أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد














المزيد.....

البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 12:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لابد من التنويه هنا بأننا نناقش المواقف بصرف النظر عن الابستمولوجيا او الانطولوجيا ولا نتبنى موقفا معينا محددا ازاء السرديات الشائعة .إذا كانت البوهيمية في تمظهراتها الحديثة قد ارتبطت برفض النمط البرجوازي بانحيازها للفن والحرية، فإن جزئها العميق في التاريخ الإنساني لم يكن سوى صرخة روحية متمردة ضد تسليع المقدس. في كل عصر تطغى فيه "المؤسسة الدينية" وتتحول فيه المعابد إلى هياكل مادية فارهة والطقوس إلى استعراضات شكلية، تظهر "البوهيمية الروحية" كصمام أمان يُعيد الدين إلى أصله العاري والمجرد هنا تصبح الروح في مواجهة مباشرة مع الكهنوت لم يكن هؤلاء الثوار والزهاد خارجين عن الإيمان، بل كانوا مصلحين استخدموا "الفقر المختار، والترحال، ورفض المؤسسة" كأداة لتطهير الروح وإعلان الاتصال المباشر بالمطلق دون وساطة الكهنة والفقهاء.وعندما يصبح الفقر والترحال موقفاً على أيدي ابطال بوهيمينن اسسوا للمواقف ولكنهم لم يحتكروها. نذكر منهم:
سيدارتا بوذا: الخلع المالي للعرش (القرن 6 ق.م)
يمثل بوذا الذروة في التمرد على النظام الطبقي والكهنوت البراهمي الصارم في الهند القديمة. لم يكتَفِ بوذا بنقد الجمود الشكلي، بل مارس بوهيميته الروحية بأعلى صورها:
الهروب الكبير: خلع ثيابه المذهبة وترك زوجته وعرشه في منتصف الليل، رافضاً حياة الدعة والجاه.
التصعلك والتجرد: حلق شعره وارتدى أسمالاً بالية، وعاش سنوات يتجول حافي القدمين في القفار، يقتات على التسول، وفرض على رهبانه الترحال الدائم وعدم تملك أكثر من ثوب واحد وكأس للماء.
ماني الحكيم: نبي الألوان والترحال (القرن 3 م)
صنع ماني تجربة فريدة جمعت بين "النبوة، الفن، والترحال"؛ حيث ثار على الكهنوت الزرادشتي والمادية الإمبراطورية:
انه نبي الرسامين الذي رفض الجمود النصي واختار أن يرسم كتبه المقدسة بنفسه بألوان زاهية وجماليات بصرية ساحرة.
الحياة المرتحلة: عاش جوّالاً بين بابل وفارس والهند، ورفض الاستقرار في القصور الملكية، فكانت حياته مزيجاً بين الشغف الجمالي والزهد الراديكالي.
يوحنا المعمدان: صرخة في البرية (القرن 1 م)
جسّد يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا) الرفض الصارم للمؤسسة الكهنوتية في أورشليم:من اشهر ملامح بوهيميته
زهد القفار: اتخذ من الصحراء مقراً لرسالته، يرتدي ثوباً من شعر الإبل ويقتات على الجراد والعسل البري.
المعمودية المجانية: أتاح "التوبة والمعمودية" مجاناً في مياه نهر الأردن، كاسراً احتكار الكهنة للقرابين والرسوم المالية داخل المعبد.
يسوع الناصري: المعلم الجوّال (القرن 1 م)
يقدم السيد المسيح النموذج الأعلى للترحال والتجرد من العرش والمادية ومما يذكر له:
الترحال المطلق: طاف القرى والحقول دون أن يملك بيتاً، مؤكداً فلسفته بعبارته الخالدة: "لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْنِدَ رَأْسَهُ".
طرد الصيارفة: في لحظة تمرد علنية على تسليع الدين، قلب طاولات الباعة داخل المعبد، وانحاز لكادحي القاع والمهمشين ساخراً من التكلف البرجوازي لرجال الدين آنذاك.
لاحقا ستظهر البوهيمية على شكل ثورة الزهد ضد ثراء المؤسسة الكهنوتية. ففي العالم الغربي هناك حيث حصل التمرد على كنز البابا على ايدي:
القديس فرنسيس الأسيزي: ابن تاجر الحرير الثري الذي تجرد من ملابسه الفاخرة علناً في الساحة العامة وقف عارياً، ليمشي حافي القدمين بزي الخيش، مفضلاً الصلاة في الطبيعة وتأسيس رهبنة قائمة كلياً على الفقر المدقع والتسول.
بيتر فالدو (فقراء ليون): وزع ثروته التجارية كاملة وهبط إلى الأسواق بملابس رثة يعظ الناس باللغة الشعبية، ممارسا حريته الروحية خارج الإكليروس والشرعية الكنسية.
اما في الشرق الإسلامي فان البوهيمية ستظهر متمثلة بالتصوف الملامتي والقلندري وعلى ايدي
الحسين بن منصور الحلاج: ثار على الفقه الجاف الموالي للسلطة العباسية، واختار التسكع بأسمال بالية في أسواق بغداد، يناجي الحق بوجدانيات متمردة ودفع حياته وثمناً لصدقه الروحي.
شمس الدين التبريزي: الدرويش الجوّال الذي حطّم التكلف الأكاديمي لجلال الدين الرومي، فألقى بكتبه في الماء وسحبه من سجادة الإفتاء ليصنع منه رقصة المولوية وجنون العشق الإلهي.
إبراهيم بن أدهم: الأمير الذي خلع عرش بلخ واستبدل الحرير بسمل راعٍ بسيط، متصعلك في الشام ويعمل حطاباً وناطوراً ليأكل من كسب يده رافضاً المال العام والهدايا.
نخلص من الجزء الثالث بان هؤلاء الأنبياء والزهاد والدراويش لم ينفصلوا عن واقع مجتمعاتهم عَبَثاً، بل كانوا النموذج التأسيسي الأول الذي استلهم منه أدباء وفنانو العصر الحديث روح التمرد. لقد أثبتوا أن الفقر والترحال والرفض حين ينطلق من موقف أصيل، يتحول إلى قوة زلزالية تهدم النفاق الاجتماعي وتُعيد للروح إنسانيتها.
في الجزء القادم (4): سننتقل من عرش الروح إلى عرش الحكم والسياسة؛ لنطرح السؤال المعقد: هل يمكن للسياسي أو الثوري أن يكون بوهيمياً؟ جيفارا وعبد الكريم قاسم، الملك غازي، أنموذجاًت.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد
- الفكر وغاية يعقوب
- حمى التعليم الطبي بين النزعةةالاجتماعية والرغبة الحكومية
- المقامة المونغولية
- باب الدروازة (3) يحكي!
- باب الدروازة (3)
- باب الدروازة (2)
- باب الدروازة (1)
- أفكار نايلون
- مواسم فيسبوكية
- ثقافة المتنبي
- الحزام والطريق من ماو إلى الفاو
- اكشاك السلالم
- بين التعريف والتوظيف
- جمعة مباركة
- الاطرش بالزفة
- الاقتصاد في زمن الكورونا
- الحب في زمن الكورونا


المزيد.....




- الباندا الحمراء والفيلة.. كيف تحافظ هذه الحديقة على برودة حي ...
- الداخلية البحرينية تدعو للاحتفاظ بشرائح الهواتف المسجلة بأسم ...
- الجيش الباكستاني يعلن مقتل ضابط و5 مسلحين خلال عملية أمنية
- سوريا.. إسرائيل تطلق قنابل مضيئة في ريف القنيطرة
- دراسة: تحسين النظام الغذائي بعد الأربعين يطيل العمر لسنوات
- محمد بن سلمان يطلب من ترامب تغليب الحوار ومنع الانجرار إلى ص ...
- روسيا: ثلاثة قتلى و21 جريحا في انفجار بموسكو والجيش يعلن تدم ...
- -برايمت-: الشمبانزي اللطيف حول جزيرة سياحية إلى جحيم
- هدأت الأمواج وعاد المهاجرون.. فهل انتهت أزمة سبتة؟
- كاميرا ترصد لحظة وقوع إطلاق نار مميت في مطعم بولاية أيداهو ا ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد