أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)














المزيد.....

في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 12:07
المحور: قضايا ثقافية
    


لجزء الأول: التأسيس المفاهيمي (التفكيك والتركيب)
توطئة: بين شارع المتنبي ووهم المفهوم
في مناسبة سابقة، كتبتُ مقالاً ساخراً عنونته آنذاك بـ (ثقافة المتنبي)، تضمن وصفاً نقدياً لإحدى جولات أسبوعياتي في شارع المتنبي ببغداد.. ولم يكن ذلك الوصف -في جوهره- إلا موقفاً لحظياً وسياحةً فينومينولوجية لمشهد هذا الجمع الحالم، المثقل بجنازير الثقافة الموهومة.
أدركتُ فيما بعد أن الذين يدركون المعنى الحقيقي لكينونية الثقافة وماهيتها أقل بكثير ممن التبس عليهم الأمر؛ فاستحال عندهم الفعل الثقافي لوحةً سريالية معلقة بشكل مائل بألوان شاحبة وطافحة، أو رشفة عصير زبيب تُرتشف قرب لوحة إعلانات للالتقاط صورة عابرة! فالمفاهيم مزدحمة خلف الاصطلاحات، والتحديات كُثر، والهموم أثقل، بينما يندرس الوعي الأصيل مع كل موجة سياسية، وتقليعة سلعية، وحملات فيسبوكية تتغدى على التسطيح.
انتظرتُ وراقبتُ أملاً في الاستفاقة، غير أن شيئاً لم يتغير؛ إذ ما زال الكثيرون يبحثون بين أكوام "الحصى الثقافي" عن كرامة تُعيد لهم ما فقدوه من مالٍ ضائع، أو حبيب "شالع"، أو سحر مانع لرزق محجوز.. ومن هذه النقطة التائهة بالذات، ينطلق هذا المقال ليسلّط الضوء على صيرورة المفهوم ومساره، مؤثلاً للمفهوم بين تفكيك الوعي وتركيب الكينونة

الجذور والتحول: من فلاحة التربة إلى رعاية الوعي
لم تكن "الثقافة" في أصلها اللغوي والأفهومي سوى فعلِ تهذيب وتعديل وتسوِية؛ ففي المأثور العربي يُقال "ثَقُفَ الشيءَ" أي أقام معوجه وحَذِقَه وصار فطناً ضابطاً له، وفي اللسان اللاتيني تشير كلمة (Cultura) في جذرها الأول إلى فعل حرث الأرض وفلاحتها. غير أن هذا الفهم الأدواتي المادي سرعان ما تحول، مع انعطافات التاريخ الفكري والتحولات الحضارية، من فلاحة التربة ورعاية زرعها إلى فلاحة العقل والروح وتعهّد الوعي الإنساني.
إن المحاولة المعاصرة لتأطير الثقافة في حيز ضيق أو اختزالها في مظاهر شكلية غالباً ما تصطدم بطبيعتها الهلامية الشاملة؛ فهي ليست مجرد تراكم معارفي جاف، ولا هي طقس نخبوي معزول عن شواغل الحياة، بل إنها الفضاء الحيوي الذي يتنفس فيه المجتمع، والمتخيل الجمعي الذي ينسج رؤية الإنسان للوجود والمصير والعالم
الحدود والماهية: تفكيك وهم التخصص وحقيقة الوعي
تستدعي الصياغة الدقيقة لمفهوم الثقافة التمييز الحاسمي بين المعرفة الفنية التخصصية والوعي الكلي المركب؛ فالمعارف الدقيقة في مجالات كالطب، أو الفيزياء، أو الهندسة تُنتج "خبيراً" أو "تقنياً رفيع المستوى"، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائياً لقب "مثقف". ولتوضيح هذا التفكيك، نجد أن الثقافة تتحدد عبر محددات مبدئية:
ليست مهنة أو حرفة: لا تُمارَس الثقافة بوصفها وظيفية تقنية تقترن بلقب وظيفي ثابت أو أجر يتقاضاه المرء لقاء ساعات عمل محددة، حتى وإن وجدت مؤسسات وقطاعات تُعنى بإدارتها أو تسويق منتجها الإبداعي. واذا" فالثلاجة هي :
ليست تخصصاً أكاديمياً حائائزاً للشهادات: الشهادات العالية يمنح صاحبها لقباً تخصصياً ضيقاً ومقبولاً في سوق العمل، بيد أن الثقافة هي طريقة تعاطي المرء مع هذه المعرفة ذاتها، وكيفية ترجمتها إلى أداة لفهم الشرط الإنساني والاشتباك مع أسئلة المجتمع.
إنها "حالة وجودية ووعي كلي": الثقافة مركب جامع يتجاوز ضفاف التخصص الضيق ليربط العلوم بالفنون، والعمق الأخلاقي بالسلوك الميداني، والقدرة على رؤية الخيط الناظم بين الجزئيات المعرفية كليتها.
الوسيلة والغاية: التربية والتعليم تحت المظلة الثقافية
تندرج التربية والتعليم بشكل جذري ومطلق تحت المظلة الثقافية؛ فإذا كانت الثقافة هي المحتوى والشفرة الكلية للمجتمع، فإن التربية والتعليم هما الشريان الحيوي والوعاء الناقل الذي يضمن استمرار هذه الشفرة وتجددها عبر الأجيال. وهنا ينبغي تفجير اللبس اللغوي والمفهومي بين المصطلحين:
التربية والتعليم (Education): يشير المفهوم إلى عملية أدواتية ومكتسبة ذات طبيعة منظمة ومقصودة، تتم غالباً عبر أطر رسمية ومؤسسية (كالمدارس والجامعات). وتستند إلى مناهج وتقييمات وممارسات محددة غايتها المباشرة نقل المعرفة، واكتساب المهارات، وتأهيل "المتعلم" أو "المختص" ليكون عضواً فاعلاً وناجحاً في منظومة الإنتاج.
الثقافة (Culture): تشير إلى بيئة وحالة كليّة شاسعة لا تحصرها جدران المؤسسات؛ إنها كائن حي يُكتسب بالمعايشة والتفاعل الإنساني اليومي في البيت، والشارع، والمجتمع. هي الشاملة للعادات والتقاليد والفنون والوعي والأخلاق، والنتيجة التي تثمرها ليس مجرد حامل شهادة، بل "المثقف" صاحب الذوق والوعي والموقف الإنساني.
وهكذا يتضح أن التربية والتعليم هما الوسيلة والأداة لكيفية التعلم وتنظيم المعارف المكتسبة، بينما الثقافة هي المحتوى والغاية العليا التي تصوغ أسئلة الكينونة وتجيب عن سؤال: من نحن، وكيف نفهم العالم ونعيش فيه؟
في الجزء التالي : بين سيولة الزمان وسرقة الأقنعة...
إذا كانت الثقافة كائناً حيّاً ينفي الثبات.. فمن يحق له صياغة معاييرها؟ سننتقل في الجزء الثاني من تفكيك المفهوم إلى مواجهة التناقضات الحادة: كيف تحول التنوير إلى "صناعة استهلاكية" خاضعة للتريند؟ وكيف يرتدي "أشباه المثقفين" قناع الفلسفة لاقتناص رأس المال الرمزي دون دفع ثمنه المعرفي؟



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
- البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
- البوهيمية (4): ثوار العرش وشهداء الموقف
- البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد
- الفكر وغاية يعقوب
- حمى التعليم الطبي بين النزعةةالاجتماعية والرغبة الحكومية
- المقامة المونغولية
- باب الدروازة (3) يحكي!
- باب الدروازة (3)
- باب الدروازة (2)
- باب الدروازة (1)
- أفكار نايلون
- مواسم فيسبوكية
- ثقافة المتنبي
- الحزام والطريق من ماو إلى الفاو
- اكشاك السلالم


المزيد.....




- عبدالرحمن السيد يتحدث لـCNN عن خلافاته مع زملائه الديمقراطيي ...
- صدور توجيهات في أمريكا لفحص مئات الطائرات من طراز -بوينغ- بح ...
- الجيش الأمريكي يعلن استمرار انتشار أكثر من 20 سفينة حربية لم ...
- كوميك كون أستانا يجذب نجوم العالم وآلاف محبي الكوسبلاي إلى ك ...
- بين الرفض العلني و-إعطائها فرصة- خلف الكواليس.. هل تهز خطة غ ...
- التمهيدية الخفية: داخل حملة ظل الحزب الديمقراطي لانتخابات 20 ...
- الحيوانات تشهد تطوراً استثنائياً وسريعاً لتتمكن من البقاء عل ...
- النفط يصعد مع انحسار الآمال في إعادة فتح سريعة لمضيق هرمز
- مصادر: إسرائيل ترفض منطقة تجريبية ثانية في جنوب لبنان وتطرح ...
- 12 قتيلا و39 جريحا بهجوم كبير لمسيرات أوكرانية على تتارستان ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)