أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - منصور رفاعي اوغلو - حماس: حركة تحرر وطني أم مرتزقة لإيران؟














المزيد.....

حماس: حركة تحرر وطني أم مرتزقة لإيران؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 03:12
المحور: القضية الفلسطينية
    


السؤال عن حماس ليس سؤالًا بسيطًا، لأنه لا يتعلق بتنظيم سياسي عابر، بل بقضية فلسطينية طويلة، وباحتلال، وبحصار، وبدماء مدنيين، وبمحاور إقليمية تتلاعب بالمآسي. لذلك فإن الجواب السهل: “حماس مقاومة فقط” أو “حماس مرتزقة فقط” هو جواب ناقص. الحقيقة أكثر تعقيدًا: حماس نشأت من رحم المجتمع الفلسطيني، لكنها مع الزمن تورطت في تحالفات جعلت قرارها الوطني أقل استقلالًا وأكثر ارتباطًا بحسابات إيران ومحور الممانعة.

من حيث الأصل، لا يمكن إنكار أن حماس حركة فلسطينية النشأة والبيئة والقاعدة الاجتماعية. لم تأتِ إلى غزة على ظهر دبابة إيرانية، ولم يصنعها الحرس الثوري من العدم. هي خرجت من بيئة فلسطينية غاضبة، من شعب يعيش تحت الاحتلال، ومن شعور عميق بفشل المسارات السياسية التقليدية في انتزاع الحقوق. لهذا فإن وصفها منذ البداية بأنها “مرتزقة” فيه تبسيط شديد وظلم للواقع الاجتماعي الذي أنجبها. فالمرتزق يقاتل بلا قضية، أما حماس فقد بنت خطابها على قضية حقيقية هي قضية فلسطين.

لكن وجود قضية عادلة لا يعني أن كل من يرفع شعارها يصبح عادلًا في أفعاله أو حكيمًا في خياراته. هنا تبدأ المشكلة. فحماس لم تكتفِ بأن تكون حركة مقاومة وطنية، بل تحولت تدريجيًا إلى سلطة، وتنظيم عسكري، وجهاز أمني، وحزب عقائدي، وورقة إقليمية في يد قوى أكبر منها. وحين تتحول حركة التحرر إلى سلطة مغلقة، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتربط مصير الناس بخيارات لا يملكون التصويت عليها، فإنها تبتعد عن مفهوم التحرر الوطني وتدخل في منطقة خطيرة: منطقة استخدام الشعب كوقود للسياسة والسلاح.

العلاقة مع إيران هي جوهر هذا الجدل. لا شك أن إيران دعمت حماس ماليًا وعسكريًا وسياسيًا، ولا شك أن حماس استفادت من هذا الدعم. لكن السؤال: هل الدعم الخارجي يجعل الحركة مرتزقة تلقائيًا؟ الجواب: ليس دائمًا. معظم حركات التحرر في التاريخ تلقت دعمًا خارجيًا. المشكلة ليست في تلقي الدعم بحد ذاته، بل في الثمن السياسي لهذا الدعم. إذا بقي قرار الحركة وطنيًا مستقلًا، وكان الدعم وسيلة لخدمة مشروع الشعب، فقد يُفهم الأمر ضمن منطق الصراع. أما إذا أصبح السلاح والمال سببًا في جرّ الشعب إلى معارك تخدم توقيت طهران ومصالحها أكثر مما تخدم الفلسطينيين، فهنا لا نعود أمام تحالف، بل أمام ارتهان.

حماس ليست نسخة فلسطينية من حزب الله، لكنها اقتربت كثيرًا من هذا النموذج في بعض المراحل. حزب الله تنظيم لبناني، لكنه في القرار الاستراتيجي جزء واضح من المشروع الإيراني. أما حماس فبقي لديها عمق فلسطيني وسني واجتماعي مختلف، وبقيت علاقتها بإيران أكثر اضطرابًا من علاقة حزب الله بها. فقد اختلفت معها أحيانًا، خصوصًا في الملف السوري، ومالت أحيانًا إلى قطر وتركيا. هذا يعني أنها ليست مجرد فرع إيراني كامل. لكنها في الوقت نفسه ليست حركة وطنية مستقلة بالكامل. هي تقف في منتصف الطريق: فلسطينية الجذور، لكنها إيرانية السلاح إلى حد بعيد، ومحكومة أحيانًا بحسابات المحور أكثر من حسابات الناس في غزة.

الأخطر أن حماس قدّمت نفسها بوصفها البديل النقي عن فساد السلطة الفلسطينية، لكنها وقعت في أمراض السلطة ذاتها وربما أكثر: احتكار القرار، تضييق المجال السياسي، عسكرة المجتمع، وتقديم خطاب ديني يجعل الاختلاف معها يبدو كأنه خيانة أو ضعف إيمان. حركة التحرر الحقيقي لا تخاف من شعبها، ولا تصادر صوته، ولا تجعل البندقية بديلًا دائمًا عن السياسة. المقاومة إن لم تكن خاضعة لمحاسبة الشعب، يمكن أن تتحول من أداة تحرير إلى سلطة فوق الشعب.

كما أن معيار الأخلاق لا يمكن تجاوزه. استهداف المدنيين، خطفهم، أو استخدامهم كورقة سياسية، لا يصبح مشروعًا لأن القضية عادلة. وكذلك قتل المدنيين الفلسطينيين وتجويعهم وتدمير بيوتهم لا يصبح مشروعًا لأن إسرائيل تقول إنها تحارب حماس. المبدأ واحد: المدني ليس مادة في معادلة عسكرية. ومن هنا فإن حماس أخطأت حين قبلت بمنطق الحرب المفتوحة دون أن تملك القدرة على حماية شعبها من نتائجها. الحركة التي تقول إنها تقاوم باسم الناس يجب أن تسأل نفسها أولًا: هل الناس قادرون على دفع ثمن القرار؟ وهل سُئلوا أصلًا؟

هناك من يرى أن حماس رفعت مكانة القضية الفلسطينية عالميًا بعد أن كانت تُدفن في ملفات التطبيع والتسويات. هذا صحيح جزئيًا. فقد أعادت غزة القضية إلى الواجهة، وفضحت وحشية الاحتلال أمام العالم. لكن السؤال ليس فقط: هل عادت القضية إلى الواجهة؟ بل: بأي ثمن؟ وهل تحولت العودة الإعلامية إلى مكسب سياسي حقيقي للفلسطينيين، أم إلى خراب جديد فوق خرابهم؟ السياسة لا تقاس بالصوت العالي فقط، بل بالنتيجة. والنتيجة حتى الآن كارثية على المدنيين.

لذلك يمكن القول إن حماس بدأت كحركة تحرر وطني ذات مرجعية إسلامية، لكنها لم تبقَ كذلك بشكل نقي. صارت خليطًا من حركة مقاومة، وسلطة محلية، وتنظيم عقائدي، وذراع عسكرية، وورقة ضمن صراع إقليمي. ليست مرتزقة بالمعنى الرخيص للكلمة، لأن لها جذورًا شعبية وقضية حقيقية. لكنها أيضًا ليست حركة تحرر وطني مستقلة كما تحب أن تقدم نفسها، لأنها قبلت بدرجة عالية من الارتهان لمحور خارجي، وسمحت لهذا الارتهان بأن يؤثر في قرار الفلسطينيين ومصيرهم.

الموقف العادل إذن ليس تمجيد حماس ولا شيطنتها بالكامل. الموقف العادل هو الدفاع عن حق الفلسطينيين في الحرية، مع رفض تحويل هذا الحق إلى غطاء لسلطة مسلحة لا تُحاسَب. وهو إدانة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، مع عدم تبرئة حماس من أخطائها الكبرى. فلسطين أكبر من حماس، كما أنها أكبر من فتح، وأكبر من إيران، وأكبر من كل المحاور.

الخلاصة أن حماس ليست مجرد “مرتزقة لإيران”، لكنها سمحت لإيران أن تصبح أكثر من حليف. وليست مجرد “حركة تحرر وطني”، لأنها فقدت كثيرًا من شروط التحرر عندما غلّبت منطق التنظيم والسلاح والمحور على منطق الشعب والدولة والمصلحة الوطنية. القضية الفلسطينية عادلة، لكن عدالة القضية لا تمنح أحدًا شيكًا مفتوحًا باسمها.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من ثورة الكرامة إلى ثورة الخبز: الاختبار الأخطر أمام أحمد ال ...
- كيف انتصر أردوغان على الجيش العلماني التركي؟
- هل ستدفع سوريا الثمن في حال حصل تقارب تركي إسرائيلي؟
- النفوذ التركي في سوريا: أين ذهبت الاستثمارات التركية؟
- كأس العالم: البطولة التي توحد العالم
- من عدو تركيا الحقيقي: الغرب أم إسرائيل أم العرب؟
- نقد الإسلام: هل هو محاولة للتشكيك به أم لتصحيح أخطاء مفسّريه ...
- هل تجرؤ إسرائيل على مهاجمة تركيا؟ ومن المستفيد من هذه الحرب؟
- هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟
- لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المس ...
- تركيا: الجار الذي لا يريده أحد
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان


المزيد.....




- روبيو يطمئن قادة دول الخليج: واشنطن لا تقوض أمن حلفائها
- رئيس -سلطة العقبة الخاصة- يتحدث لـCNN عن الشراكة مع موانئ أب ...
- ميرتس يتجنب الحديث عن رفع سن التقاعد في ألمانيا وسط جدل حول ...
- زهرة النيل: كيف تحولت بمظهرها الجذاب إلى كابوس مائي في العرا ...
- القوات الإسرائيلية تعلن قصف 4 منصات لإطلاق الصواريخ في غزة
- المدفعية الروسية تدمر مواقع أوكرانية في مقاطعة خاركوف
- رئيس كولومبيا المنتخب يتعهد بإعادة العلاقات مع إسرائيل وتعزي ...
- مدفيديف: الغرب لا يريد حربا نووية ونخبه تتمنى هزيمة روسيا وت ...
- لافروف: نشر قوات أوروبية في أوكرانيا سيعيد بناء جدار برلين م ...
- مدفيديف: أوكرانيا بلا سلطة ونظام كييف غير مهتم بالاتفاق مع ر ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - منصور رفاعي اوغلو - حماس: حركة تحرر وطني أم مرتزقة لإيران؟