حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 22:47
المحور:
قضايا ثقافية
فقه الموسيقى: مزمار الشيطان ام مزمار داود
يصرف النظر عن تاريخ الفقه و دلالات الألفاظ المتعلقة بهذا الموضوع فلقد وضعت مصنفات فقهية تتناول موضوع الغناء والمعازف والسماع والملاهي والات اللهو كالناي والطنابير والدفوف، منذ العصور الاولى للدين الإسلامي وعلى الطرف الآخر فيمكن القول بان العلماء المسلمين كتبوا في الموسيقى متبنين لفظة الموسيقى ( ذات الأصل اليوناني) ذاتها قديما كرسائل ابي يوسف الكندي المتوفي سنة 256 هجرية وكتاب الموسيقي الكبير لابي نصر الفارابي المتوفي سنة 339 هجرية وكتاب ورسائل اخوان الصفا وخلان الوفا التي ظهرت بحدود 360 هجرية ( رسالة في الموسيقى) وغيرها اما في العصر الحديث وفيما يخص فقه الموسيقى فهي كثيرة لكن أبرزها فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة للشيخ يوسف القرضاوي ،والموسيقى والغناء في الشريعة الاسلامية للباحث محمد بن الأزرق الانجري، والغناء والموسيقي بحث فقهي توثيقي لدروس السيد علي الخامنئي ( بحث خارج)
كما ان كثيرا من المؤلفات الفقهية الاخرى تناولت ذات اللفظة في عناوين نذكر منها كتاب الموسيقى والغناء للشيخ عبد العزيز بن باز والموسيقى وأثرها على الفرد والمجتمع للشيخ صالح الفوزان. ويجدر الذكر هنا ان معظم الفقهاء قديما وحديثا تناولوا هذا الموضوع بمسميات اخرى غير هذه اللفظة
ادناه ملخص شديد لأدلة الاباحة (الحلية) والتحريم من خلال القران والسنة وما ورد من المرويات عند الطرفين ) المحترمين والمجيزين)
الادلة القرآنية : وهي ثلاث آيات
اية لهو الحديث:
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ( لقمان 6 )
فسّر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول "لهو الحديث" بأنه الغناء
اعتمد القرطبي والنحاس على هذا الإجماع المنقول عند الصحابة والتابعين ليقولا إن الغناء "ممنوع بالكتاب والسنة".
في حين رد المجيزون كابن حزم بان سياق الآية نفسه يقيد الحكم فضلا عن ما يراه المجيزين من عدم حجية تفسير الصحابي او التابعي دون النبي
اما من المعاصرين ومنهم الشيخ محمد الغزالي ا سار على هذا النهج نفسه، معتبراً أن الآية لم تُذمّ اللهو بذاته بل قصد الإضلال المقترن به.
آية "وأنتم سامدون" (النجم: ٦١)
فسّرها ابن عباس بأنها "الغناء ، يقال: اسمُدي لنا؛ أي غنِّي لنا"، واستُدل بها على أن السَّمَدَ (الغفلة واللهو المذموم عند نزول القرآن) هو الغناء. لكن هذا التفسير محل خلاف لغوي بين المفسرين أنفسهم، إذ يرى فريق آخر إلى أن السمود هو الغفلة أو الاستكبار بالعموم الغناء تحديداً، فالربط بالغناء استنباط لغوي لأحد المفسرين ولا يمكن البناء عليه كنص قاطع.
آية "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" (الإسراء: 64)
آية "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" (الإسراء: ٦٤)
ذهب بعض المفسرين الى ان "الصوت" هنا هو الغناء والمزامير باعتبارها من أدوات الشيطان في الإغواء، بينما يرى آخرون أن "الصوت" أعمّ من ذلك ويشمل كل دعوة إلى المعصية بأي وسيلة، وليس الغناء مقصوداً بعينه.
خلاصة الموقف القرآني: لا توجد آية صريحة اللفظ في تحريم الغناء بذاته؛ كل الآيات الثلاث تمر عبر تفسير مأثور عن صحابة وتابعين، وهذا بالضبط ما يجعل الخلاف فيها خلافاً في الدلالة والتفسير، لا خلافاً في وجود النص كما هو الحال في مسائل قطعية أخرى.
السنة النبوية: نذكر منها حديثين معروفين
حديث البخاري: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف".
حديث الجاريتين يوم العيد والذي روي عن السيد عائشة: ان ابا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعاث (بالدف)، والنبي مُتغشٍّ بثوبه، فإنتهرهما أبو بكر، فكشف النبي عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا" (رواه البخاري ومسلم)
حديث البخاري المعلّق: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف". عدّوه نصاً صريحاً في تحريم المعازف.
حديث ابن مسعود: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" (رواه البيهقي).
حديث: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة" (رواه البزار).
يرى مجموعة من الفقهاء ان الأحاديث دالة على التحريم
تعد هذه مسألة عريضة في علم الحديث والفقه، وأهل العلم منقسمون فيها انقساماً حاداً منذ القدم. أُلخّص أبرز الأدلة والموقف النقدي منها:
الحديث الأشهر: حديث "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف" (البخاري تعليقاً)
هذا هو عمدة القائلين بالتحريم، لكنه في صحيح البخاري معلّق (بصيغة الجزم "قال هشام بن عمار")، لا موصول الإسناد عند البخاري نفسه. من هنا نشأ الخلاف:
ابن حزم الظاهري (في المحلّى) طعن في الحديث طعناً شديداً، وقال إن في سنده انقطاعاً ، واعتبره منقطعاً غير متصل، وردّ كل أحاديث تحريم الغناء والمعازف بلا استثناء تقريباً، ووصف من يحتج بها بأنه "لا حجة له".
في المقابل، ابن الصلاح، وابن حجر العسقلاني (في فتح الباري)، وابن القيم (في إغاثة اللهفان) دافعوا عن اتصاله، وقالوا إن صيغة "قال" عند البخاري لشيوخه الذين لقيهم تُحمل على السماع لا على الانقطاع، فيكون الحديث متصلاً صحيحاً.
لقد خصّص ناصر الدين الالباني كتاباً كاملاً في (تحريم آلات الطرب) لإثبات اتصال حديث المعازف ، وتتبّع له طرقاً أخرى عند الطبراني وأبي داود والإسماعيلي، وخلص إلى أنه صحيح ثابت رغم التعليق عند البخاري.
وهناك أحاديث أخرى استدل بها الفقهاء منها
حديث "من جلس إلى قينة يستمع منها..." وأمثاله أسانيدها ضعيفة جداً عند أكثر المحققين و بعضها موضوع.
حديث نافع عن ابن عمر في سماع المزمار ووضع إصبعيه في أذنيه صحيح سنداً، لكنه فعل موقوف على ابن عمر لا مرفوع نصاً صريحاً للتحريم، والاستدلال به على التحريم استنباط لا نص.
اما حديث أم سلمة وحديث عائشة في سماع الدف يوم العيد: هذه في الجانب المُبيح، صحيحة، ومنها استدل المجيزون.
خلاصة موقف المحققين
القائلون بالتحريم (ابن تيمية، ابن القيم، الألباني، ابن باز): يصححون حديث البخاري المعلّق ويبنون عليه التحريم مع تخصيصه بالمعازف اي الآلات دون مطلق الصوت.
القائلون بالإباحة أو الكراهة فقط (ابن حزم، الغزالي في إحياء علوم الدين، ابن النحوي، وكثير من المتصوفة كالسهروردي وابن عربي): يرون أن لا حديث صريح الدلالة صحيح السند يحرّم الغناء المجرد، وأن أقصى ما ثبت هو النهي عن أحوال مقترنة به (كالخمر والزنا في السياق المذكور)، لا الغناء بذاته.
فالمسألة إذا" ليست خلافاً في وجود نص، بل خلاف في علم الجرح والتعديل حول اتصال السند الأشهر، وهذا هو بالضبط ما يجعلها من أكثر مسائل الفقه إثارة للجدل بين المحدثين أنفسهم لا الفقهاء فقط.
مرويات الشيعة وموقف فقهائهم
هنا الصورة مختلفة منهجياً لأن الإمامية لا يعتمدون أساساً على أسانيد الصحيحين أو السنن السنية، بل على مصادرهم الحديثية الخاصة (الكتب الأربعة): الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسي، ثم جُمعت لاحقاً في وسائل الشيعة للحرّ العاملي.
الاستدلال القرآني عند الإمامية يمر عبر الروايات المفسّرة: فسّرت رواياتهم "قول الزور" في آية (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) بالغناء، وكذلك "لهو الحديث" في سورة لقمان.
من الناحية الفقهية، يذكر الباحثون أن فقهاء الشيعة متسالمون (أي: لا خلاف بينهم) على تحريم الغناء، لكن الخلاف الحقيقي عندهم ينتقل من صحة السند إلى تحديد ماهية الغناء نفسه (المفهوم العرفي)، لا إلى أصل الحرمة.
المرجعية المعاصرة: يذكر مكتب السيد السيستاني أن حرمة الاستماع والإنصات إلى الغناء والموسيقى المحرّمة وردت في السنة الشريفة، بينما يفصّل السيد الخوئي في "منهاج الصالحين" فيقول إن الغناء حرام إذا وقع على وجه اللهو والباطل، أي إذا كانت الكيفية الصوتية كيفية لهوية، والعبرة بالصدق العرفي، ولا فرق في الحرمة بين وقوعه في قراءة أو دعاء أو رثاء أو غيرها، ويُستثنى منه غناء النساء في الأعراس بشروط.
ان الفارق الجوهري بين المنهجين هو ان أهل السنة يختلفون حول اتصال وصحة سند الحديث (ًحديث البخاري المعلّق على سبيل المثال)، أما الإمامية فالنزاع بينهم أقل حدة من ناحية السند ،إذ ينتقل الخلاف عندهم إلى الجانب الأصولي : أي انه سؤال عن ماهية الغناء المحرَّم عرفاً وشرعاً؟ وهذا بالضبط ما يفتح الباب عند بعضهم لاستثناء السماع الصوفي والإنشاد الديني إذا لم يدخل تحت مسمى اللهو وهي نقطة التقاء مثيرة مع نقاش السهروردي وابن عربي عند أهل السنة.
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟