أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان (4)














المزيد.....

عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان (4)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 17:58
المحور: قضايا ثقافية
    


نغمة الحق على مقام صوفية الطف
توطئة
في هذا الجزء أرى من الضروري أن أرسيَ خطاً تأسيسياً مناسباً للشروع في مناقشة تتعلق بأسس ومظاهر قضايا التصوف الإسلامي (الفكر والمعرفة والطقس والفتوى)، وعلى الرغم من أن الكثير من هذه المفاهيم قد تم التطرق إليها في الأجزاء السابقة، إلا أن المقال في جزئه الأخير هنا ربما تطلب طرح خلفية مناسبة عن التصوف في نسخته الشيعية (المحتملة) قبالة ما ترسخ من مفاهيم وممارسات صوفية شاعت لقرون عند أتباع مذاهب أهل السنة، يمكن تقديمها بشكل مختصر ومركز حول التصوف في بعده الشيعي.
التصوف والعرفان
التصوف والعرفان يرتبطان بنفس المفهوم الجوهري وهو السلوك الروحي والوصول إلى معرفة الله عن طريق الكشف والشهود الباطني، وكثيراً ما يُستخدم المصطلحان كمرادفين في التراث الإسلامي. ومع ذلك، فإن اهل الدراية يميزون بينهما بناءً على الجانب التطبيقي أو المذهبي. فالتصوف يختلف عن العرفان من الناحيتين النظرية (المعرفية) والعملية (الطقسية).
الجانب النظري مقابل الجانب العملي
العرفان: يُطلق غالباً على البُعد الفكري والنظري (العرفان النظري)، والذي يهتم بتفسير الوجود والتجليات الإلهية ومقامات السلوك وفق رؤية فلسفية وشهودية.
التصوف: يُشير أكثر إلى البُعد العملي والتطبيقي والسلوكي (الزهد، التزكية، الرياضات الروحية، والنسك).
البُعد الاجتماعي والمؤسسي
التصوف: ارتبط تاريخياً بظاهرة اجتماعية ومؤسسية تمثلت في الطرائق الصوفية (مثل القادرية، الشاذلية، النقشبندية) وما يتبعها من زوايا، وتكايا، وترتيب للعلاقة بين الشيخ والمريد، وأوراد محددة.
العرفان: يُركز على السلوك الفردي والتزكية الباطنية والمعرفة الذاتية دون الحاجة بالضرورة إلى الانتماء لطريقة اجتماعية أو تنظيم هيكلي.
الاستعمال المذهبي والأكاديمي
التصوف: هو الاصطلاح الأكثر شيوعاً واستخداماً في الأوساط السُنّية عبر التاريخ.
العرفان: هو الاصطلاح الشائع والمفضل في الأوساط الشيعية وفي الفلسفة الإسلامية المتأخرة كفلسفة صدر الدين الشيرازي (المعروف بملا صدرا)، حيث يُفضلون كلمة "عرفان" لتجنب بعض الممارسات الاجتماعية التي ارتبطت بمدارس التصوف وللتأكيد على الاستناد لتعاليم أهل البيت.
وهنا يمكن القول: إن كل عارف متصوف في جوهره الباطني، وليس كل صوفي عارفاً بالمعنى الفكري الدقيق.
في الفلسفة العرفانية، ليس الصوت مجرد موجة أثيرية، ولا النغمة مجرد تأليفٍ تقنيّ للمقامات؛ بل الصوت في جوهره هو "الفيض الأول"، والصدى الباطني لحركة الروح وهي تحنّ إلى أصلها الإلهي الأول. وحين نلج عوالم "العرفان الحسيني"، نجد أن السماع لا يتوقف عند حدود الطرب ولا ينتهي عند الحزن المجرد، بل يتحول إلى "معراج روحي" تُفرَج فيه حجب النفس لتشهد الحق عبر لوعة الفقد وشجن النغمة.
إذا كانت الطرق الصوفية بشتى مدارسها — من المولوية بدورانها المبهر إلى الرفاعية والقادرية بأذكارها — قد جعلت من حركة الجسد والنغم جسراً لتجريد الروح واستدعاء السماع الإلهي، فإن "صوفية الطَّف" في الوجدان الشيعي أسست لعرفانٍ صوتيٍّ حاد، يتخذ من "الدمعة" طهارة وجدانية، ومن "النغمة الشجية" كشفاً وبصيرة. هنا، لا يُطلب المقام الموسيقي لذاته تقنياً، بل يُستحضر كـحالٍة روحية من حال الشوق إلى حال الفناء تتلاقى فيه لوعة الوجد الصوفي مع شجن المأساة الحسينية.
رياضة الروح: بين الذكر الصوفي والعزائيات الحسينية
ينظر العرفاء في كلا الطرفين إلى الطقس المسموع كنوع من الرياضة الروحية لتصفية الباطن واختراق حجب المادة. وفي هذا الفضاء العرفاني الرحب، تقف الممارسة الصوفية قبالة شعائر الطَّف الصوتية والنغمية على أوتار متناغمة.
سرّ الدمعة والوجد (الإشراق عبر الحزن): الدمعة في هذا السفر ليست مظهراً للانكسار والانهزام، إنما هي الطهر الذي يزيل أدران النفس. وكما يفيض دمع الصوفي في حال الشوق والظمأ إلى الوصل الإلهي، يتدفق دمع الذاكر الشيعي في مجلس العزاء الحسيني ليصل إلى حالة من التطهير الروحي الباطني حيث تغدو الدمعة نغماً، والنغم صلاةً يتردد صداها في محراب الحق.
موسقة الموقف
هنا يعمل الإيقاع والنغمة سويةً بالتوازي أو التبادل في توزيع مموسق فطري ضمن هندسة دقيقة ومؤثرة، إنها هندسة المقامات كأدوات كشف، إذ لا تعد النغمة هنا كأداة للترف، انما هي ناقل وسفير للسر النفسي الداخلي العميق. يبرز مقام الصَّبا الشرقي في الحضرة الصوفية والمجلس الحسيني كصوتٍ للوصول إلى حالة من ضآلة النفس وتجردها من الكبرياء، بينما ينساب مقام النهاوند ليمزج بين الشجن والتأمل الحكيم، ويأتي مقام الحجاز بشوقه اللاهب ليرفع السالك الصوفي وقارئ المرثية من حدود الزمان والمكان، ونقل المأساة التاريخية لتغدو حقيقة عرفانية عابرة للأزمنة تجسد معنى الفناء الصوفي الكامل.
إيقاع الجسد وترديدات السر: في حلقات الذكر الصوفي، يتحول تكرار اسم الله وحركة الجسد الإيقاعية المتصاعدة إلى وسيلة لطرد الشواغل الدنيوية والوصول إلى الغيبة عن السوى. قبالة ذلك، يُبنى العزاء الحسيني على إيقاع الصدر والضرب المنتظم الذي يصاحب النبرة الصوتية للرادود؛ فيستحيل الجسد في التجربتين إلى آلة إيقاعية حية توحد الأصوات والأرواح في نبرة وجدانية واحدة، تتسامى فوق تباينات المشاغل جميعها.
التجاور النغمي وتلاقي السالكين
عبر تاريخ الحواضر الإسلامية الكبرى، تداخلت ألحان المنشد الصوفي بنغمات القارئ الحسيني حتى غدا السلم الموسيقي لساناً مشتركاً للتعبير عن لوعة الروح. إن الموسيقى في الممارسة الصوفية وشعائر صوفية الطَّف ليست مجرد نغم عابر، بل هي لغة العرفان الأولى التي تترجم حسرات الشوق وحنين الفناء، لتثبت في النهاية أن الصوت، حين يتطهر بالدمعة ويتجه بكليته نحو الملكوت، ينقلب إلى نغمة للحق تُعزف على مقام صوفية الطَّف.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (3)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
- البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
- البوهيمية (4): ثوار العرش وشهداء الموقف
- البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد
- الفكر وغاية يعقوب
- حمى التعليم الطبي بين النزعةةالاجتماعية والرغبة الحكومية
- المقامة المونغولية
- باب الدروازة (3) يحكي!
- باب الدروازة (3)


المزيد.....




- الحوثيون: استهدفنا مطارًا ومنشأة نفطية في السعودية بطائرات م ...
- المدرب المغربي بادو الزاكي يعمل لوصول الأردن لنصف نهائي كأس ...
- الحوثيون يعلنون ضرب -هدف حساس- وشركة أرامكو في نجران بالسعود ...
- دميترييف: المانحون الغربيون يمولون حالات الفساد الموثقة في أ ...
- بعد تسلمه من لبنان.. مثول لواء سابق أمام القضاء السوري بتهم ...
- محلل هنغاري: تسجيل -انقلابي- لوزير الدفاع الأوكراني السابق ش ...
- صفقة أسلحة ضخمة بين قطر وأمريكا بمليارات الدولارات
- عالم زلازل يحذر من خطر وقوع زلزال قوي في منطقة إسطنبول
- موسكو: طلبنا توضيحات من واشنطن وأنقرة بشأن نقل أسلحة أمريكية ...
- سوريا.. إحباط تهريب 197 ألف حبة كبتاغون مخبأة داخل عصي مساحا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان (4)