حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 12:05
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يتناول هذا الجزء العصور الوسطى : من صعاليك العرب إلى بوهيميي باريس القرن التاسع عشر ويركز على التأصيل التاريخي والأدبي الوسيط
بادئ ذي بدء يجب التنويه الى ان التاريخ هو مفهوم زمني ممتد وان التقسيمات توضع بمعايير الأحداث المهمة كفواصل لغرض دراسي وتحصيلي بحت وهنا انا لا أذكر بما هو بديهي ومعروف لكني فقد امهد السبيل للسير قدما الى الامام في رصد البوهيمية، و قبل الاستمرار قد يتبادل الى الذهن سؤال جديد سأضمنه الاسئلة السابقة التي طرحت في الجزء الاول وهو هل توجد فوارق جوهرية بين السلوك البوهيمي او صفاته او ابطاله عبر مراحل التاريخ . انا اتكلم من حيث المبادي التي وردت في التعريف الذي تم تبنيه في هذا المقال. وكما اظن انه لابد من طرح هذا السؤال ونحن نناقش قضية سلوكية فكرية على امتداد حقب تاريخية وازمنة مختلفة لابد ان تكون فيها للبيئة والظروف الموضوعية تأثيرا من نوع ما على أنماط السلوك ودوافعه وللإجابة على هذا السؤال بشكل مختصر اقول ان البوهيمية لم تكن قط قالباً جامداً؛ بل كانت تتشكل في كل عصر كـ "رد فعل مضاد" للطغيان المادي أو الاجتماعي السائد في ذلك العصر بالتحديد. سأحاول ان اطلق صفات على كل نمط سلوكي بوهيمي تاريخي يكون شائعا مميزا لحقبة ما ، فبوهيمية العصور القديمة هي بوهيمية الفلسفة والنسك و الانفصال الوجودي ورفض المدنية، اما بوهيمية العصور الوسطى فعي بوهيمية التصعلك والاغتراب في حين ان بوهيمية القرن التاسع عشر هي البوهيمية الكلاسيكية/ الجمالية وبهذا فهي ثورة الفن ضد البورجزازية التقليدية .بينما اتخذت البوهيمية في القرن العشرين نمطا مختلفا يمكن ان يطلق عليه البوهيمية السياسية والرفض الوجودي ..وعلى هذا الاساس فيمكن تلخيص الاجابة تحت فكرة مركزية بسطور قليلة فحواها ان البوهيمية حافظت على جوهرها (وهو رفض النفاق والتمسك بالحرية)، لكنها غيّرت أدواتها وأعداءها؛ فبينما كان بوهيمي القدماء يهرب من المدينة ليحافظ على فضيلته، كان بوهيمي القرن التاسع عشر يهرب من البرجوازية ليحافظ على فنه، بينما يهرب بوهيمي اليوم من التسليع ليحافظ على إنسانيته.
أدناه سأحاول جاهدة تبيان اهم مظاهر البوهيمية في فترة العصور الوسطى في الشرق العربي والإسلامي وأوروبا مع ذكر اهم ما ترشح عن تلك المظاهر من نتاجات أدبية، فخلال الدولة العباسية وعصر المماليك تبرز حركات الصعلكة الفكرية بشكل واضح عند أبي حيان التوحيدي الذي مارس حياته الوجودية والاغتراب فضلا عن إحراقه لاهم اعماله الفكرية وناسه الكامل ازاء النفاق الاجتماعي في مجالس التكلف البورجوازي السلطوي في بغداد، وفي مصر ظهر أنداك ابن دانيال الموصلي في القرن الثالث عشر وهو طبيب وشاعر طفيلي عاش في القاهرة أما اهم اثار بوهيميته فابرزها
بابوات "طيف الخيال" (بابات خيال الظل): كتب مسرحيات خيال الظل (مثل عجيب وغريب والمتيم) بصلابة ولغة عامية مكشوفة، وثّق فيها حياة الباعة الجائلين والمشردين والشحاذين واللصوص، لتكون أول وثيقة أنثروبولوجية للبوهيمية الشعبية في العصر المملوكي.
اما في الأندلس فيعد علي الششتري (القرن الثالث عشر) رمضان بوهيميا وسبب بوهيميته انه شاعر ومتصوف أندلسي من طبقة الأعيان والأثرياء. تخلّى عن ثروته ووجاهته الاجتماعية بالكامل، واختار الترحال والتصعلك الروحي (على طريقة الملاماتية والقلندرية).والأثر الدال على بوهيميته: الأزجال والموشحات الصوفية الشعبية: ترك ديواناً من الأزجال باللغة العامية والشعبية بدلاً من الفصحى المتكلفة. ومن أشهر أبياته التي توثق خروجه عن التكلف الاجتماعي وقبوله الهوان المادي: "شُويّخ من أرض مكناس .. في وسط الأسواق يغني أش عليّ أنا من الناس .. وأش على الناس منّي؟
ولابد ان بعض القراء الاكارم يتذكر هذه الأبيات التي اصبحت في القرن الماضي اغنية خليجية مشهورة للمعاني والحكم التي تضمنتها
ومن المؤكد اننا لن ننسى شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ابو العلاء المعري ووضعه في هذا المورد ليست تأخيرا ولا تقديما، انما هي توسطا وتمثيلا ووضوحا وتعليلا فمن غيره يحاط به من المتحدثين والمتكلمين ،الأوائل والمتأخرين لزهده وانقطاعه ..انه رهين المحبين.. لا تحتاج سيرته الى دليل بعد كل ما قيل فيه من الفكر والزهد والانقطاع ..
كما ان هناك حركات "القلندرية" و"الصعاليك الجوالين" (المشرق العربي وفارس) سبب بوهيميتها: حركة مجتمعية صوفية/راديكالية انتشرت في بغداد، دمشق، وخراسان في العصور الوسطى. كان أفرادها يحلقون الرؤوس واللحى، يرتدون الأسمال البسيطة أو الجلد، ويتجولون بلا بيوت ولا أملاك، رافضين طقوس المؤسسة الدينية الرسمية والمجتمع المديني.الأثر الدال على بوهيميتها: أشعار الطفيليين والمكادي (أدب الكدية): النصوص الأدبية التي جمعها الثعالبي والبديعي في وصف أدب "الكدية" والصعلكة، والتي تضع قواعد واضحة لرفض العمل المؤسسي وتفضيل الترحال والحرية الشخصية.
في أوروبا العصورالوسطى (القرون 12 – 15 م)
في أوروبا الوسيطة، ظهرت البوهيمية تحت مسمى "شعراء الفوجانتس" أو "الغوليارد"؛ وهم طلاب ورهبان متمردون تركوا الدير والجامعة، وعاشوا حياة الترحال بين الحانات والشرق والغرب الأوروبي.
فرانسوا فييون (القرن 15 م - فرنسا) سبب بوهيميته: يُعتبر "الجد الأكبر للبوهيمية الأوروبية". كان طالباً في جامعة باريس لكنه تورط في المشاجرات، السرقة، وسفك الدماء، وعاش حياة تشرد كاملة في الشوارع ومع العصابات النفعية، هرباً من الشرطة والكنيسة. الأثر الدال على بوهيميته: قصيدة الوصية (Le Testament) والوصية الصغرى: تحفة أدبية شعرية صدمت القرن الخامس عشر؛ حيث كتب عن حياة الحانات، الفقر المدقع، الخمر، المومسات، والعدمية المأساوية بصدق عارٍ ولغة شعبية حية، ساخراً من القضاة والكرادلة.
شعراء "الغوليارد" (القرنين 12 و13 م - ألمانيـا وفرنسا وإيطاليا) سبب بوهيميتهم: جماعات من الشعراء والعلماء الجوالين الذين رفضوا الانضباط الكنسي الصارم في العصور الوسطى، واختاروا حياة الترحال والعيش في الحانات والتسول بشعرهم.الأثر الدال على بوهيميتهم: مخطوطة كارمينا بورانا : مجموعة من الأغاني والأشعار اليدوية المنشورة التي كُشفت في دير ألماني؛ تحتوي على أشعار تحمّد الخمر، القمار، اللذة اللحظية، والتمرد على سلطة البابا، ومن أشهرها قصيدة "في الحانة" التي تمجد عيشة الصعلكة بلا غد.
الأرتشيبويت / "الشاعر الأكبر" (القرن 12 م - ألمانيا وإيطاليا) سبب بوهيميته: مجهول الاسم الحقيقي، وهو أشهر شعراء حركة الغوليارد اللاتينية. عاش في كنف بعض النبلاء لفترات قصيرة لكنه كان يهرب دائماً إلى الحانات، رافضاً الوظيفة والاستقرار، ويعلن صراحة أنه يكتب شعره وهو سكران وفي الفقر.الأثر الدال على بوهيميته: قصيدة الاعتراف: تُعد بمثابة "البيان التأسيسي للبوهيمية الأوروبية الوسيطة"، وفيها يقول بيته الشهير الذي صار شعاراً للبوهيميين عبر العصور: "قصدتُ أن أموت في الحانة.. حيث يكون الخمر قريباً من شفتي الميتة!"
حركة "المشردين والغجر" (القرن 15 م - أوروبا الوسطى وفرنسا)سبب بوهيميتهم: دخول قبائل الغجر الجوالين من بوهيميا (جمهورية التشيك حالياً) إلى غرب أوروبا وفرنسا عام 1419م. عاشوا في المخيمات المتحركة، ورفضوا المواطنة والاندماج في القوانين الإقطاعية أو الكنسية، ممارسين الموسيقى والعرافة.الأثر الدال على بوهيميتهم: المخطوطات والمراسيم الملكية للرفض (مثل سجلات باريس 1427م): الوثائق التاريخية التي استمد منها اللسان الفرنسي كلمة Bohémien لأول مرة لوصف كل من يرفض البيت والعمل الثابت ويختار الفن والترحال. ومن الطبيعي فإنه لا يمكن حصر دوافع اي سلوك او نشاط فكري بما فيه طبيعته وخواصه واثاره في مقال او كتاب او حتى موسوعة لكن ما احاول القيام به هنا هو مجرد اعادة اثارة لموضوع باعتباره موضوعا ثقافيا بشكل مختصر وبطرح قد يكون مختلفا كما ازعم ..في الجزء الاخر سأقوم بطرح الموضوع بجنبته الدينية وربما العقدية..
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟