في إدلب. بعد سقوط نظام الأسد، صار الرجل في موقع السلطة الانتقالية، ووقّع إعلانًا دستوريًا لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، مع بقاء دور مركزي للشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع وفق ما نقلته تقارير دولية عن الإعلان الدستوري. هذا التحول ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه انتقال خطير من سلطة جماعة مسلحة إلى سلطة دولة، ومن حكم منطقة إلى محاولة حكم مجتمع كامل بتنوعه الديني والمذهبي والسياسي.

المشكلة ليست في الدين نفسه. الدين، في وجدان الناس، قد يكون عزاءً، وأخلاقًا، وهوية، ومصدرًا للكرامة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الدين إلى أداة سلطة. حينها لا يعود الإيمان علاقة بين الإنسان وربه، بل يصبح رخصة سياسية بيد الحاكم. ومن يعارض الحاكم لا يُعامل كمعارض سياسي، بل كمنحرف، أو عميل، أو عدو للدين. هنا تقع السرقة الكبرى: سرقة المجتمع باسم الدين.

سرقة المجتمع لا تعني سرقة المال فقط. هناك سرقة أخطر: سرقة حق الناس في الاختلاف، سرقة المجال العام، سرقة السياسة من المواطنين، سرقة المستقبل من النساء والشباب والأقليات، وسرقة الثورة نفسها من السوريين الذين لم يضحوا كي يستبدلوا صورة الطاغية بصورة الأمير.

سلطة الجولاني تحاول أن تقدم نفسها للعالم بثوب جديد: حكومة انتقالية، وزراء من خلفيات مختلفة، لغة مؤسسات، حديث عن إعادة بناء الدولة. وقد أعلن الشرع حكومة انتقالية موسعة ضمت أسماء من خلفيات دينية وإثنية مختلفة، في محاولة واضحة لتخفيف المخاوف الداخلية والخارجية. لكن السؤال ليس: هل توجد أسماء متنوعة في الحكومة؟ السؤال: من يملك القرار الحقيقي؟ هل المجتمع شريك في السلطة، أم مجرد ديكور في صورة السلطة؟

التجارب السياسية لا تُقاس بالخطاب وحده. كل سلطة جديدة تستطيع أن تتحدث عن المواطنة، والمصالحة، والانتقال، وحقوق الأقليات. لكن الاختبار الحقيقي يكون في الأمن، والقانون، والقضاء، والإعلام، وحق الناس في الاعتراض. فإذا كان السلاح بيد طرف واحد، والدستور المؤقت مفصّلًا على مقاس سلطة واحدة، والمرحلة الانتقالية طويلة بما يكفي لترسيخ الأمر الواقع، فإن الحديث عن الانتقال يصبح أقرب إلى تثبيت السلطة منه إلى تسليمها للشعب.

الذين يحكمون باسم الدين غالبًا لا يقولون للناس: نحن نسرقكم. بل يقولون: نحن نحميكم. نحمي العقيدة، نحمي المجتمع، نحمي الهوية، نحمي الأخلاق. لكن تحت هذه الكلمات الكبيرة، تبدأ عملية صغيرة ومتواصلة لتأديب الناس: ماذا تلبس المرأة؟ ماذا يقول الصحفي؟ ماذا يدرّس المعلم؟ ماذا يكتب الكاتب؟ ماذا يفعل الفنان؟ كيف يتكلم المختلف؟ وكيف يعيش من لا يشبه الأكثرية؟

هكذا لا تسرق السلطة الخبز فقط، بل تسرق الهواء. يصبح المواطن مضطرًا إلى مراقبة نفسه قبل أن تراقبه الدولة. يخاف من كلمة، ومن منشور، ومن رأي، ومن سؤال. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تكون السلطة قد نجحت في أعظم سرقاتها: جعلت الناس سجناء داخل ضمائرهم.

الأخطر أن سوريا ليست مجتمعًا أحاديًا. سوريا ليست لونًا واحدًا ولا مذهبًا واحدًا ولا ذاكرة واحدة. فيها مسلمون ومسيحيون، سنّة وعلويون ودروز وإسماعيليون، عرب وكرد وسريان وآشوريون وتركمان، محافظون وعلمانيون، مؤمنون وغير مؤمنين، ريف ومدن، لاجئون ونازحون وناجون من سجون ومجازر. أي سلطة تريد حكم سوريا بمنطق الغلبة الدينية أو المذهبية ستفشل أخلاقيًا قبل أن تفشل سياسيًا.

تقارير حقوقية بعد المرحلة الانتقالية وثّقت مخاوف وانتهاكات خطيرة، منها تقرير مشترك لـ Human Rights Watch ومنظمات سورية عن عمليات قتل ذات طابع هوياتي خلال أحداث الساحل، إضافة إلى تقارير أممية أشارت إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين خلال موجة العنف في مارس 2025، مع تحميل قوات حكومية ومجموعات موالية مسؤولية انتهاكات جسيمة في سياق تلك الأحداث. هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها امتحان مبكر لطبيعة السلطة الجديدة: هل تستطيع حماية كل السوريين، أم تحمي جمهورها أولًا ثم تطلب من البقية الثقة؟

منطق “نحن أفضل من الأسد” لا يكفي. نعم، نظام الأسد ارتكب جرائم هائلة وحوّل الدولة إلى مزرعة أمنية عائلية. لكن المقارنة مع الأسوأ لا تمنح الشرعية. لا يمكن لأي سلطة جديدة أن تقول: بما أننا لسنا الأسد، فكل ما نفعله مقبول. سوريا لا تحتاج إلى مستبد أقل سوءًا؛ تحتاج إلى نهاية فكرة الاستبداد نفسها.

وهنا يظهر الخطر في استخدام الدين: الاستبداد العلماني يمكن فضحه بوصفه استبدادًا. أما الاستبداد الديني فيختبئ خلف المقدس. يطلب منك ألا تناقشه لأنك لا تناقش رجل السلطة فقط، بل كأنك تناقش الدين نفسه. وهذا تزييف خطير. نقد سلطة الجولاني ليس نقدًا للإسلام، ولا نقدًا للمؤمنين، ولا نقدًا للشريعة كقناعة دينية عند المسلمين. إنه نقد لتحويل الدين إلى جهاز حكم، وتحويل المجتمع إلى مادة قابلة للتطويع باسم الطاعة.

حين تصبح السلطة دينية، أو ذات مرجعية دينية مغلقة، فإنها لا تحتاج دائمًا إلى السجن كي تخضع الناس. يكفيها أن تصنع طبقة من الخوف الأخلاقي: من سيُتهم بقلة الدين؟ من سيُقال عنه إنه يهاجم الإسلام؟ من سيُصنّف ضد الثورة؟ من سيُطرد من الجماعة؟ هذه الأدوات ناعمة في ظاهرها، لكنها قاسية في أثرها. إنها تحوّل المجتمع إلى محكمة مستمرة.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...
- الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من ...


المزيد.....




- كيف تغيرت العلاقات الأمريكية - الصينية على مدى 30 عامًا؟
- في غياب ترامب وروبيو.. سباق مع الزمن في واشنطن لإنقاذ الهدنة ...
- من -الوحش- إلى شبكة المراقبة الذكية.. تعرف على إجراءات تأمين ...
- -زنزانة جماعية-.. نجل مادورو يكشف لمجلة ألمانية يوميات والده ...
- -علاقة بناءة ومستقرة ?استراتيجيا- بين بكين وواشنطن.. هل تضغط ...
- تونس: -تضييق متزايد على الحريات-؟
- معركة الوعي في إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي
- بعد أدائه اليمين الدستورية.. 5 تحديات تنتظر رئيس أوغندا في و ...
- عاجل | مسؤول في بحرية الحرس الثوري: موقف إيران تجاه السفن ال ...
- نيويورك تايمز: تقارير استخبارية تكشف تعافي القدرات الصاروخية ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين