حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 18:12
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
سأبدأ بخطا مقصود لأنني متيقن كما يعرف القاريء الكريم بأنني لست من المفكرين ! لا اهدف الى تغيير نص مقدس بل اذهب الى مثل تردده العامة ..لغاية في نفس يعقوب! اعرف ان اصل المثل هو آية من القرآن الكريم ( إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها)..لكن ان تعرف شيئا شيء وان تكون مفكرا شيء آخر!
كم كانت دهشتي كبيرة عدما علمت انني أصبحت مفكرا ! تلك الدهشة لم تكن تعبر عن فرح غامر كما يظن القاريء الكريم انما هي على النقيض حزن كبير الم بي بسبب شعوري بالضآلة الفكرية التي وصلت إليها كثير من نخبنا الإعلامية والثقافية على وجه الخصوص. لقد كنت اهم بكتابة مقال يتناول موضوع التدني المعرفي والثقافي الذي شاع في مجتمعنا العربي بل في معظم المجتمعات وفي القارات جميعا . هذا ما يظهر جليا في اللغة وحجم المعلومات العامة وعمقها في جميع المجالات ، حاولت ان انسق أفكاري المتعثرة وانظم آراءي لأضع مسودة منهج ثم هيكلا يشتمل على المقدمات والأولويات للأفكار والسرديات والأمثلة وصولا الى ذروة تتضمن البنية الرئيسية وما يوافقها من نتائج واستنتاجات وخواتيم. أثناء رحلة البحث تلك برز امامي: فلان الفلاني هو أحد الكتاب والمفكرين الذين نشروا عددا من المقالات في الموقع الفلاني والموقع الفلاني !. كم كانت دهشتي كبيرة عندما تذكرت ان تلك المقالات كنت قد كتبتها انا بنفسي ! مفكر ينسى ما فك به . فانا صاحب ذلك الاسم المستعار في 2006 حتى 2009 حتى هجرت ذلك الاسم لغاية في نفس يعقوب!
وعلى اعتبار ان المفكر هو مثقف بالضرورة فلابد لي من ان اشير الى توصيف او تعريف للموقف لغرض هذا المقال من الباب الاصطلاحي وليس العلمي بالضرورة ، ولن افصل في هذا الموضوع كثيرا لغاية في نفس يعقوب ليست من باب الايجاز!
ان من اكثر التعريفات للمثقف شيوعا هو:
"من يمتلك المعرفة الواسعة ويستطيع التفكير النقدي والتحليلي في القضايا الفكرية والاجتماعية والثقافية"
بصيغة أخرى، المثقف غالباً يُعرَّف بأنه شخص يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية:
1. التعلم: امتلاك رصيد معرفي متنوع (أدب، فلسفة، تاريخ، علوم...)
2. التفكير:القدرة على التحليل والنقد والربط بين المجالات المختلفة
3. التأثير: المساهمة في النقاش العام وتشكيل الرأي (سواء بالكتابة أو بالمشاركة الفاعلة في الحياة العامة)
هذا التعريف يعود بشكل واسع إلى إدوارد سعيد في كتابه "تمثيل المثقف" ( حيث رأى أن المثقف ليس مجرد "خبير" متخصص، بل هو "من يتكلم للحقيقة أمام السلطة" أي شخص يستخدم عقله ومعرفته لخدمة المصلحة العامة وليس لمصلحة خاصة أو لخدمة السلطة القائمة.
التعريف الشعبي الأبسط: "من يقرأ ويفكر ويتأمل" لكن الاختلاف الجوهري أن المثقف لا يكتفي بالاستهلاك الفكري، بل يُنتج فكراً ويناقش ويؤثر. والان ما هو المفكر ومن هو المفكر وهل انه توصيف مهني ام اكاديمي وماهي الشروط ومن يضعها وما علافته ذلك بالثقافة العربية وهل ان ما يمكن التوصل اليه من نتائج تصدق في الثقافات الاخرى! ولكن قبل ذلك كله يجب ان أشير الى اني او الكثيرون من أمثالي لا يصدق نعتهم بالمفكرين من المنظور الذي سأتحدث به. هذا اولا ثم ان الأمر كما اظن بحاجة الى التأسيس الاصطلاح ليتسنى وصف الأفكار بالدقة التي يطلبها هذا الموصوع باعتبارها موضوع لا يندرج تحت خيمة أكاديمية محدده ..كما سيتضح لاحقا.
كثيرا ما تستضيف القنوات الاعلامية شخصيات وتعرفها بهذا الوصف رغم اني لاحظت ان قسما من تلك الشخصيات تنأى بنفسها عن هذا الوصف لأسباب عديدة منها استعراضيه ومنها تواضعية ومنها واقعية تتعلق بمبادئ وقناعات من يطلق عليهم ذلك الوصف او اللقب، لكن على الرغم من ذلك والأسباب لها علاقة بالآليات الاعلامية فسرعان ما يشاع ذلك اللقب بين العامة لغاية في نفس يعقوب!
لغة فان لقب المفكر جاء من الفعل فكر، يفكر تفكيرا واسم الفاعل منها مفكر ،جذور الكلمة لغوياً: في العربية، الكلمة مشتقة من "الفكر"، وهو إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى المجهول. وفي القرآن الكريم جاءت عبارات التفكر ومشتقاتها بما يتوقف كثيرا على عبارات تشير الى الحواس ومشتقاته( على سبيل المثال يبصرون او يسمعون) مما يدل على اعمال العقل في المعلوم كما اشار التعريف.
من اهم ما يميز المفكر هو امتلاكه للآمور التالية: المعرفة الموضوعية ، المشروع الفكي، المنهج العلمي الواضح ، النتاج العلمي النوعي ، البصيرة النقدية الحادة،، الاستقلالية والموضوعية في إطلاق الافكار والنقود والتعبيرات التي تعكس خلاصة رايه ومشروعه الفكري .
والان ما هو دور المفكر وما هي وظيفته:
يتلخص دور المفكر في المجتمع في نقاط حيوية:
اولا: التشخيص والاستشراف: تشخيص أمراض المجتمع والأزمات الحضارية (كالتخلف، التبعية، غياب الحريات) وتوقع مسارات المستقبل بناءً على المعطيات الحالية.
ثانيا: التنوير والوعي: تبسيط المفاهيم المعقدة ورفع منسوب الوعي العام لدى الجماهير، وقيادة المجتمع نحو قيم العقلانية والتحديث.
ثالثا: إنتاج المفاهيم: صياغة أدوات ومصطلحات تساعد المجتمع على فهم نفسه كالمصطلحات والتعبيرات الفنية واللغة الخاصة بالنشاط الفكري المعين.
رابعا: الجسر بين المعرفة والواقع: تحويل الأفكار الفلسفية المجردة إلى حلول ورؤى يمكن استثمارها في الواقع الاجتماعي والسياسي.
وعلى هذا الأساس فان هذا التوصيف لا يتطلب مؤهلات اكاديمية او شهادات جامعية اكثر مما يتطلب حضورا فاعلا ومنهجا واضحا وانتاجا نوعيا وشمولية عامة لا تخلو من عمق الطرح وليست على حساب عمق الموضوع ، ومشروعا قائما وممتدا ذلك لان هذا التوصيف وصف "مفكر" هو توصيف اعتباري واعترافي، تمنحه الجماعة الثقافية، والجمهور النخبوي، والتلقي التاريخي لإنتاج الشخص ولا تمنحه مؤسسة رسمية.
وعلى هذا الاساس فسأدكر بعضا من اسماء المفكرين على اختلاف توجيهاتهم ومشاربهم لغرض المقايسة في اطلاق التوصيف وليس على سبيل المقارنة !.
ابن خلدون وابن رشد والكندي وابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم وجابر بن حيان والبيروني والفارابي وابن طفيل .هؤلاء امثلة فقط كان لحضورهم ونتاجهم الفكري اثرا كبيرا في مجتمعاتهم فضلا عن التأثير التاريخي الذي لا يمكن تجاهله على المستوى الحضاري. كما ان التسلسل لا يجب ان يشير الى أفضلية من نوع ما ولا يوحي بأسبقية حتى لو كانت تاريخية..اقول هذا لغاية في نفسي وليست في نفس يعقوب بالطبع!.
ومن المعاصرين : محمد عابد الجابري ومحمد اركون ومالك بن نبي وادوارد سعيد وطه عبدالله الرحمن وحسن حنفي وعبد الرحمن بدوي وهشام جعيط، وعلي الوردي و علي جواد علي وهادي العلوي.
وفي روسيا احتل الادب الروسي مقاما رفيقا (لاحقا) في الأدب العالمي بما تضمنه من جوانب فكرية عميقة كان من رواها كوكول و تولستوي و دايستويفيسكي الذي أثر في المنظومة الفكرية الأوربية التي تأثرت لاحقا بفكر نيتشه وفرويد ودوركهايم وماكس فيبر ..ومن الطبيعي ان ذلك العصر يمثل أكبر حضور فكري حديث بل ومعاصر لوجود الكثيرين ممن اثروا وغيروا المفاهيم الكلاسيكية في العلوم والتكنولوجيا بل ومناهج البحث ذاتها ومن بيت أولئك المفكرين فضلا عما ذكر بل وتأكيدا له: جارلس دارون وكارل ماركس وماكس بلانك والبرت اينشتاين
لقد كانت الثورة الثقافية المتمثلة في عصر التنوير في أوروبا امتدادا حضاريا وطبيعيا للفكر الاغريقي والروماني القديم على يد سقراط وافلاطون وارسطو وابيقور وصولا الى كاليليوكاليلي و اسحق نيوتن ورينيه ديكارت وجون لوك و إيمانويل كانط وفواتير وجان جاك روسو وديفيد هيوم وفراسيس بيكون وباروخ سبينوزا ..وهنا لا يجب اغفال دور المحركات الخارجية المتمثلة بحضارات اخرى بعيدة في أقصى الشرق وقريبة على اوروبا في الشرق الأدنى كما اطلق عيه المستعمرون فالإنجازات الحضارية الكبرى سبقت عصر النهضة والتنوير اوروبا كانت حيث عرفت هناك افكارا قادت الى ما عرفه الغرب بالاختراعات الاربعة وهي: ابتكار الورق ومفهوم الصفر واختراق البوصلة والبارود...
هناك في الشرق تشيع ثقافات مختلفة والحضارات تعمل باليات مختلفة حيث التوازن بين الميتافيزيكا والجانب الروحي مع الجانب العلمي والرياضي والمعرفي اسس الى اتجاهات حياتية واجتماعية كالبوذية والكونفوشية وبرزت اسماء تركت لنا اثرا بليغا على يد طاغور وارياباهاتا وصولا الى غاندي وماو تسي تونك.
لقد كان الاختلاف هو احد سمات الاختلاف الفكري الذي اسس الى ايدولوجيات متعارضة اتضح اثرها الاقتصادي والسياسي لاحقا ومن اهم الأمثلة على تلك المتباينات هي افكار كارل ماركس كمفكر اقتصادي وسياسي قبالة جورج فريدريش هيكل كمفكر مثالي او ادم سميث كمفكر اقتصادي..هنا يبرز دور النتاج العلمي الذي اتبعه المفكر بخضوره العميق ومنهجه الرصين وحجته الناهضة ونتائجه المبهرة ..
ولما سبق يمكن القول بأن شخصية المفكر هي بالضرورة شخصية انسانية ايجابية ذات طابع عالمي تتأثر بالثوابت و بالمتغيرات لننتج المحركات التي تولد فهما لحقيقة الأشياء بمنهج علمي موضوعي وعبر نتاج نوعي مؤثر وهادف وهنا تقدر الإشارة بأن حضور المفكر ليس حضورا عابرا في المشهد الثقافي والحضاري بل هو حضور فاعل ومتفاعل ومؤثر وليس موقتا او لحظيا وهذا ما يميزه عن سواه من المثقفين المعاصرين له.
فاين هذا وذاك ممن ينعتهم بعض الإعلاميين بأنهم مفكرون لغاية في نفس يعقوب..
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟