أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - من عدو تركيا الحقيقي: الغرب أم إسرائيل أم العرب؟















المزيد.....

من عدو تركيا الحقيقي: الغرب أم إسرائيل أم العرب؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 03:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الخطاب السياسي التركي، هناك دائمًا عدو حاضر: مرة الغرب الذي لا يريد لتركيا أن تنهض، ومرة إسرائيل التي تهدد المنطقة، ومرة العرب الذين “خانوا” أو “تآمروا” أو لم يفهموا تركيا. لكن السؤال الأعمق ليس: من يكره تركيا؟ بل: من يمنع تركيا فعلًا من أن تصبح دولة قوية، مستقرة، محترمة، ومزدهرة؟

الجواب الصادم أن عدو تركيا الحقيقي ليس الغرب وحده، ولا إسرائيل وحدها، ولا العرب وحدهم. عدو تركيا الحقيقي هو الوهم السياسي الذي يجعلها تبحث دائمًا عن عدو خارجي لتفسير أزماتها الداخلية.

الغرب: عدو أم مرآة مزعجة؟

تركيا تحب أن تقول إن الغرب لا يريد لها الخير. وفي هذا شيء من الحقيقة وشيء كثير من المبالغة. الغرب لم يتعامل دائمًا مع تركيا بإنصاف. الاتحاد الأوروبي وعد تركيا طويلًا بالعضوية ثم تركها في غرفة الانتظار. بعض الدول الأوروبية تنظر إلى تركيا كحليف أمني مفيد، لا كشريك حضاري كامل. وداخل الناتو، تشعر أنقرة أحيانًا أنها تُستخدم عند الحاجة وتُهمّش عند القرار.

لكن هل الغرب هو عدو تركيا الحقيقي؟ ليس بهذه البساطة.

تركيا عضو في الناتو، وتجارتها واستثماراتها وتكنولوجيا صناعتها ودراستها وسياحتها مرتبطة بقوة بأوروبا. حتى عندما تتوتر العلاقات، يبقى الغرب شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه. التحليلات الأوروبية الحديثة ترى أن موقع تركيا الجغرافي وجيشها، وهو من الأكبر داخل الناتو، يجعلانها لاعبًا أمنيًا مهمًا لأوروبا، رغم استمرار العوائق السياسية بين الطرفين.

الغرب ليس ملاكًا، لكنه أيضًا ليس شيطانًا مطلقًا. الغرب بالنسبة لتركيا يشبه المرآة القاسية: يذكّرها بمشاكل الديمقراطية، القضاء، الحريات، الاقتصاد، حقوق الإنسان، واستقلال المؤسسات. لذلك يغضب الخطاب التركي من الغرب ليس فقط لأنه يتآمر، بل لأنه يكشف نقاط الضعف التي لا تريد أنقرة الاعتراف بها.

إسرائيل: خصم استراتيجي أم فزاعة سياسية؟

العلاقة بين تركيا وإسرائيل أصبحت أكثر توترًا بعد حرب غزة. تركيا أوقفت التجارة مع إسرائيل في 2024 حتى وقف دائم لإطلاق النار وتدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، وكانت التجارة بين البلدين تُقدّر بمليارات الدولارات قبل ذلك.

اليوم، التوتر ليس كلاميًا فقط. هناك تنافس حقيقي في سوريا وشرق المتوسط والنفوذ الإقليمي. بعض التحليلات الحديثة ترى أن تركيا وإسرائيل تتجهان إلى تنافس أعمق، خصوصًا بعد تغير موازين القوة في الشرق الأوسط وتراجع بعض القوى التقليدية.

لكن هل إسرائيل هي العدو الحقيقي لتركيا؟
إسرائيل خصم، نعم. منافس، نعم. مصدر تهديد في ملفات معينة، نعم. لكنها ليست السبب في انهيار الليرة، ولا في التضخم، ولا في تراجع استقلال القضاء، ولا في هجرة العقول، ولا في خوف المستثمرين، ولا في استقطاب المجتمع التركي.

إسرائيل قد تضر مصالح تركيا في سوريا أو شرق المتوسط، لكنها لا تستطيع وحدها أن تهزم تركيا من الداخل. الدولة الكبيرة لا تسقط لأنها تملك خصمًا خارجيًا؛ تسقط عندما يتحول الخصم الخارجي إلى عذر دائم لفشلها الداخلي.

العرب: خصوم تركيا أم ضحايا خطابها المتعالي؟

أما العرب، فهم أكثر من تعرّضوا للتقلب في الخطاب التركي. في لحظة، تُقدّم تركيا نفسها كقائدة للعالم الإسلامي وحامية للمظلومين. وفي لحظة أخرى، يظهر في الشارع التركي خطاب يحتقر العرب والسوريين واللاجئين، ويتعامل معهم كعبء أو تهديد أو سبب للأزمة الاقتصادية.

العلاقة التركية العربية ليست علاقة عداوة ثابتة. هي علاقة مصالح متغيرة. تركيا تصالحت مع الخليج بعد سنوات من التوتر، وحاولت تحسين علاقاتها مع مصر والإمارات والسعودية، لأن الاقتصاد والمصالح فرضت الواقعية على الأيديولوجيا. تحليلات حديثة عن علاقة تركيا بمصر والخليج تصف التحول بأنه انتقال من الصدام إلى البراغماتية والتعاون في ملفات التجارة والاستقرار والاستثمار.

إذن العرب ليسوا عدو تركيا الحقيقي. المشكلة أن تركيا أحيانًا تريد من العرب أن يكونوا سوقًا لبضائعها، وساحة لنفوذها، وجمهورًا لخطابها الإسلامي، لكنها لا تقبلهم دائمًا كشركاء متساوين. وهذا تناقض قاتل: لا يمكنك أن تطلب قيادة المنطقة وأنت تحتقر شعوبها أو تتعامل معها كأدوات.

العدو الحقيقي: القومية الجريحة والإسلام السياسي المتناقض

العدو الأخطر لتركيا ليس الغرب ولا إسرائيل ولا العرب، بل العقل السياسي الذي يريد الجمع بين كل المتناقضات.

يريد أن يكون غربيًا عندما يحتاج التكنولوجيا والاستثمار والناتو.
ويريد أن يكون إسلاميًا عندما يخاطب الجماهير.
ويريد أن يكون عثمانيًا عندما يتدخل في المنطقة.
ويريد أن يكون قوميًا متشددًا عندما يتعامل مع العرب والسوريين والأكراد.
ويريد أن يكون ديمقراطيًا في الانتخابات، وسلطويًا في إدارة القضاء والإعلام والمعارضة.

هذه الخلطة لا تصنع دولة عظمى، بل تصنع دولة متوترة مع الجميع: مع الغرب لأنها لا تحترم معاييره، مع إسرائيل لأنها تنافسها، مع العرب لأنها تتعالى عليهم، ومع نفسها لأنها لا تعرف أي مشروع تريد بالضبط.

تركيا دولة كبيرة فعلًا، وليست دولة هامشية. لديها صناعة دفاعية صاعدة، وقد أصبحت الطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية التركية عنصرًا مهمًا في نفوذها الدولي، حتى إن تقارير حديثة تتحدث عن توسع كبير في صادرات الدفاع التركية وفرصها في أوروبا وآسيا وأفريقيا.

لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي. الدولة العظيمة لا تُبنى بالمسيرات فقط، بل بالقضاء المستقل، والتعليم الجيد، العملة المستقرة، حرية الصحافة، احترام المستثمر، وحماية كرامة المواطن واللاجئ والمعارض. من دون هذه الأسس، تصبح القوة الخارجية مجرد قشرة صلبة فوق جسد داخلي مرهق.

الغرب يريد تركيا ضعيفة؟ أحيانًا نعم… لكن تركيا تساعده

من السهل أن تقول: الغرب يريد تركيا ضعيفة. لكن السؤال: من الذي يضعف تركيا أكثر؟
هل هو الغرب، أم السياسات التي تجعل المستثمر يخاف؟
هل هي إسرائيل، أم التضخم وسوء الإدارة؟
هل هم العرب، أم خطاب الكراهية الذي يطرد اللاجئ والعامل والمستهلك والسائح؟
هل هو الناتو، أم سياسة خارجية تريد أن تربح من كل الأطراف وتغضب كل الأطراف في الوقت نفسه؟

الغرب قد يستغل ضعف تركيا، لكنه لا يصنعه وحده. إسرائيل قد تستفيد من ارتباك تركيا، لكنها لا تخلقه وحدها. العرب قد لا يثقون بتركيا، لكن انعدام الثقة لم يأتِ من فراغ. تركيا نفسها صنعت كثيرًا من أزماتها حين ظنت أن الخطاب يكفي بدل المؤسسات، وأن الزعيم يكفي بدل القانون، وأن العاطفة تكفي بدل التخطيط.

العدو الحقيقي هو الكذب على الذات

كل أمة تحتاج إلى خصوم كي تفهم موقعها، لكنها تنهار عندما تحوّل كل خصومها إلى شماعة. المشكلة ليست أن تركيا لديها أعداء؛ كل دولة كبيرة لديها خصوم. المشكلة أن تركيا أحيانًا تستخدم فكرة العدو كي تهرب من السؤال الأصعب:

لماذا لا تستطيع دولة بهذا الحجم، بهذا الموقع، بهذا الشعب، بهذا التاريخ، أن تعطي مواطنها استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا يليق بها؟

الجواب ليس في تل أبيب وحدها، ولا في بروكسل وحدها، ولا في القاهرة والرياض ودمشق وحدها. الجواب في أنقرة قبل كل شيء.

الخلاصة

الغرب ليس صديقًا بريئًا لتركيا، لكنه ليس عدوها المطلق. إسرائيل خصم استراتيجي خطير، لكنها ليست سبب كل أمراض تركيا. العرب ليسوا عدوًا لتركيا، بل فضاء طبيعي للتعاون لو تخلّت أنقرة عن التعالي والأحلام الإمبراطورية.

عدو تركيا الحقيقي هو مشروع سياسي لا يعرف هل يريد أن يكون دولة قانون أوروبية، أم زعيمة إسلامية، أم وريثة عثمانية، أم قومية تركية مغلقة. هذا التردد هو العدو. هذه الازدواجية هي العدو. وهذا الهروب من النقد الداخلي إلى صناعة عدو خارجي هو العدو الأكبر.

فالدول لا تُهزم غالبًا لأن أعداءها أقوياء، بل لأنها تكذب على نفسها طويلًا حتى تفقد القدرة على رؤية الحقيقة. تركيا لا تحتاج أن تختار عدوًا جديدًا كل عام؛ تحتاج أن تختار دولة حقيقية: دولة قانون، لا دولة خطب. دولة مؤسسات، لا دولة زعيم. دولة مصالح واقعية، لا دولة أوهام تاريخية.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقد الإسلام: هل هو محاولة للتشكيك به أم لتصحيح أخطاء مفسّريه ...
- هل تجرؤ إسرائيل على مهاجمة تركيا؟ ومن المستفيد من هذه الحرب؟
- هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟
- لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المس ...
- تركيا: الجار الذي لا يريده أحد
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...


المزيد.....




- غارات إسرائيلية على جنوب لبنان والاحتلال يدعو سكان الشمال لل ...
- لماذا أساء رؤساء الولايات المتحدة تقدير بوتين؟
- إيران تعلن إطلاق -طلقات تحذيرية- قرب مضيق هرمز.. والجيش الأم ...
- الجيش الأميركي يعلن إسقاط 4 مسيرات وقصف رادارات إيرانية
- لهذا تراجعت إدارة ترمب فجأة عن سياسة البطاقة الخضراء الجديدة ...
- ترمب: الاتفاق مع إيران يحتاج وقتا وطهران لا تملك خيارا
- ترامب: لم يتبق لإيران سوى خُمس صواريخها
- تصعيد جديد في هرمز.. واشنطن تسقط مسيّرات إيرانية
- ترامب لإيران: لا خيار أمامكم سوى الاتفاق
- مصدر لـCNN: الجيش الأمريكي دمر مسيرات أطلقتها إيران باتجاه م ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - من عدو تركيا الحقيقي: الغرب أم إسرائيل أم العرب؟