حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 02:25
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ذات يوم وعلى مائدة الغداء دار نقاش خفيف ومرح حول بعض الظواهر وابطالها. لقد وصفت حينها احد بطل احد المواقف بانه شخص بوهيمي ، والبطولة هنا لا تعني بالضرورة الشجاعة والسيادة والقوة والتمكن في جانب ايجابي تتوق اليه العامة قبل الحاصة لقد اثار ذلك الوصف نقاشا دعاني لاحقا ان اكتب فيه هذا المقال (هذا جزؤه الاول ) مرتجيا ان يلخص ما يمكن في بضع قفشات لما ازعم انه متنشر وواسع في التاريخ والجغرافيا من مفاهيم معرفية ثقافية في العلم والأدب والفن والفكر والفلسفة!
أرى من المناسب ان اطرح بعض الأسئلة لتكون شواخص ماثلة لتحديد مسارات البحث وهذا هو على ما اعتقد سيمثل المنهج المناسب لتغطية مناسبة لموضوع ثقافي قابل للنشر على منصة ثقافية بهدف الفاىدة العامة وليس كبحث اكاديمي لاغراض بحتة...
على ان منهج البحث العلمي البحث او التطبيقي هو الاخر بدوره ايضا يحاول الاجابة على الأسئلة الكبرى والتي تخص الماهية والكيفية والظرفية.
ماي البوهيمية ومن هو البوهيمي؟ ومن أين أنت التسمية ؟ ان الخوض في البحث عن إجابات لهذه الأسئلة سيرفر خلفية مناسبة للموضوع يمكن ان تقود الى المجموعة التالية من الأسئلة.
تعد البوهيمية نمطا حياتيا وموقفا فكريا يقوم على تقديم الحرية الشخصية، والصدق مع الذات، والبحث عن الجمال والمعنى، على الالتزام بالقيود الاجتماعية، والمظاهر الطبقية، والسعي المادي.
وعلى هذا فان من اهم خلاصها : الحرية وكره قيودها الانضباط و الابتعاد عن النفاق الاجتماعي والميل الى قيم الفن والجمال وحب الترحال وعدم الاستقرار..
وهذا بالضرورة يعني ان البوهيمي هو الشخص الذي قرر ألا يعيش وفق كتاب القواعد الذي كتبه الآخرون، وفضّل أن يصوغ حياته كلوحة فنية خاصة ، وهنا يبدو الاشخاص البوهيميون بشكل ما اكثر غرابة وغرفة عن مجتمعاتهم. الامر الذي ستكون له امتدادات فكرية وفلسفية ثقافية كالعبثية واللاانتماء واللا وجوددية..
وعلى الرغم من ان البوهيمية ترتبط من ناحية التسمية بأسباب تاريخية وجغرافيا حديثة نسبيا مرت بعدة مراحلة لكنها كظاهرة سلوكية قديمة جدا وتشير المقارنات الى انها تمتد الى عصور التاريخ القديم وفي السطور الثالية نبذة عن التسمية ومراحل تطورها
1. اصل التسمية تعود إقليم بوهيميا الجغرافي: كلمة "بوهيميا" تُشير أساساً إلى منطقة تاريخية تقع في جمهورية التشيك الحالية.
2. الربط الخاطئ مع "الغجر": في فرنسا خلال القرن الخامس عشر، وصل الغجر (الرومانيون) القادمون من الشرق عبر إقليم بوهيميا التشيكي. لذلك، أطلق الفرنسيون عليهم اسم "البوهيميين" ظناً منهم أنهم قادمون من ذلك الإقليم تحديداً. وكان الغجر يعيشون حياة رحّالة غير مستقرة، ملونة بالرقص والموسيقى، وخارجة عن المعايير الاجتماعية الفرنسية التقليدية.
3. التحول الأدبي والفني (القرن التاسع عشر): في منتصف القرن التاسع عشر في باريس، بدأ الكُتّاب والفنانون الشبان الذين عاشوا حياة فقيرة، حرّة، وغير منتظمة يُقارنون أنفسهم بالغجر من حيث البعد عن التقاليد. وكان للكاتب الفرنسي هنري مورجيه الدور الأكبر في تثبيت هذا المعنى عندما نشر كتابه الشهير "مشاهد من الحياة البوهيمية"عام 1851، والذي تحول لاحقاً إلى أوبرا "لا بوهيم" الشهيرة لبوتشيني. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الكلمة تُطلق على كل من يعيش حياة فنية مجردة من القيود المادية والاجتماعية.
بوهيمية ما قبل التاريخ
إذا طبّقنا تلك المظاهر البوهيمية على مجتمعات ما قبل التاريخ (العصر الحجري القديم وما قبله)، ينقلب المفهوم تماماً:
في ذلك العصر، لم تكن "البوهيمية" تمرداً أو استثناءً، بل كانت هي "الأصل" ونمط الحياة السائد للبشرية جمعاء؛ حيث عاش الإنسان كرحالة، يتنقل بدون ممتلكات مادية ثابتة، متحرراً من الحدود والأنظمة الوظيفية والطبقية التي اخترعتها الحضارة لاحقاً.
لكن، إذا تبنينا المعنى العميق للبوهيمية وهو: "الافتتاح الروحي والفني، والتمرد على مجرد البقاء المادي لصالح الجمال والتعبير الفكري"، فنحن أمام أفراد وشخصيات استثنائية ظهرت في ذلك العصر:
1. "رسامو الكهوف" البوهيميون الأوائل في التاريخ
صُناع الفن في الظلام: في كهوف مثل لاكسو في فرنسا أو ألتاميرا في إسبانيا، صمم إنسان ما قبل التاريخ نقوشاً ورسومات بالغة الدقة.
الوجه البوهيمي: لم يكن الرسام يُنتج أدوات صيد ولا يبحث عن طعام، بل يقضي ساعات طويلة في أعمق طبقات الكهوف المظلمة ليرسم بالحيوانات والألوان الطبيعية. لقد فضّل النشاط الفكري والجمالي على الاستغراق الكلي في قضاء الحاجة المادية اليومية، وهو جوهر الفكر البوهيمي.
2. "الشامان" متسكع العوالم الروحية
التمرد على واقع القبيلة: في مجتمعات الصيد والجمع، كان "الشامان" أو العرّاف شخصية تعيش غالباً على هامش المجموعة؛ يرتدي ملابس غريبة، يعزل نفسه في الطبيعة، ويتناول أعشاباً ونباتات برية لاستكشاف التجريد والروحانية.
البعد البوهيمي: كان يرفض المنطق التقديري اليومي للقبيلة (الصيد والجمع فقط)، مقابل التعمق في الأحلام، الموسيقى الإيقاعية البدائية، والتأمل في الكون ومظاهره.
3. الصانع المبتكر للمجوهرات والأدوات غير النفعية
قبل عشرات الآلاف من السنين، بدأ إنسان ما قبل التاريخ بصناعة قلائد من الأثواب المصدفة والخرز العظمي، ونحت التماثيل الصغيرة (مثل تماثيل "فينوس" البدائية).
صنع هذه الأشياء يستغرق وقتاً طويلاً دون أن يمنح صاحبها طعاماً أو مأوى. التفرغ لصناعة أشياء لا فائدة مادية مباشرة لها سوى الجمال أو الرمزية هو أول خروج بوهيمي في تاريخ البشرية عن "الضرورة المادية".
الثورة الزراعية
لقد غيرت الزراعة كل شيء وهذه من المفارقات الكبيرة
قبل الثورة الزراعية: كان المجتمع البشري بأكمله مجتمعاً "بوهيمياً" بالمعنى الحديث: لا توجد ملكية أرض، لا توجد بيوت ثابتة، ولا تراكم للثروات؛ فالجميع يترحلون ويعيشون يومهم بيومهم.
بعد الثورة الزراعية (قبل نحو 10,000 سنة): استقر الإنسان، وبنى الجدران، وجمع الثروات، واخترع الوظائف والطبقات الاجتماعية.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الزراعة والاستقرار هما "الأصل"، وأصبح من يعود إلى نمط حياة الترحال، والحرية الفكرية، والزهد في الماديات يُصنّف كـ "بوهيمي" خرج عن النمط السائد!
لا يوجد "أدب مكتوب" بمفهومه الحديث في حقبة ما قبل التاريخ ؛ لأن تعريف "ما قبل التاريخ" علمياً وتاريخياً يعتمد بالأساس على الفترة التي سبقت اختراع الكتابة (نحو 3200 قبل الميلاد في سومر ومصر).
ولكن، إذا انتقلنا إلى "التراث الشفاهي القديم" والأساطير التي دُوّنت مع بداية عصر الكتابة في الفترة ما قبل الميلاد ، فإننا نجد بالفعل شخصيات وأبطالاً ملحميين جسّدوا النمط البوهيمية بأجلى صوره.
بالإمكان الاشارة الى أبرز الأبطال الأسطوريين ما قبل الميلاد الذين ينطبق عليهم هذا الوصف:
1 أنكيدو (ملحمة كلكامش، نحو 2100 قبل الميلاد)
يُعد أنكيدو في التراث الرافديني القديم النمط البدائي والأوضح لـ "البطل البوهيمي البري":
عاش خارج المدنية: كان يعيش في البرية مع الحيوانات، يعري جسده، ويشرب من الغدير، رافضاً قيود المدينة والحضارة التي يمثلها جلجامش في أوروك.
البعد البوهيمي: يمثل أنكيدو الفطرة الإنسانية الحرة والمتمردة على الطبقية والأسوار والقوانين التي تفرضها السلطة والمدينة، وكان حضوره هو المحرك الذي جعل جلجامش نفسه يتخلى عن عرشه ومظاهره ليخوض رحلة بوهيمية للبحث عن سر الحياة.
2. آخيل (إلياذة هوميروس نحو 800 قبل الميلاد)
رغم كونه محارباً ورئيساً لمملكة، إلا أن سلوك آخيل في ملحمة الإلياذة يُظهر بوهيمية متمردة شديدة الوضوح:
التمرد على السلطة: عندما نشب الخلاف بينه وبين الملك أجاممنون حول إحدى السبايا، أعلن آخيل اعتزاله الحرب بدم بارد، وضرب بعرض الحائط كل الأوامر العسكرية والتقاليد السائدة.
تفضيل المعنى على الحياة التقليدية: اختار آخيل حياة قصيرة مليئة بالحرية والمجد والفن (كان يعزف على القيثارة في خيمته أثناء الحرب)، رافضاً العودة لحياة الحكم والاستقرار المادي الهادئ.
3. أوديسيوس ( أوديسة هوميروس)
الترحال الأبدي: قَضى أوديسيوس عشر سنوات يتنقل بين البحار والحرية والجهول، ورغم أن هدفه كان العودة لوطنه "إثاكا"، إلا أن شخصيته كانت مدفوعة بـفضول بوهيمي عارم لاستكشاف المخاطرات والعوالم الغريبة (مثل مواجهته للساحرة سيرسي والسيرينات).
رفض الخلود مقابل الحرية والإنسانية: عندما عرضت عليه النمف كاليipso الخلود والعيش معها كإله، رفض ذلك مفضلاً إنسانيته المليئة بالألم والمغامرة والترحال.
4. كايخسرو وجمشيد (الأساطير الفارسية القديمة)
في الأساطير الفارسية القديمة (المجمعة لاحقاً في الشاهنامه) ، تظهر شخصيات ملكية تترك العرش والسلطة والماديات متجهة للزهد والترحال في الجبال والأزقة، بحثاً عن الحقيقة الروحية العميقة، وهو موقف بوهيمي راديكالي يفضل الروح والفكر على زينة الملك.
خلاصة الجزء الاول :
فكرة "البطل الذي يرفض القوانين المكتوبة، ويكره قيود المدينة والجاه المادي، ويفضل الحرية والترحال والاستكشاف الفردي" هي فكرة أصيلة في الوجدان البشري، وجدت في أقدم الأسطوريات والقصص الشفاهية لإنسان ما قبل الميلاد قبل أن تُسمى بـ "البوهيمية" بآلاف السنين.
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟