ياسر جابر الجمَّال
كاتب وباحث
(Yasser Gaber Elgammal)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 08:29
المحور:
الادب والفن
العمل الروائي في جوهره هو إعادة صياغة لوقائع عاشها الآخرون، أو تجسيد لحقائق كامنة لديهم، وقد يتحول إلى نبوءة تستشرف المستقبل بناءً على خبرات الحياة وتجاربها. وبالتالي، فإن الرواية ليست مجرد سرد جاف أو حكايات جوفاء، وإلا تراجعت لتصبح مجرد قصص عابرة للتسلية السطحية.
ومن هذا المنطلق، يتجلى الأدب كمسؤولية والتزام حقيقي تجاه قضايا الإنسان؛ وهو الالتزام الذي أنجب مدرسة "الواقعية السحرية" التي تربعت على عرشها أمريكا اللاتينية، فصاغ أدباؤها أعمالاً فذة تنبض بقيم الحياة، وتشكل إطاراً فلسفياً عميقاً يفكك الماضي ويستقرئ الحاضر. فالأديب يمتلك عيناً رؤيوية تقرأ المستقبل، ليعيد تشكيله بريشة الإبداع وأدوات النحت الفكري.
كما أننا نجد أن الواقعية الاجتماعية كانت ذات دور محوري في بيان الواقع المتهاوي أو المزري؛ إذ يمثل كل من الواقعية الاجتماعية والواقعية السحرية الواقع ويكشفان عنه بطريقتهما الخاصة. فالواقعية الاجتماعية تصوّر مفردات الواقع كما هي وبموضوعية، دون إضافة مؤثرات خارجية عليها كالفانتازيا، كما هو الحال في الواقعية السحرية. وهذا النوع من الكتابة يمثل نزوحاً حقيقياً بالرواية من مجرد سرد جاف، إلى كتابة ذات هوية وقضايا محملة على أغصان حروفها.
وقد مثل غابرييل غارسيا ماركيز الواقعية السحرية في كتابات هي من أعظم ما وُضع فيه الحبر على الأوراق، ونطق به اللسان الحجاجي في بيان ما حوله، كما في "مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا". وقد لخص العبارات واللغة التي تعاني في وجوه الناس عندما قال: "الناس كأنها ذاهبة للإعدام". إنه سرد يشبه تعاويذ الموت، أو تمام العزاء في قالب سردي حقيق به أن يقام في المآتم.
وفي المقابل، قدم جورج أورويل الواقعية الاجتماعية في روايتيه "1984" و"مزرعة الحيوان" اللتين تقصان علينا نبأ البشر الذين تحولوا إلى أدوات في منظومات الاستهلاك، ودروع في مسيرة الأنظمة الشمولية والرأسمالية. وتأتي هاتان الروايتان بوصفهما تجسيدين توأمين للفلسفة السياسية والنقد الأخلاقي، وتكشفان كيف حوّل أورويل الواقع التاريخي والأيديولوجي إلى أشكال رمزية (أليغورية) وديستوبية، من أجل كشف النقاب عن فساد المثالية الثورية والتلاعب بالوعي البشري في ظل السلطة الشمولية. .
#ياسر_جابر_الجمَّال (هاشتاغ)
Yasser_Gaber_Elgammal#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟