حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 23:39
المحور:
قضايا ثقافية
مقامات روحية: الرومي ، حين يصير السماعُ طقساً كونيا
قبل الدخول في التفاصيل ارتأيت هنا ان اضع قاموسا تعريفيا ابجديا بسيطا رتبته أبجدياً لتسهيل الرجوع إليه لتسهيل المتابعة
قاموس المصطلحات
الأقسام السبعة: الهيكل الطقسي الكامل للسماع المولوي، يتدرج من النعت الشريف إلى الختام بالدعاء. هي بنيةٌ احتفالية لا موسيقية بالمعنى الفني.
الإنشاد الصوفي: الغناء الروحي في الموالد والحضرات (خاصةً في مصر والمغرب)، يعتمد على المديح والابتهال، ويُقصد به إثارةُ الوجد الجماعي.
الإيقاع المتصاعد: تقنية موسيقية تعتمد على تكرار الإيقاع مع تسارعٍ تدريجي، تُدخل السامع تدريجياً في حالة الانخطاف الروحي.
التصوف: نهج يتناول العلم الروحي الإسلامي الذي يَهدف إلى معرفة الله بالتجربة المباشرة لا بالنظر الفكري والعقلي فحسب؛ ويُطلق مصطلح (الصوفية) على أتباعه.
الحضرة: مجلس صوفيٌّ جماعي في المغرب والمشرق، يجتمع فيه الصوفية للذكر والإنشاد بالدف، قريبٌ من الطقس الشعبي.
الدف: آلة إيقاعية جلدية تُستخدم في السماع الصوفي، وقد اختلف الفقهاء في حكمها بين المجيزين والرافضين.
الدراويش : اتباع الطريقة الصوفية، ويُطلق خاصةً على أتباع الطريقة المولوية الذين يؤدون السماع بالدوران.
الذكر: الترديد الجماعي أو الفردي لأسماء الله أو الصلوات، ويُعتبر ركناً أساسياً في الطقس الصوفي.
الرومي (مولانا جلال الدين): شاعرٌ وفيلسوفٌ صوفيٌّ فارسي (6 ربيع الأول 604 - جمادي الآخرة 672 )، مؤسس الطريقة المولوية، وصاحب المنوي، جعل من السماع طقساً كونياً بالدوران.
السماع: صوفيا فهو الاستماعُ المقصودُ للموسيقى والإنشاد بهدف الوصول إلى الوجد، لا مجرد التلذذ السمعي. ويختلف عن "الطرب" في الغاية لا في الأداة.
السلامات الأربعة : المراحل الأربع الرئيسية في دوران الدراويش المولوي، كلُّ منها يمثلُ درجةً معرفيةً روحيةً (الشريعة، الطريقة، الحقيقة/الفناء، العودة للخدمة).
الطرب : الموسيقى التقليدية التي تُقصد بها المتعة الحسية والانفعال العاطفي، بعكس السماع الذي يُقصد به الوجد الروحي.
الطرق الصوفية: جماعةٌ صوفيةٌ منظمةٌ لها شيخها وطقوسها وزواياها (كالقادرية والرفاعية والمولوية)، تحوّلت من زهدٍ فرديٍّ إلى مؤسسةٍ اجتماعيةٍ روحية.
العهد الأزلي / عهد الذر: في العقيدة الصوفية: ذكرى الخطاب الإلهي «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» الذي سمعته الأرواحُ قبل الخلق، فيقرّ الإنسانُ بربوبية الله فطرةً.
القوالي : شكلٌ موسيقيٌّ صوفيٌّ نشأ في شبه القارة الهندية، يعتمد على الإيقاع المتصاعد والتكرار، وأشهرُ من أدّاه نصرت فتح علي خان.
المقامات (الموسيقية): نظامٌ موسيقيٌّ شرقيٌّ يحددُ التركيبَ اللحنيَ للنغمة (كالحجاز والصبا و السيكاه)، يُستخدم في السماع الصوفي لشحذ الحالات الروحية.
الموالد : احتفالات دينيةٌ شعبيةٌ في مصر والسودان وبلاد الشام، تقام في ذكرى أولياء الله الصالحين، يُؤدّى فيها الإنشادُ الصوفيُّ.
الناي :آلة نفخيه من القصب، تمثل رمزاٌ مركزيٌاّ في السماع المولوي، هي عند الرومي صرخةَ الروحِ المفصولةِ عن أصلها.
الوجد :حالةُ انكشافٍ روحيٍّ مؤقتةٌ تُصيبُ السامعَ عند السماع، يذوبُ فيها الحجابُ بين العبد الخالق وعبده؛ هي تجربةٌ وجوديةٌ وليست مجردُ انفعالٍ عاطفي.
الفناء: ذروةُ التجربة الصوفية: ذوبانُ الوعي الفردي الذاتي في الوعي الإلهي الكوني، ويُقصد به عند الرومي تعليقُ الحدود بين الذات والمطلق.
إذا كان الغزالي قد حوّل السماعَ من (رخصةٍ استثنائية ) إلى (مسلك روحاني) فإن جلالَ الدين الرومي الذي نشأ في قونية ( تركيا ) قبل قرنٍ ونصفٍ تقريباً من موت الغزالي، لم يكتفِ بتبرير السماع، لكنه جعلَه تجسيداً حرفياً لحقيقة الوجود ذاتها. فعند الغزالي، السماعُ يحرّكُ القلبَ من الخارج كمؤثرٍ خارجي . اما الرومي، فالسماعُ عنده كاشفُ لحقيقةً كانت كامنةً أصلاً في تركيبة الكون والإنسان؛ فالدرويش لا يتعلّمُ شيئاً جديداً، بل يتذكّرُ ما هو موجودٌ فيه فعلا لكن بالفطرة.
وهذا الانتقالُ من الذاتي إلى الطقس الكوني هو ما يُميّزُ المولوية عن سائر الطرق. فالرومي، خلافاً للغزالي الذي ظلّ يبرّر السماعَ بمنطقٍ فقهي، انطلق من أساسٍ فلسفيٍّ مختلفٍ تماماً: نظريةُ وحدة الوجود، وتصوّرُ الكون كحركةٍ دائمةٍ نحو أصله. بالنسبة له، السماعُ ليس "وسيلة" بل هو تجسيدٌ حرفيٌّ لحقيقةٍ وجودية
فلسفة الدوران: محاكاة النظام الكوني
الفكرةُ المركزيةُ عند الرومي هي أن كلَّ شيءٍ في الكون يدور: الكواكبُ والأفلاكُ حول والدرويشُ حين يدورُ في السماع لا يؤدي حركةً رمزيةً فحسب، بل يشاركُ فعلياً هذا النظام الكوني، فيصبحُ جسده امتداداً للحركة الأزلية التي يقوم عليها الوجود كله. هكذا، يتحوّلُ السماعُ من "أداةٍ تربوية" عند الغزالي إلى "طقسٍ أنطولوجي" يُعيد إنتاجَ نظام الكون ذاته داخل جسد الدرويش.
ويُجسّد الناي – الآلة المركزية في السماع المولوي – هذه الفلسفةَ بأبلغ تعبير. يصفُ الرومي في المثنوي أن الناي يبكي لأنه قُطع من أصله (القصب)، وأن أنينه هو أنينُ كلِّ روحٍ مفصولةٍ عن أصلها الإلهي تتوقُ للعودة. فالموسيقى هنا ليست ترفيهاً بل رثاءٌ وجودي وحنينٌ ميتافيزيقي؛ كلُّ نغمةٍ هي صرخةُ روحٍ تتذكّرُ أوّلَ يومٍ، وتتوقُ إلى آخر لقاء.
مفهوم "الفناء" كغاية نهائية
يهدف الدورانُ المستمرُّ والمتصاعدُ إيقاعياً لإحداث حالة (الفناء) ووهي ذوبان الوعي الفردي في الوعي الكوني/الإلهي. وهذه ليست تجربةٌ عاطفيةٌ عابرةٌ كما قد يُفهم "الوجد" عند غير الصوفية، بل حالةٌ وجودية تتضمن تعليقٌ مؤقتٌ للحدود الفاصلة بين الذات والمطلق. يُذيبُ الدورانُ حدودَ "أنا" الدرويش حتى يصيرَ مرآةً صافيةً تعكسُ وجهَ الحق.
السلامات الأربعة: حين تكون الموسيقى جسداً والروحُ روحاً
لكن الرومي، رغم هذا العمق الفلسفي، لم يترك السماعَ فوضى انفعاليةً كما حدث مع بعض شطحات الحلاج التي أثارت اتهاماتٍ بالزندقة. بل صمّم السماع المولوي بنيةٍ مضبوطةٍ تُحوّلُ التجربة الفردية الفوضوية إلى مؤسسةٍ روحيةٍ قابلةٍ للتكرار والتوريث
يمر الطقسُ بمجمله بسبعةِ أقسامٍ بنيوية، أهمها وأطولها السلامات الأربعة وهي ليست (المقاماتٍ الموسيقية) بالمعنى الفني (كالحجاز والصبا السيكاه والنهاوند والعجم والبيات والكرد والرست )، بل انها مراحل وجودية يعيشها الدرويش أثناء دورانه. غير أن الجمال هنا يكمن في أن كلَّ مرحلةٍ منها تُؤدَّى على إيقاعٍ موسيقيٍّ ونغمٍ محدد، فيصير المقام الموسيقي (السيكاه مثلاً) هو الجسدُ الذي يحملُ التجربةَ الروحية.
السلام الأول يبدأ بنغمٍ بطيءٍ رزين، كأنما يُعيدُ ترتيبَ النفسِ بعد صمتِ الاستعداد؛ وهو مرحلةُ معرفةِ العبودية والتسليم (الشريعة)
السلام الثاني يتصاعدُ الإيقاعُ قليلاً، فيُحاكي دهشةَ الروحِ أمامَ جلالِ الخلق وقدرةِ الله (الطريقة)
السلام الثالث – وهو قمةُ الطقس – يصلُ الدورانُ إلى سرعتِه القصوى، والنايُ يُعيدُ ذاتَ النغمةِ بتنويعاتٍ تُشبِهُ الشهيقَ والزفير، حتى تتحولَ الدهشةُ إلى حبٍّ وذوبانٍ في المحبوب (الحقيقة/الفناء)
السلام الرابع ينحسرُ الإيقاعُ تدريجياً، كأنما تستعيدُ الروحُ وعيَها بعد غياب؛ وهو عودةٌ إلى الخدمة والعبودية بعد الفناء ، فالفناءُ ليس هروباً من العالم بل تزكيةٌ للعودة إليه بوعيٍ أعمق. وهذا هو سلام ( الكمال البقاء بعد الفناء)
وهكذا، فان الموسيقى ليست حلية على هامشً الطقس، كما ان المراحل الروحية هي الاخرى لم تكن مجردَ تأملٍ فكريٍّ منفصلٍ عن الجسد. بل هما وجهان لحالة واحدة : النغمةُ تدورُ كما تدورُ الروحُ، والروحُ ترتقيُ كما يتصاعدُ الإيقاع.
هذا التنظيمُ الدقيق يكون وراء تحول تجربةً قد تكونُ فرديةً وفوضويةً إلى مؤسسةٍ روحيةٍ قابلةٍ للتوريث عبر الطريقة المولوية، وهو ما ضمن استمرارها مؤسساتيا حتى اليوم بعكس التجارب الصوفية الفردية التي اندثرت بموت أصحابها.
الفارق الجوهري: الغزالي والرومي
يمكن تلخيص الفارقَ بين منهجيهما بالقول بان الغزالي جعل السماعَ يُحرّك القلب، في حين جعله الرومي يُذيب الحدود بين القلب والكون. عند الغزالي ، السماعُ وسيلةٌ نفسيةٌ وتربويةٌ تُذكّرُ بالله. اما عند الرومي ، فانه كشفٌ وجودي يُعيدُ إنتاجَ العلاقةِ بين الذات النسبي والمطلق الحق في فعلٍ جسديٍّ حي.
و حين وصل السماعُ إلى الرومي ، فهو لم يعدَ مجردَ (إباحةٍ فقهية) للاستماع إلى النغم، ولا (إستحبابٍ روحي) لتحريك القلوب، بل صار طقساً كونياً يُحاكي فيه الإنسانُ دورانَ الأفلاك والكون ، ويستعيدُ فيه الروحُ ذاكرتَها الأولى. والنايُ الذي يبكي في قونية ليس آلةً موسيقيةً فحسب، بل صوتُ كلِّ منا حين يتذكّرُ أنه قُطعَ من جذوره، وما زالَ يدورُ بحثاً عن مركزه...-
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟