أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المسلمون؟















المزيد.....

لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المسلمون؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 02:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قد يبدو السؤال صادمًا للوهلة الأولى: لماذا نجد دولًا أوروبية ذات خلفية مسيحية، علمانية في قوانينها، تفتح أبوابها للاجئين وتمنحهم حق اللجوء والسكن والمساعدة، بينما نجد في تركيا، ذات الأغلبية المسلمة والقريبة ثقافيًا ودينيًا من كثير من اللاجئين، موجات واسعة من الرفض والغضب والتحريض ضدهم؟

الإجابة ليست بسيطة، ولا يجوز اختصارها بأن “المسيحيين أرحم” أو “المسلمين أقسى”، فهذه تعميمات ظالمة. لكن المفارقة حقيقية وتستحق التأمل: المجتمعات التي يظن البعض أنها بعيدة دينيًا عن اللاجئ قد تمنحه حماية قانونية، بينما مجتمعات تشاركه الدين أو الجغرافيا قد تراه عبئًا وتهديدًا.

الغرب لا يرحب فقط بدافع الدين

عندما تستقبل هولندا أو ألمانيا أو السويد لاجئًا سوريًا أو عراقيًا أو أفغانيًا، فهي لا تفعل ذلك لأنها “مسيحية” فقط. في الحقيقة، معظم هذه الدول علمانية، وقوانينها لا تُبنى مباشرة على الكنيسة. لكنها ورثت من المسيحية ومن عصر التنوير ومن تجارب الحروب الأوروبية فكرة مهمة: الإنسان له كرامة، والضعيف يجب أن يُحمى، والمضطهد لا يجوز إرجاعه إلى الموت.

بعد الحرب العالمية الثانية، فهمت أوروبا معنى النزوح والدمار والاضطهاد. ملايين الأوروبيين أنفسهم كانوا لاجئين أو مشرّدين. لذلك نشأت اتفاقيات دولية لحماية اللاجئين، وأصبح اللجوء حقًا قانونيًا وليس مجرد صدقة عاطفية. الغرب الحديث لا يستقبل اللاجئ لأنه يحبه دائمًا، بل لأنه بنى مؤسسات تُجبر الدولة على احترام حقوقه حتى عندما لا يحبه الشارع.

وهنا الفرق الكبير: في أوروبا، قد يكره بعض الناس اللاجئين، وقد تصعد أحزاب يمينية ضدهم، لكن القانون يبقى غالبًا أقوى من الغضب الشعبي. أما في دول كثيرة في الشرق، فالقانون أضعف، والمزاج الشعبي أسرع في التحول إلى ضغط سياسي وإعلامي.

تركيا استقبلت كثيرًا… ثم بدأت المشكلة

من الإنصاف القول إن تركيا استقبلت ملايين السوريين خلال سنوات الحرب، وهذا لا يمكن إنكاره. فتحت الحدود، وقدمت خدمات، واحتضنت عددًا ضخمًا من اللاجئين مقارنة بكثير من الدول. لذلك لا يصح تصوير الأتراك جميعًا وكأنهم رفضوا اللاجئين منذ البداية.

لكن المشكلة ظهرت لاحقًا عندما تحوّل اللجوء من حالة طارئة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد. السوري الذي قيل له “ستعود بعد أشهر” بقي سنوات طويلة. والشارع التركي الذي قيل له “هؤلاء ضيوف مؤقتون” اكتشف أن المسألة صارت جزءًا دائمًا من الحياة اليومية: مدارس، عمل، إيجارات، منافسة اقتصادية، أحياء كاملة تغيّرت لغويًا وثقافيًا.

عندها بدأ الغضب. ليس فقط لأن اللاجئ أجنبي، بل لأن الدولة لم تصارح المجتمع منذ البداية بخطة واضحة: هل هؤلاء ضيوف؟ هل سيعودون؟ هل سيتم دمجهم؟ هل سيحصلون على الجنسية؟ من يدفع التكلفة؟ من ينظم سوق العمل؟ من يشرح للمواطن التركي ما يحدث؟

حين تفشل الدولة في إدارة الملف، يتحول اللاجئ إلى كبش فداء.

لماذا يرفض بعض الأتراك اللاجئين رغم الرابط الديني؟

الدين وحده لا يكفي لصناعة التضامن. قد يشترك شخصان في الدين، لكنهما يختلفان في اللغة والقومية والطبقة والمصلحة والخوف. في تركيا، الهوية القومية قوية جدًا. كثير من الأتراك يرون تركيا دولة قومية تركية قبل أن تكون فضاءً إسلاميًا واسعًا. لذلك، عندما يأتي ملايين العرب، لا ينظر إليهم الجميع كـ“إخوة في الدين”، بل يراهم بعضهم كغرباء يغيرون شكل المدن ويضغطون على الاقتصاد.

وهنا تظهر مفارقة الإسلام السياسي أيضًا. الخطاب الرسمي أو الديني قد يقول: “المهاجرون والأنصار”، “الأخوة الإسلامية”، “نحن أمة واحدة”. لكن عندما يدخل الموضوع في سوق العمل والإيجار والانتخابات والهوية القومية، تتراجع الشعارات سريعًا. المواطن العادي لا يعيش في خطبة جمعة، بل يعيش في حيّ مزدحم، ويدفع إيجارًا مرتفعًا، ويبحث عن عمل، ويخاف على مستقبل أولاده.

لذلك، فشل الخطاب الديني في حماية اللاجئين من الكراهية، لأنه لم يكن مدعومًا بسياسات عادلة وشفافة. الأخلاق الجميلة لا تكفي عندما لا توجد إدارة جيدة.

الغرب أكثر مؤسساتية… والشرق أكثر عاطفية

الفرق بين الغرب وتركيا ليس أن الغرب بلا عنصرية. بالعكس، في أوروبا توجد عنصرية، وأحزاب تكره الهجرة، وإعلام يحمّل اللاجئين مسؤولية الجريمة والبطالة. لكن قوة الغرب تكمن في المؤسسات: محاكم، قوانين لجوء، منظمات حقوقية، صحافة، رقابة، ومجتمع مدني.

أما في تركيا، فالموضوع كثيرًا ما يتحول إلى عاطفة جماعية: في البداية تعاطف ديني وإنساني كبير، ثم مع الزمن غضب قومي واقتصادي كبير. كلاهما عاطفي. الاستقبال كان عاطفيًا، والرفض صار عاطفيًا. بينما الملف يحتاج إلى دولة باردة الأعصاب، لا إلى شعارات.

الغرب قد لا يحب اللاجئ دائمًا، لكنه يعرف كيف يحوّل حمايته إلى نظام. أما تركيا فقد أحبته يومًا كشقيق، ثم كرهته لاحقًا كمنافس. وفي الحالتين، بقي اللاجئ تحت رحمة المزاج السياسي.

اللاجئ بين المسيحية القانونية والإسلام الخطابي

من المؤلم أن نلاحظ أن بعض الدول ذات الخلفية المسيحية طبّقت عمليًا معنى حماية الغريب أكثر مما طبّقته دول ترفع خطاب الأخوة الإسلامية. في أوروبا، قد لا يسألك الموظف عن دينك، لكنه يمنحك حق تقديم طلب اللجوء. قد لا يحبك الجار، لكن ابنك يدخل المدرسة. قد تنتقدك الأحزاب، لكن لديك محامٍ ومحكمة واستئناف.

أما في مجتمعات أخرى، قد تسمع ألف مرة أنك “أخ مسلم”، لكنك في الواقع قد تُهان في الشارع، وتُستغل في العمل، وتُستخدم في الانتخابات، ويُقال لك في النهاية: “ارجع إلى بلدك”.

هذه ليست مشكلة في الإسلام كدين، بل في المجتمعات والأنظمة التي تستخدم الدين كشعار ولا تحوله إلى عدالة. فالقيم لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نفعله عندما يأتي الضعيف إلى بابنا.

السياسة صنعت الكراهية

لا يمكن فهم رفض اللاجئين في تركيا بعيدًا عن السياسة. المعارضة استخدمت ملف السوريين لمهاجمة الحكومة. والحكومة استخدمت اللاجئين أحيانًا كورقة تفاوض مع أوروبا، أو كورقة داخلية لإظهار دورها الإنساني. وبين الطرفين ضاع اللاجئ.

حين تتدهور العملة التركية، يُلام السوري. حين ترتفع الإيجارات، يُلام السوري. حين تنتشر البطالة، يُلام السوري. مع أن الأسباب أعمق بكثير: اقتصاد، فساد، تضخم، سوء تخطيط، سياسات حكومية، ومشاكل عالمية. لكن اللاجئ هو الحلقة الأضعف؛ لا يملك حزبًا يدافع عنه، ولا إعلامًا قويًا، ولا حقًا كاملًا في الرد.

إنه الهدف الأسهل.

هل الغرب بريء تمامًا؟

بالطبع لا. الغرب أيضًا له نفاقه. بعض الدول الأوروبية ترحب باللاجئ عندما تحتاج إلى عمالة شابة، وتغلق الأبواب عندما تشعر بالخطر السياسي. وبعض الحكومات تتحدث عن حقوق الإنسان، ثم تدعم أنظمة تساهم في صناعة اللاجئين أصلًا. وهناك تمييز واضح أحيانًا بين لاجئ أوروبي ولاجئ شرق أوسطي أو أفريقي.

لكن رغم كل هذا، يبقى هناك فارق مهم: في الغرب توجد منظومة قانونية يمكن للاجئ أن يتمسك بها. أما في تركيا، فكثير من اللاجئين يعيشون في منطقة رمادية: ليسوا مواطنين كاملين، ولا ضيوفًا مؤقتين فعلًا، ولا مهاجرين مندمجين بوضوح. هذه الرمادية تخلق الخوف عند اللاجئ والغضب عند المواطن.

الخلاصة

الغرب المسيحي لا يرحب باللاجئين لأنه ملائكي، ولا الأتراك المسلمون يرفضونهم لأنهم أشرار. المسألة أعمق من الدين. الغرب بنى مؤسسات وقوانين تجعل حماية اللاجئ جزءًا من النظام، حتى مع وجود الكراهية. أما تركيا فاستقبلت اللاجئين بعاطفة كبيرة، لكنها لم تبنِ سياسة واضحة ومستقرة لإدارة وجودهم، فكانت النتيجة أن تحولت الأخوة إلى توتر، والضيافة إلى اتهام، واللاجئ إلى شماعة لكل أزمة.

المشكلة ليست في التركي كإنسان، ولا في المسلم كدين، بل في فشل السياسة حين تستخدم الأخلاق كشعار ولا تحولها إلى نظام عادل.

فالامتحان الحقيقي للأمم ليس في أناشيدها عن الرحمة، بل في طريقة تعاملها مع الغريب حين يصبح وجوده طويلًا، مكلفًا، ومزعجًا. هناك فقط يظهر الفرق بين من يملك مؤسسات تحمي الإنسان، ومن يملك خطبًا جميلة تترك الإنسان وحيدًا أمام غضب الشارع.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تركيا: الجار الذي لا يريده أحد
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...


المزيد.....




- -ترمب يُلقي بنا تحت الحافلة-.. تحذيرات إسرائيلية من اتفاق سي ...
- لماذا تفوق خالد بن الوليد على صلاح الدين؟
- نيويورك تايمز: هذه الوصفة هزمت أوربان وهي كفيلة بهزيمة ترمب ...
- قاضٍ أميركي يأمر بإزالة اسم ترامب من مركز للفنون.. ما القصة؟ ...
- سوريا.. أحمد الشرع يعلن حالة الطوارئ في دير الزور مع اتساع ف ...
- أوكرانيا تحذر من هجوم روسي واسع
- قصة بر تهز المشاعر.. سودانية سبعينية ترافق والدتها التسعينية ...
- إيران.. -هيئة إدارة مضيق هرمز- تعلق على العقوبات الأمريكية ض ...
- مقتل ناشطَين كرديَّين برصاص الحرس الثوري غرب إيران.. وروايتا ...
- ترامب يكشف تفاصيل -التفاهم- مع طهران.. وإيران: لم نتوصل إلى ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المسلمون؟