أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - كيف انتصر أردوغان على الجيش العلماني التركي؟















المزيد.....

كيف انتصر أردوغان على الجيش العلماني التركي؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 06:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن صعود رجب طيب أردوغان في تركيا مجرد صعود سياسي لحزب محافظ وصل إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، بل كان أيضاً صراعاً طويلاً مع بنية عميقة ظلّت لعقود ترى نفسها الحارس الحقيقي للجمهورية الكمالية. كان الجيش التركي، منذ تأسيس الجمهورية، أكثر من مؤسسة عسكرية؛ كان سلطة فوق السياسة، يتدخل حين يرى أن هوية الدولة العلمانية مهددة، ويعيد ضبط المشهد كلما خرجت الحياة السياسية عن الحدود التي رسمها لنفسه.

لذلك فإن السؤال عن كيفية انتصار أردوغان على الجيش العلماني ليس سؤالاً عن معركة واحدة، بل عن سلسلة طويلة من المواجهات السياسية والقانونية والاجتماعية والنفسية التي انتهت بنقل مركز القوة من الثكنة العسكرية إلى القصر الرئاسي.

في البداية، لم يواجه أردوغان الجيش مباشرة. كان أذكى من أن يدخل معركة مفتوحة مع مؤسسة أطاحت بحكومات قبلَه، وامتلكت نفوذاً عميقاً في القضاء والإعلام والجامعات والبيروقراطية. لذلك بدأ من بوابة تبدو ديمقراطية تماماً: الإصلاحات الأوروبية. في السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية، استخدمت الحكومة مشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لتقليص دور الجيش في السياسة. لم يكن من السهل على الجنرالات أن يعارضوا إصلاحات تُقدَّم باسم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمعايير الأوروبية.

هنا كانت ضربة أردوغان الأولى: لم يقل إنه يريد إضعاف الجيش لأنه جيش علماني، بل قال إنه يريد دولة مدنية مثل دول أوروبا. وبهذا الخطاب، حصل على دعم جزء من الليبراليين والعلمانيين المعتدلين، كما حصل على قبول خارجي، وخصوصاً من أوروبا، التي كانت ترى في تقليص نفوذ العسكر خطوة ضرورية لتحديث تركيا.

لكن الإصلاحات وحدها لم تكن كافية. القوة الثانية التي اعتمد عليها أردوغان كانت الشرعية الشعبية. فحزب العدالة والتنمية لم يأتِ بانقلاب مضاد، بل جاء عبر الانتخابات. وكلما حاولت المؤسسة العلمانية القديمة محاصرته، كان يذهب إلى الشارع وصناديق الاقتراع. الاقتصاد في سنواته الأولى ساعده كثيراً؛ فقد شعر جزء كبير من الأتراك، خصوصاً في الأناضول والطبقات المحافظة، أن الحزب الجديد لا يمثل فقط خطاباً دينياً أو هوياتياً، بل يمثل أيضاً صعوداً اجتماعياً واقتصادياً لفئات كانت مهمشة من نخبة إسطنبول وأنقرة العلمانية.

كانت المواجهة الكبرى الأولى في أزمة الرئاسة عام 2007، عندما رفضت المؤسسة العسكرية ضمنياً وصول عبد الله غُل إلى رئاسة الجمهورية، لأن خلفيته الإسلامية وزوجته المحجبة كانتا تمثلان، في نظر العسكر، اختراقاً رمزياً لأهم موقع في النظام الكمالي. نشر الجيش ما عُرف لاحقاً بالمذكرة الإلكترونية، في محاولة لإرسال رسالة تهديد سياسية. لكن أردوغان لم يتراجع. ذهب إلى انتخابات مبكرة، وفاز بقوة أكبر، ثم وصل غُل إلى الرئاسة. في تلك اللحظة حدث تحول نفسي كبير: للمرة الأولى يلوّح الجيش، ولا يتراجع السياسي المدني.

بعد ذلك جاءت مرحلة الضربات القضائية. قضايا مثل أرغنكون والمطرقة استُخدمت لكسر هيبة كبار الضباط واتهامهم بالتخطيط لانقلابات أو بالانتماء إلى شبكات دولة عميقة. صحيح أن هذه القضايا أصبحت لاحقاً محل جدل كبير، واتُّهمت بأنها تضمنت تلاعباً وتصفية سياسية، لكن أثرها كان واضحاً: صورة الجنرال الذي لا يُمسّ تحطمت. أصبح الضابط الكبير يُستدعى إلى المحكمة، ويُحاكم، ويُسجن، ويتحول من رمز فوق الدولة إلى متهم داخل الدولة.

في هذه المرحلة لعب تحالف أردوغان مع جماعة فتح الله غولن دوراً مهماً. فقد امتلكت الجماعة نفوذاً داخل القضاء والشرطة والإعلام والتعليم، وساعدت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تفكيك نفوذ العسكر داخل الدولة. كان الطرفان يلتقيان على هدف واحد: إنهاء وصاية الجيش والعلمانيين المتشددين. لكن هذا التحالف لم يكن تحالفاً أبدياً؛ كان زواج مصلحة انتهى لاحقاً بصراع دموي على الدولة نفسها.

العامل الثالث في انتصار أردوغان كان تغيّر المجتمع التركي. تركيا التي عرفها الجيش في الستينيات والثمانينيات لم تعد هي نفسها تركيا في الألفية الجديدة. الأناضول المحافظ أصبح أكثر ثراءً وثقة بنفسه. رجال الأعمال المحافظون أصبحوا قوة اقتصادية. الإعلام لم يعد كله في يد النخب القديمة. والناس الذين كانوا يخافون من الجيش بدأوا يشعرون أن صناديق الاقتراع تمنحهم صوتاً أقوى من صوت الجنرالات. أردوغان فهم هذا التحول، وقدم نفسه بوصفه ممثل “الشعب الحقيقي” في مواجهة نخبة عسكرية وقضائية وإعلامية متعالية.

ثم جاءت محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، وكانت اللحظة الحاسمة التي أنهت ما تبقى من قدرة الجيش على لعب دور الوصي. فشل الانقلاب منح أردوغان فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية من الداخل. جرى تطهير واسع داخل الجيش، وأُعيد ترتيب العلاقة بين القوات المسلحة والحكومة، وتغيرت مواقع السلطة داخل المؤسسة الأمنية. بعد ذلك لم يعد الجيش التركي قادراً على أن يكون لاعباً مستقلاً فوق السياسة كما كان في الماضي.

لكن المفارقة أن انتصار أردوغان على الجيش العلماني لم يؤدِّ بالضرورة إلى ترسيخ ديمقراطية ليبرالية مستقرة. فالصراع الذي بدأ باسم إنهاء الوصاية العسكرية انتهى، في نظر كثيرين، إلى وصاية سياسية جديدة. بمعنى آخر، المشكلة لم تكن فقط أن الجيش كان يتدخل في السياسة، بل أن الدولة التركية نفسها كانت معتادة على فكرة السلطة المركزية القوية التي تسيطر على كل شيء. أردوغان لم يهدم هذه الثقافة بالكامل، بل ورثها ثم أعاد تشكيلها لصالحه.

لذلك يمكن القول إن أردوغان انتصر على الجيش العلماني بخمس أدوات رئيسية: الشرعية الانتخابية، الإصلاحات الأوروبية، التحالفات داخل الدولة، استخدام القضاء ضد شبكات العسكر، ثم استثمار فشل انقلاب 2016 لإعادة بناء الجيش تحت سلطة الحكم المدني والرئاسي. لكنه لم ينتصر فقط لأنه كان أقوى من الجيش، بل لأن الجيش كان قد فقد تدريجياً قدرته على تمثيل تركيا الجديدة.

لقد خسر الجيش معركته لأنه ظل يتصرف كحارس لجمهورية قديمة، بينما كان المجتمع التركي يتحول بسرعة. وخسر لأنه اعتقد أن الخوف القديم من الدبابة سيبقى حياً إلى الأبد، بينما كان أردوغان يبني شرعيته على صناديق الاقتراع، والاقتصاد، والهوية المحافظة، وشبكة واسعة من الحلفاء داخل الدولة والمجتمع.

وفي النهاية، لم يكن انتصار أردوغان على الجيش العلماني مجرد انتصار رجل على مؤسسة، بل كان انتقالاً تاريخياً في تركيا من وصاية الجنرالات إلى هيمنة السياسي القوي. والسؤال الذي بقي بعد هذا الانتصار ليس: هل انتهى حكم العسكر؟ بل: هل وُلدت ديمقراطية حقيقية، أم أن الوصاية غيّرت لباسها فقط؟



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل ستدفع سوريا الثمن في حال حصل تقارب تركي إسرائيلي؟
- النفوذ التركي في سوريا: أين ذهبت الاستثمارات التركية؟
- كأس العالم: البطولة التي توحد العالم
- من عدو تركيا الحقيقي: الغرب أم إسرائيل أم العرب؟
- نقد الإسلام: هل هو محاولة للتشكيك به أم لتصحيح أخطاء مفسّريه ...
- هل تجرؤ إسرائيل على مهاجمة تركيا؟ ومن المستفيد من هذه الحرب؟
- هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟
- لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المس ...
- تركيا: الجار الذي لا يريده أحد
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - كيف انتصر أردوغان على الجيش العلماني التركي؟