أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن الشرع - أثر الحجر















المزيد.....

أثر الحجر


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 00:22
المحور: الادب والفن
    


1. في السوق
جلس ظافر على الارض جلسة قلقة في احدى زوايا السوق العتيق، بدا وكانه قطع طريق المارة رغم ان لا أحد يقف امام بضاعته المتناثرة فوق قطعة قماش فاقعة رغم تراب المارة. تتزاحم الروائح والأصوات كما تتزاحم الأقدار، بضاعته صفوف من الأحجار والخرزات والحصى والاصداف تتلألأ تحت الشمس المائلة كأنها ، تُراقب المارّة وتنتقي من بينهم مَن سيصطاده الرجاء. لم يكن ظافر بائعاً كسائر الباعة. كان خطيباً مفوها ومناديا مميزا، يعرف كيف يُحيل كل حجرٍ إلى وعد، وكل وعدٍ إلى قدَر مؤجَّل، وكل قدَرٍ مؤجَّل إلى زبون مستقبل.
"هذا الفيروز النيشابوري يا سيدي... من مناجم خراسان لم يذُق من اقتناه جوعا ولا عوزا ."
اقترب منه مراد الخفاف الذي أنهكه الدنيا واحاطت به المصائب وحاصرته الدَّيون كم تُنهك شجرةً هرمة، وأتعبته أبواب الحظ المؤصدة . نظر إلى الحجر الأزرق الصغير وكأنه ينظر إلى آخر نافذةٍ بقيت مفتوحة في جدارٍ من اليأس.
"وهل تجلب هذه الفيروزة الرزق لي ان اقتنيتهاً؟"
ابتسم ظافر ابتسامة مَن يعرف أن الجواب لا يعنيه بقدر ما تعنيه حاجة السائل إلى جواب: "الرزق بيد الله لكن هذا الحجر يفتح الأبواب."
اشترى مراد الحجر ثم انصرف الى داره منتظرا بين حالم مرتج وشاك مبتئس، كما ينتظر مَن لم يبقَ له من سبيل غير الانتظار.
لكن بابا واحدا لم يفتح وتفاقمت ديونه فاغلق محلّه الصغير الذي كان يعتاش منه بعد أسابيع ،و باعت زوجته قرطيها . ولمّا سأله الجيران عن حاله، كان يجيب وهو يُمرّر أصابعه على الحجر كمن يُداعب جرحاً: "لعلّ البركة تتأخر لتجتمع."
مرّ شهران، وازداد فقراً كما يزداد الظلّ طولاً كلما مالت الشمس نحو الغروب، حتى ضاق صدره فذهب إلى السوق، لا ليشتري هذه المرة، بل ليسأل: "أين رزقي الذي وعدتني به؟"
أنا بعتُك حجراً، لم أبعك قدرا. هكذا اجاب ظافر، بهدوء التاجر الذي لا يخسر أبداً، مهما خسر زبائنه:
فكر مراد قليل بعد ما شعر انه اخذ بغفلته فقرر ان يشكو ظافرا الى القضاء، إذ لم يبقَ ما يطفئ به حنقه بعد ان تيقن من عجز الحجر عن سماع مصيبته وان البائع قد استغفله
2. في المحكمة
في قاعةٍ ضيّقة تفوح منها رائحة الورق العتيق ووعود القانون الباردة، جلس القاضي يستمع إلى الدعوى: (غشٌّ تجاري، واستغلالٌ لحاجة الناس بادّعاءاتٍ لا سند لها من عِلمٍ ولا شرع.)
قال محامي مراد: "موكلي اشترى رزقا موعودا فكان وهماً وهذا من التدليس الذي حرّمه الشرعُ قبل أن يُجرّمه القانون."
فردّ محامي ظافر "موكلي باع حجراً، والكلامُ في تسويق، ولم يُكرِه أحداً على التصديق. فهل يُحاسَب البحرُ على مَن أغرقه سرابُ الأفق؟"
توقّف القاضي طويلاً، كمن يزن كلمات لا توزَن، ثم قال بصوتٍ يشوبه تعبُ مَن رأى كثيراً من دعاوى الرجاء المخذول: "هذه مسألةٌ لا تُحسَم بالفصاحة، بل بالدليل. سأحيل الموضوع للاستعانة بذوي الخبرة . أريد تحليلاً بالذكاء الاصطناعي لأنماطٍ مشابهة: كم مِن مشترٍ لحجرٍ كهذا ازداد فقراً، وهل للفقر علاقةٌ بالحجر أم بأسبابٍ أخرى تسبق الحجر وتُغني عنه؟"
مرّ أسبوعٌ من البحث والتمحيص والمراجعات والتوقيعات، حتى جاء التقرير خالياً من كل حماسة، رصيناً صامتا كصمت الأرقام: "لا علاقة إحصائية معنوية موضوعية ومعتبرة بين اقتناء الحجر وتغيّر الحالة المادية للمشتري. الفقر يتبع الفقر لا الحجر وربما هو نصيب وقدر او كان كسلا او طول قهر"
وبناءً على هذا، حكم القاضي برد الدعوى لصالح مراد.
3. الطعن
لم يستسلم ظافر لحكمٍ كتبته الأرقام. ميز قرار الحكم ، فقدّم محاميه حجّةً لم تسمع تلك القاعةُ مثلها من قبل:
"إنّ الآلة التي استند إليها الحكم آلةٌ ذكية، تفهم الأرقام ولا تفهم الرجاء؛ عمياء عن الإيمان، صمّاء عن الأمل الذي يشتريه الناس حين يشترون حجراً لا يُشترى بثمنه وحده. نطلب من المحكمة أن تستبدل بها آلةً أخرى، لا تُحلّل بل تُصغي، آلةً أقرب إلى عقول الناس وتفهم السوق اكثر من عقول الملائكة. آلةً، إن جاز التعبير، أقلّ ذكاءً وأكثر رحمةً بمنطق العباد."
ضحك بعض الحاضرين ضحكةً خافتة، لكن القاضي لم يضحك. كتب في محضره بتأن : "طلبٌ غريب، لكنه يمسّ سؤالاً حقيقياً لا يُستهان به: هل تُحاكَم النيّةُ بمنطق الحقيقة، أم بمنطق مَن صدّقها؟"
4. التعليق
لم يُصدر القاضي حكماً . أجّل الجلسة، ثم أجّلها مرّةً أخرى، حتى بات التأجيلُ نفسه شبيهاً بانتظار مراد أمام باب الرزق الموصَد. وكتب في القرار الأخير الذي وصل إلى الطرفين سطراً واحداً لا غير، كأنه فتوى معلّقة بين الأرض والسماء:
"يُؤجَّل النظر في الدعوى حتى يتبيّن أثر الحجر."
مرّت الأشهر بطيئةً كخطى شيطان مسه سحر حجر! وأُغلق ملفّ القضية في أدراج المحكمة، وعلاه الغبار كما يعلو النسيانُ كلَّ شيءٍ لم يُحسَم، وبقي السؤال معلّقاً كما عُلّق الحجر يوماً في رقبة مراد: لا هو أجاب، ولا هم كفّوا عن الانتظار.
5. الحجر
في زاويةٍ أخرى من السوق، بعيداً عن أروقة المحكمة وصمتها الرسمي، وبعيد عن ركن ظافر ، جلس مراد خلف طاولةٍ صغيرة، يعرض عليها ما تبقّى له مما تخلّى عنه: ساعةً قديمة توقّفت عقاربها منذ زمن، مفتاحاً بلا بابٍ يفتحه، وفيروزةً زرقاء لم يعد يحتمل النظر إليها، فقد صارت في عينيه شاهداً صامتاً على رجاءٍ خذله.
اقتربت منه امرأةٌ، هوت الى الحجر أدارته بين أصابعها تحت الشمس، مبهورةً بزرقته الصافية وبريقه الهادئ، لا تسأل عن رزقٍ ولا عن بركة، بل تنظر إليه كما يُنظَر إلى الجمال حين يكفي وحده أن يحوز القيمة كلها .
"جميلٌ جداً... كم ثمنه؟"
قال مراد رقماً أعلى بكثيرٍ مما دفعه هو نفسه، بانتظار مساومة، أو انصراف كما ينصرف الزبائن حين يُصدَمون بالثمن.
لكنها بدت مبهورة بالحجر ومقتنعة بالسعر دفعت الثمن كاملاً، وابتسمت ابتسامةً لا تحمل غير الرضا عن اختيارها، ثم مضت في طريقها.
وقف مراد ينظر إلى النقود في يده، عاجزاً عن فهم كيف ربح أخيراً من حجرٍ لم يجلب له طوال أشهرٍ سوى الخسارة تلو الخسارة إلى أن باعه لمن لم تطلب منه شيئاً غير أن يكون جميلاً، لا رازقاً ولا شفيعاً ولا وعداً.
وفي مكانٍ ما، لا يزال ملفٌّ ينتظر على رفٍّ قديم أن يتبيّن "أثر الحجر"، بينما الحجر نفسه يلمع الآن على صدرٍ آخر، لا تعرف صاحبته شيئاً عن القضية، ولا عن الرزق، ولا عن الانتظار وكأنّ الحكمة الوحيدة التي بلغها الحجر أخيراً هي أنّ بعض الأشياء لا تُرزَق بها القلوب، بل تُرزَق بها العيون.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
- البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
- البوهيمية (4): ثوار العرش وشهداء الموقف
- البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد
- الفكر وغاية يعقوب
- حمى التعليم الطبي بين النزعةةالاجتماعية والرغبة الحكومية


المزيد.....




- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن الشرع - أثر الحجر