أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوارزمية (2)














المزيد.....

رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوارزمية (2)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 22:31
المحور: قضايا ثقافية
    


نقل النمط الإدراكي وتشكُّل الغباء الاصطناعي
في الجزء الأول من هذه المقالة، تتبعنا كيف يتشكل التفكير المباشر في السلوك الإنساني والمؤسسي؛ بدءاً من الروح الدبورية وما تحمله من شفرة غريزية صلبة تحسم الفعل بآلية صماء، وصولاً إلى مأسسة هذا النمط داخل هيكلي الدولة والشركة عبر ما يُعرف بالغباء الوظيفي وتأطير الجماهير.
وفي هذا الجزء نصل إلى المحطة الأكثر تعقيداً في هذا المسار: دور الذكاء الاصطناعي في تخليق الغباء وجعله صناعياً.
إننا لا ننظر هنا إلى الذكاء الاصطناعي ككيان عاجز أو غبي بحد ذاته، بل بوصفه الماكينة التقنية الأقوى التي بنيت لتوليد السطحية وتعميمها بمعنى تحويل التبسيط والقصور الإدراكي من مجرد زلة بشرية عفوية إلى منتجٍ مُصنّع ومُصمّم بمهارة فائقة. لقد قلدت الخوارزميات تلك الأنماط الإستجابية المغلقة التي وُلدت في الطبيعة بعد تجربتها في أروقة المؤسسات، وحولتها عبر قدرات معالجة هائلة إلى أدوات لتفتيت التفكير المركب. هكذا تكتمل الأحجية: ذكاء اصطناعي فائق في خدمته، يقابله غباء مبرمج وجريء يجري تخليقه يومياً لتأطير المجتمعات وتسهيل قيادها.
ويتجلى هذا التفتيت السلوكي حين تتحول الخوارزمية في تطبيقاتنا اليومية من مجرد أداة حسابية إلى مهندس سلوكي يضغط البشر داخل قالب حجري موحد، خدمةً لثلاثي المصلحة الحاكم: المال، التنبؤ، وسلطان الهيمنة.
ينسحب هذا أولاً على البُعد التربوي والاجتماعي ، حيث تعتمد منصات (تيك توك على سبيل المثال) وأنظمة التوصية على قياس زمن الانتباه بالملي ثانية. الخوارزمية هنا لا تعنيها تنمية التفكير النقدي لدى الطفل أو الطالب، بل تدرب العقول على الدوبامين السريع عبر اختصار المعرفة في مشاهد خاطفة، مما يضرب القدرة على التحليل المفهومي ويفتت السلوك الاجتماعي إلى محاكاة صماء لـ "تريندات" متكررة.
ثم يمتد الأمر مباشرة إلى الجيب ، إذ تستخدم شركات مثل أمازون وأوبر خوارزميات التسعيرة المتحركة والإعلانات الموجهة. هنا تُجرد الخوارزمية المستهلك من أبعاده الإنسانية لتستغل حاجته اللحظية—رفع سعر الرحلة وقت المطر مثلاً—حاصرةً الإنسان في دور كائن استهلاكي مدفوع بآلية الخوف، فقط لضمان تدفق الأرباح إلى جيب الاحتكار.
تتمدد آلية التفكيك هذه لتطال أعمق التحفيزات النفسية والبيولوجية، كما في صناعة المحتوى الإباحي الرقمي. في هذه المنصات، اذ تُختزل العلاقات الإنسانية والوجدانية المركبة في شفرة غريزية خاطفة وآلية (مثير/ استجابة). وعبر خوارزميات التوصية المباشرة، يُحبس الفرد في حلقة تفريغ آلي فشلّ تفكيره النقدي، وتستقر دوافعه النفسية داخل قالب استهلاكي دائم يُترجم في النهاية إلى أرباح طائلة
وعلى الصعيد السياسي، تكتمل حلقة التسخير بالانتقال إلى صناعة القطيع المبرمج. تجلت هذه الهيمنة في فضائح توجيه البيانات مثل كامبريدج أناليتيكا، حيث لم تعد الخوارزميات تُقنع الناس ببرامج سياسية عقلانية حين أصبحت تفرز الملايين بناءً على نقاط ضعفهم النفسية كالخوف والغضب، وتضخ لهم إعلانات موجهة لتهييج سلوكهم الانتخابي المباشر، حاشرةً الجماهير ضمن اطر استقطابية ضيقة تمنع النقاش الواعي بما يسهل قيادة تسهل الحشود.
وفي مقابل هذا التنميط المحكم، جاءت حادثة الكشف عن وثائق ويكيليكس كزلزال كاشف؛ إذ أزاحت الستار عن الغباء المؤسسي والآلية الصماء الباهتة التي تدير بها الدولة والشركة الشؤون الإنسانية بعيداً عن الشفافية، حين يُختزل القتل والدمار في تقارير إدارية محنطة. لكن رد فعل المنظومة كان نموذجياً وسريعاً حيث تم استدعاء الشفرة الخوارزمية والتضييق المالي والحجب الرقمي وتعديل محركات البحث لخنق انتشار التسريبات. لقد أثبتت هذه الحالة أن النظام لا يسمح بكسر القالب الحجري، ويعيد تشكيل قواعد اللعبة فوراً لحماية سلطانه وجيبه من أي تفكير نقدي يهدد استقراره.
المفارقة الكبرى هنا أننا لسنَا أمام عجز في التقنية لكننا أمام غباءٍ صريح ومُصنع، يجري تدليله وتمريره في حضرة ادعاء الذكاء هنا يجب القول بان الخطر لا يكمن في أداء الآلة ذاته انما مرده الى النظام الفني والاقتصادي الذي صمم بإرادة كاملة بيئةً تمنح هذا التبسيط البشري المصطنع هالةً من القداسة والموضوعية وتحت رعاية هذا الذكاء الفائق، يُعاد تعريف السطحية كسرعة إنجاز، وإلغاء التفاصيل كذروة في الذكاء، والتنميط كاستقرار اجتماعي.
نصل في النهاية إلى المعادلة القصدية التي يُدار بها العصر: الذكاء الاصطناعي هو من يُخلق الغباء ويجعله صناعياً، وهذا الغباء المُصنّع هو الغذاء اليومي والمادة اللازمة لديمومة هذا الذكاء وقوته.
إننا محشورون اليوم في التوزيع الطبيعي المتناظر (منحنى جرس غاوس)؛ حيث جرى ضغط السواد الأعظم من البشر في قمة المنحنى ليكونوا حطب المنظومة ومادتها الاستهلاكية، بينما يُدفع بالتفكير النقدي والوعي المركب إلى أطراف قصية ومهمشة. لكن هذا المنحنى ليس ثابتاً للأبد. إن تغذية النظام على تبسيط الواقع وتنميط الإنسان يخلق حتماً لحظة انقطاع حاد ، لحظة تتصادم فيها شفرة الآلة الصماء مع تعقيدات الواقع الفيزيائي والنفسي للبشر. عندها سيندق جرس "غاوس" حاسماً، ليُعلن أن الغباء الذي تم استدعاؤه وتصنيعه لتثبيت سلطان الهيمنة والجيب، قد أصبح هو نفسه السبب في انهيار الهيكل برمته من الداخل.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
- البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
- البوهيمية (4): ثوار العرش وشهداء الموقف
- البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد
- الفكر وغاية يعقوب
- حمى التعليم الطبي بين النزعةةالاجتماعية والرغبة الحكومية
- المقامة المونغولية


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني ...
- بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ ...
- كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا ...
- سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس ...
- تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
- الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
- إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها ...
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر ...
- مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوارزمية (2)