حسن الشرع
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:45
المحور:
قضايا ثقافية
الجزء الأول: آليات التفكير المباشر في السلوك الإنساني والمؤسسي
ان الفكرة الشائعة عند عامة الناس بل وجزء كبير من خاصتهم ان مفهوم الغباء هو نقيض الذكاء وبما ان الذكاء يعد ظاهرة معروفة بكونها محمودة ونافعة للفرد وللمجتمع وان صاحبها يحظى بالتميز، فقد انبرى لدراستها تحليليا وبايولوجيا ونفسيا كثير من العلماء فصنعوا المعايير والمقاييس للأجناس والأعمار والبنيات ودرسوا تأثرها بالبيئة وتأثيرها عليها من النواحي جميها. بل ان بعض الكتاب ادلجوا المقام فتعنصروا لصالح مجموعة بشرية او اخرى مستفيدون من نتائج إحصائيات الإستبيانات الاستقراءات لانخضع لضوابط علمية ليروجوا لأفكار أو معتقدات عنصرية ..وبالمقابل فان من تحدث عن الغباء باعتباره ظاهرة سلوكية مقابلة للذكاء قليلون والحصيلة ان الغبي يعرف من خلال نموذج الذكي .هذه المقالة محاولة لعرض مفهوم الغباء بعيدا عن التأثير والتأثر بالمفاهيم والاخرى ذات الصلة او بدلالاتها إذ ليس من المنهج القويم ان اطلب منك تعريق الباطل فتقول لي ان الحق هو كذا وكذا والباطل هو ما يقابله ضدا ومعنى ودلالة بل وحتى لغة. نعم قد يصح هذا لغويا او بلاغيا او شعريا كما جاء فيما نسب لعمرو بن ربيعة :
فالوجه مثل الصبح مبيضٌّ ... والفرع مثل الليل مسودُّ
ضدان لما استجمعا حَسُنا .... والضد يُظهر حُسنه الضدُّ
ولعل من المفيد القول بان هذا المنهج لا يصلح في تناول قضايا او مواضيع كالتي هي فيد البحث في هذا المقال.
الجزء الأول: التجليات البشرية والمؤسسية.. كيف نصنع نمطنا المباشر في المعالجة؟
1. المفهوم خارج القوالب النمطية.
هناك انطباع شائع يختصر ما نسميه غباءً في كونه مجرد نقيصة عقلية أو حظ عاثر في توزيع القدرات الذهنية. لكن النظر في هذا السلوك بجهد تحليلي أعمق يُظهر أنه ليس مجرد عجز، بل نمط تلقائي ومباشر في المعالجة الإدراكية؛ أسلوب تعاطٍ يعتمد على اختصار المعطيات، وتفادي التعقيد، وحسم الموقف بأسرع طريقة ممكنة.
البشر لا يعتمدون هذا النمط لأنهم بلا عقول، بل لأن الدماغ البشري كائن اقتصادي بطبعه. التفكير التحليلي العميق مكلف جداً بيولوجياً؛ يستهلك الكثير من الطاقة والجهد العصبي. ولو قرر أي منا إخضاع كل شاردة وواردة في يومه للحسابات الاستراتيجية والتحليل النبيل، لأصابه الشلل الإدراكي وتوقفت عجلة حياته. السلوك المباشر هو حيلة الطبيعة لاقتطاع التكلفة وإنجاز التفاصيل الروتينية دون تفكير مفرط.
2. ميزان سيبولا والنتيجة العملية
تتعدد الزوايا التي قُرئ بها هذا السلوك، لكن القراءة الأشد صرامة جاءت على يد المؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلو سيبولا . في معالجته الشهيرة للظاهرة، أخرج سيبولا المفهوم من خانة الذكاء الأكاديمي ووضعه في خانة المخرجات؛ فعرّف الفرد المتبسط في هذا المربع : الشخص والمجتمع مقابل الفائدة والضرر بأنه: «من يتسبب في إلحاق الضرر بالآخرين، دون أن يحقق لنفسه أي نفع ملموس، بل إنه قد يلحق الضرر بنفسه أيضاً في مسار الفعل ذاته».
تكمن خطورة هذا النمط وفق سيبولا في أنه عصي على التنبؤ. الشرير يُمكن فهم حركته لأنه يطارد منفعة شخصية، أما السلوك المباشر الشديد العشوائية فقد يهدم المعبد على من فيه بلا محفز نفعي واصل، وهو ما يجعله أشد خطورة في المؤسسات إذا تُرك بلا إدارة حكيمة.
3. الجذر الحيوي: الجمود السلوكي
هذا الميل للتفكير المباشر المبرمج ليس اختراعاً بشرياً بالكامل، بل له أصول حيوية رصدها علماء أحياء السلوك وعلم النفس المقارن. يتحدث بعض المفكرين عما يُسمى "الجمود السلوكي" لدى الكائنات الحية؛ حيث يُمارَس سلوكٌ يبدو ذكياً في ظروفه الطبيعية، لكنه يتحول إلى كارثة إذا تغيرت الشروط.
تظهر هذه الظاهرة بوضوح في "دوامة الموت" عند النمل؛ فعندما تفقد نملة كشافة الأثر الكيميائي، تبدأ في اتباع النملة التي أمامها مباشرة في حلقة دائرية مفرغة، ويسير السرب بالكامل خلف بعضه حتى يموت من الإرهاق. كذلك رصدت احدى الدراسات المميزة في علم الحشرات الدبور الحفار الذي يُصر على إعادة طقوس فحص جحره في كل مرة تُحرك فيها فريسته بضعة سنتيمترات بعيداً عن المدخل. هذا السلوك البنيوي المبرمج (الروح الدبورية) يثبت أن النمط المباشر أداة حاسمة في البيئات المستقرة، لكنه يتهاوى فور غياب المرونة ا
4. المفارقة القيادية: من يقود من؟
تظهر القوة الحقيقية لأسلوب التفكير المباشر في مساحات السلطة والنفوذ. فإدارة المؤسسات والقيادة السياسية لا تتطلب دائماً عقولاً غارقة في الاستراتيجيات المعقدة، وانماط التخطيط الابداعي البعيد الاجل بل تتطلب شيئاً يتفوق فيه هذا النمط اذ يتطلب الامر قرارات بالحسم متجاوزة التردد.
حيث يتحرك صاحب النمط المتبسط والمسطح بقناعة شبه كاملة ضد شكه الذاتي، وهذا يمثل التجسيد الحي لما يُعرف نفْسياً بـ تأثير دانينك-كروكر. هذا اليقين المطلق يقرأه الجمهور بانه شجاعة وكاريزما، فالشارع في لحظات القلق لا يبحث عن مفكر يطرح أسئلة شائكة، بقدر ما ينحاز الى قائد يقدم إجابات حاسمة ومبسطة.
تتضح هذه المفارقة في التعريف الساخر والمصيب للسياسي بأنه: (الشخص المباشر الذي يمتلك من الجرأة واليقين ما يُمكّنه من قيادة مجموعة من الأذكياء والمساعدين). ان القيادة هنا تشبه توزيعاً للوظائف الإدراكية: يتفرغ المساعدون والتكنوقراط لمعالجة التفاصيل وتفكيك المعطيات من خلف الستار، بينما يتولى القائد مهمة التوقيع وإصدار القرار دون أن يتردد او يرتبك بالشكوك.
شهد التاريخ صعود نماذج ليست قليلة اعتمدت على هذا التبسيط الشديد، فمثلا اطلق رونالد ريغان الشعار الذي حسم به مواقفه السياسية بعبارات واضحة، أو تجربة جعفر النميري في السودان بقراراته الحاسمة والمتقلبة دون تردد، وصولاً إلى نجاح بوريس جونسون في تعبئة الجمهور حول البريكست عبر شعار مباشر (لندع البرسكسيت يمضي). بل تحفل كتب التاريخ العربي والإسلامي بأمثلة لحكام عُرفوا بسطحية أدواتهم التكتيكية واستمرارهم في الحكم سنوات طويلة استناداً إلى قوة الوزراء والكتّاب؛ كما كان الحال في بعض فترات الخلافة العباسية (كالخليفة المقتدر بالله) أو السلطنة العثمانية (كالسلطان إبراهيم الأول).
5. السلوك الجمعي وعقل القطيع
لا يبقى هذا النمط حكراً على الفرد، لكنه ربما ينفجر عندما يتحرك داخل الحشد. كما أشار غوستاف لوبون في دراساته الشهيرة حول سيكولوجية الجماهير، فإن الانخراط في الجمع يؤدي إلى "تلاشي الشخصية الواعية". يذوب الفرد في عقل جمعي بدائي يُلغي التفكير الذاتي النقدي، وتصبح الاستجابة العاطفية المباشرة هي المتحكمة في الموقف.
تنتقل المشاعر داخل الحشد عبر آليات عصبية تشبه العدوى كانتشار الخوف أو الغضب وغيرهما من المشاعر التي تنتشر بين الناس أسرع بكثير من الأفكار المنطقية. هذا السلوك الجمعي يمنح الجماعة قوة اندفاعية هائلة، لكنه يجردها من القدرة على المراجعة، مما يسهل توجيهها بشعار بسيط أو عدو متخيل.
6. السيولة والتغير السلوكي والمستويات المجتمعية
من الخطأ تصنيف التفكير المباشر كطبقة جامدة أو وراثة مقفلة؛ هو في الواقع حالة ذهنية متغيرة يتنقل بينها جميع البشر وفق ظروفهم:
ان هذه الحركة تخضع الى قانون التوزيع الاعتيادية بما يعني وجود كتلة وسطى( تحتوي على النزعة المركزية وكتلتين على طرف المنحني الكاوسي أحدهما تمثل حالة الذكاء والاخرى تمثل حالة الغباء (السلوك المباشر)
الكتلة الصلبة (15% – 20%): وهي النسبة التي تعتمد هذا السلوك المباشر واللاعقلاني بصفة دائمة وفق ملاحظات سيبولا، وتتوزع بالتساوي بين كل الفئات التعليمية والاجتماعية.
الكتلة الوسطى (60% – 70%): أغلبية الناس الذين يملكون أدوات التحليل، لكنهم ينزلقون نحو السطحية تحت ضغوط الحياة وتعب اتخاذ القرارات.
الكتلة التحليلية (10% – 15%): المتمسكون بالتفكير النقدي والمعقد بأسلوب استراتيجي مستمر.( الذكاء)
ينزل الفرد من التحليل إلى السطحية بفعل الإرهاق الإدراكي ، أو نتيجة الضغط العاطفي والخوف، أو رغبةً في مسايرة الجماعة تفادياً للعزلة. وفي المقابل، لا يصعد نحو التفكير التحليلي إلا عندما تكون هناك بيئة تفرض المساءلة، أو الوعي الذاتي بطريقة تفكيره ومراجعتها.
7. التصنيع المؤسسي للغباء
في العصر الحديث، تم تنظيم هذا النمط المباشر وتأطيره داخل المؤسسات الكبرى تحت مفهوم "الغباء الوظيفي" (-function-al Stupidity) الذي طوره الباحث ماتس ألفيسون (Mats Alvesson).
تُجبر الشركات موظفيها على تعطيل الأسئلة النقدية الجوهرية كي لا تتعطل السلسلة الإدارية، وتكافئ الامتثال السريع للإجراءات. يظهر هذا بوضوح اليوم في اقتصاد الانتباه؛ حيث تصمم المنصات خوارزميات تقطع المحتوى إلى جرعات خاطفة تثير التفاعل الفوري، مما يعيد تدريب الدماغ البشري على السطحية لتعظيم الأرباح، ناهيك عن استخدام (وحدات التوجيه السلوكي) في الحكومات لتوجيه الجماهير عبر حوافز بسيطة تتفادى النقاش العقلي الطويل.
تثبت هذه القراءة أن النمط الإدراكي المباشر – بمظاهره الإنسانية والحيوانية والمؤسسية جميعا لم خللاً طارئاً، انما هوأداة حتمية لحفظ الطاقة( بالمعنى الاجتماعي ) وصنع الفعل في عالم معقد. غير أن القصة لم تقف عند هذا الحد الإنساني، ففي لحظة فارقة من التاريخ الحديث، قررت الحضارة البشرية نقل هذه الآلية ذاتها بكل انحيازاها وقصورها إلى داخل الأكواد الرقمية، لننتقل من السلوك البشري المباشر إلى تشكيل ما يُمكن ان يعرف بـ (الغباء الاصطناعي)، وهو موضوع الجزء الثاني من هذا المقال
#حسن_الشرع (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟