حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 12:21
المحور:
قضايا ثقافية
تنويه ..
استجابةً لضرورة استيفاء مأزق "ما بعد التخصص" الذي ختمنا به الجزء الثاني، وتفكيك التخوم المعرفية والفلسفية التي يفيض بها العلم والأسطورة إلى ثقافة العصر، تم توسيع هذه السلسلة إلى رباعية ثقافية فكرية؛ بعد الآن كان مخططا لها ان تكون بإجراء ثلاثة ليكون هذا (الجزء الثالث) مدخلاً معرفياً مخصصاً لاستكشاف الآفاق الثقافية للنظريات العلمية والمعارف الموازية، على أن يكون (الجزء الرابع والأخير) هو الموعد المرتقب للاشتباك الميداني للمثقف ومواجهة عصر الخوارزمية
الجزء الثالث: التخوم المائجة: من فيزياء الكم إلى سحر الأسطورة
توطئة: في نزهتننا الفكرية ما بين حواف المعرفة وسيولة الحدود نقول ، إذا كان التخصص الدقيق قد أقام أسواراً عالية لحماية صرامته المنهجية، فإن النظريات المعرفية الكبرى ما لبثت أن أفاضت عن إناء التخصص الضيق لتشكل "آفاقاً ثقافية" عابرة للحقول. إن المفهوم الثقافي المعاصر لم يعد يستمد حمولته من الأدب والفلسفة التقليدية فحسب، بل صار يمتص الرؤى العلمية، والمعارف الموازية، وحتى النزعات الباطنية، ويعيد صياغتها كموجّهات للوعي الجمعي البشري.
من هذه التخوم المائرة بين المختبر والمجتمع، يمتد هذا الجزء لتتبع كيف تحولت الفيزياء الصلبة والبايولوجيا إلى أنطولوجيا فلسفية، وكيف استعاد الإنسان المعاصر الأسطورة والمقدس ليرمم عطشه الروحي في مواجهة جفاف المادية.
زلزال المايكرو: كيف أعادت فيزياء الكم والنسبية صياغة "الأنطولوجيا"؟
لم تكن النظريات العلمية الكبرى مجرد صيغ رياضية أو اكتشافات مختبرية مغلقة، بل مارست قطيعة إبستمولوجية حادة أعادت تشكيل الوعي الإنساني بالوجود والسببية عبر مفارقات تشبه السحر:
1. انزياح الكم وسقوط الحتمية (بين القطة والنرد): حين اقتحمت فيزياء الكم العالم المايكروسكوبي، أطاحت بـ "الحتمية النيوتونية" الصارمة التي كانت ترى العالم كـ "ساعة ميكانيكية" منتظمة. تسللت الرموز الذهنية لهذه الفيزياء من المختبر إلى الثقافة العامة والفلسفة:
مفارقة "قطة شرودنغر": تلك القطة الحبيسة في صندوق مغلق، والتي تحوم بين "الموت والحياة" في آنٍ واحد، ولا يتحدد مصيرها إلا برفع الغطاء والقيام بـ "فعل الملاحظة". أصبحت هذه الصورة المجاز الشهير لسقوط الواقع الصلب الناجز؛ فالواقع في عالم الكم احتمالي عائم لا يكتمل إلا بوجود الوعي الملاحظ!
مساجلة النرد الكبرى: بلغت المفارقة أوجها حين رفض ألبرت أينشتاين هذا العبث الاحتمالي بعبارته الشهيرة: "إن الله لا يلعب بالنرد مع هذا العالم"، ليرد عليه نيلز بور بحسم فلسفي: "يا أينشتاين، كفّ عن إملاء ما ينبغي على الله فعله!". هكذا تسللت الفيزياء الحديثة إلى صلب اللاهوت والفلسفة لتسائل طبيعة الحقيقة وهل العالم حتمي أم احتمالي.
2. التطويع الثقافي للزمن والأبعاد اللانهائية: لم يعد الزمن في الوعي المعاصر ذلك الخط المستقيم الثابت، بل تحول بفضل النسبية والفيزياء النظرية إلى نسيجٍ مرنٍ ينثني ويتمدد. وانتقلت المخيلة الثقافية من تسطح الأبعاد الثلاثة التقليدية إلى أطروحات "الأكوان المتعددة" والأبعاد اللانهائية الملتفة على نفسها، لتفتح للأدب والفلسفة منافذ غير محدودة لإعادة تفكيك مفهوم الوجود والمصير الإنساني.
3. الداروينية والمجتمع (من المعمل إلى مقولة "أصل الإنسان قرد"): وعلى الجانب الآخر، تجاوزت نظرية التطور حدود أحافير البيولوجيا لتتحول إلى مجاز ثقافي وسياسي كوني.
تسربت النظرية إلى الوعي الجمعي والثقافة الشعبية مصحوبة بالتبسيط والاختزال، لتلخصها المقولة الشائعة المتداولة: "أصل الإنسان قرد"، ورغم عدم دقة هذا الاختزال علمياً، إلا أنه أحدث زلزالاً ثقافياً زحزح موقع الإنسان المركزائي في الكون، ونقل الوعي الجمعي من "التصميم الناجز" إلى "الصيرورة والانتخاب الطبيعي".
سقطت مفاهيم "الصراع"، "التكيف"، و"البقاء للأصلح" على الاجتماع البشري، والاقتصاد، والتاريخ، ليغدو التطور الإنساني منظاراً يُسرّب من خلاله تفسير السلوك البشري والمؤسسات الثقافية.
تجارة الوهم وهوس الغيب: علوم التنبؤ وهندسة التوقع
في مقابل رصانة العلم الصلب، تبرز ظاهرة عالمية عابرة للثقافات تتمثل في علوم التنبؤ واستشراف المجهول؛ حيث يلتقي التنجيم القديم وقراءة الطالع بالباراسايكولوجيا الحديثة ليلبي حاجة نفسية وثقافية أزلية:
الباراسايكولوجيا في قبضة المخابرات: لم تكن الظواهر الباراسايكولوجية (كالاستبصار، والتخاطر، والرؤية عن بُعد) مجرد "تسلية شعبية"، بل بلغت من السطوة أن استقطبت اهتمام أجهزة الاستخبارات الدولية الكبرى خلال الحرب الباردة، حيث ضُخت ملايين الدولارات في مشاريع سرية محاولةً تجنيد هذه القدرات في ألعاب الجاسوسية وبسط النفوذ السيادي.
صناعة التوقع وإطفاء القلق الوجودي: تتجلى علوم التنبؤ والتوقع في الثقافة المعاصرة كـ "صناعة إعلامية وتجارية ضخمة"؛ وهي ليست مجرد سذاجة طارئة، بل رد فعل سايكولوجي مركب على جفاف المادية وعجز التقنية عن طمأنة الإنسان تجاه المستقبل. إنها محاولة جمعية لإعادة "السيطرة الشكلية" على الزمن والقدر.
ظلال المقدس والتصوف: من العرفان الكهنوتي إلى السايكولوجيا الحديثة
لا تقف حركية المعرفة عند حدود الظواهر الخارقة، بل تغوص في عمق الظاهرة الصوفية باعتبارها ممارسة وجدانية ومعرفية حاضرة في كل الحضارات (من العرفان الإسلامي والتاوية الشرقية إلى التصوف المسيحي والكبالا):
الجذور الدينية والكهنوتية: تضرب الصوفية جذورها في أقدم الممارسات الكهنوتية؛ حيث سعى السالك على الدوام لتجاوز ظاهر النص والشريعة إلى "الباطن والجوهر"، والانتقال من الإيمان الموروث إلى "المعاينة والتجربة المباشرة" مع المطلق.
البُعد السايكولوجي والباراسايكولوجي: تتقاطع التجربة الصوفية مع السايكولوجيا الحديثة (كما عند كارل يونغ في مفهوم "اللاشعور الجمعي")، حيث تمنح الممارسة العرفانية الإنسان قدرة على تفكيك غياهب الذات، وتجاوز حدود العقل العقلاني الصلب. كما تتماس أحوال التصوف (كالمكاشفة والوجد وجلاء البصيرة) مع الظواهر الباراسايكولوجية، لتثبت أن الجسد والوعي البشري يمتلكان طاقات فيزيولوجية وروحية لم تستغرقها أبعاد العلم المادي بعد.
عالم الأحلام والشرط الروحي: في هذا الفضاء الإشراقي، يُعاد الاعتبار لـ عالم الأحلام كرسائل رمزية عابرة للزمن والفيزياء، لتغدو الصوفية -في النهاية- ممارسة جدارية تحمي [في الجزء الرابع والأخير: الشرط الإنساني وسؤال الوعي في عصر الخوارزمية]
بعد أن اتسعت الآفاق المعرفية من الفيزياء والزمن إلى الباراسايكولوجيا والأحلام، كيف يرتد كل هذا الثراء ليصنع الموقف الأخلاقي والميداني للمثقف؟ كيف يتحول العالم أو المفكر من تقنيٍ مجرد إلى "مثقفٍ عضوي" يحمل الهم الإنساني ويعبر التخصصات والحدود (من طه حسين وعلي الوردي، إلى أنطونيو غرامشي، إدوارد سعيد، ونعوم تشومسكي)؟ سنخوض في الجزء الأخير زبدة هذه الرباعية: خروج المثقف إلى الميدان، ونصل إلى الذروة الحسم: في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، هل ينتهي دور الوعي البشري أم يبدأ عصره الحقيقي؟
إن الثقافة ليست تحصيلاً أكاديمياً مغلقاً ولا حكراً على أهل التخصص، بل هي "الإناء الكلي الذي يمتص العلم الصلب والميتافيزيقا والأسطورة، ليصنع منها المعنى الذي يعيش به الإنسان". من هنا، يتجلى مأزق "ما بعد التخصص": فالتقني أو العالم قد يملك مفاتيح المختبر أو المعادلة، لكنه يظل قاصراً عن فهم أثر اكتشافه في الوجدان البشري ما لم يتسلح بالوعي الثقافي الذي يربط "الكيف والوسيلة" بالغاية الإنسانية والأخلاقية.
في الجزء الرابع والأخير: الشرط الإنساني وسؤال الوعي في عصر الخوارزمية
بعد أن اتسعت الآفاق المعرفية من الفيزياء والزمن إلى الباراسايكولوجيا والأحلام، كيف يرتد كل هذا الثراء ليصنع الموقف الأخلاقي والميداني للمثقف؟ كيف يتحول العالم أو المفكر من تقنيٍ مجرد إلى "مثقفٍ عضوي" يحمل الهم الإنساني ويعبر التخصصات والحدود (من طه حسين وعلي الوردي، إلى أنطونيو كرامشي، إدوارد سعيد، ونعوم تشومسكي)؟ سنخوض في الجزء الأخير زبدة هذه الرباعية: خروج المثقف إلى الميدان، ونصل إلى الذروة الحسم: في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، هل ينتهي دور الوعي البشري أم يبدأ عصره الحقيقي؟
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟