أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسر جابر الجمَّال - الكوميديا السوداء في السينما: الضحك على حافة المأساة














المزيد.....

الكوميديا السوداء في السينما: الضحك على حافة المأساة


ياسر جابر الجمَّال
كاتب وباحث

(Yasser Gaber Elgammal)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:19
المحور: الادب والفن
    


يُعدّ الضحك من أكثر الظواهر الإنسانية ارتباطًا بالطبيعة النفسية والاجتماعية للإنسان؛ فمهما بلغ الإنسان من درجات العمق الفكري، نجده ينجذب بشكل لا إرادي لكل ما يثير الضحك والفكاهة، وأبرز الأسباب لذلك أن الضحك يوفِّر الاسترخاء الجسدي والعقلي، ويضع الشخص الذي يشهد الكوميديا أو يقرأها في مزاج جيِّد، مما يزيل آثار التوتُّر والقلق التي تداهم أي شخص. ولذا يؤكِّد الخبراء النفسيون أن الضحك ركن أساسي لضمان تمتُّع الإنسان بصحة جيِّدة. وربما أكبر دليل على صحة هذا الإقبال الجماهيري على الأعمال الكوميدية، وخاصة تلك التي توفِّر أنواعًا من الفكاهة والضحك الممتد المفعول. ولعل أبرز أوقات هذا الإقبال أيام الأعياد؛ حيث الإجازات والرغبة في الاستمتاع بأكبر قدر من الاسترخاء. وكذلك من أهم الأوقات لمشاهدة الأعمال الكوميدية ما يكون بعد يوم عمل مرهق، حيث يكون الفرد مستعدًا للضحك على أي عمل كوميدي، وتزداد تلك الرغبة مع زيادة حدّ الإعياء.
وقد شهدت الكوميديا تحولات كبيرة عبر التاريخ، كان أبرزها ظهور «الكوميديا السوداء» بعد الحرب العالمية الثانية، بوصفها شكلًا جديدًا ومغايرًا للكوميديا التقليدية. فقد «شكّلت الكوميديا السوداء بعد الحرب العالمية الثانية شكلًا جديدًا مغايرًا وعلامة فارقة عن سواها من الكوميديا، فهي كسرت كل الأنظمة التي عملت عليها الكوميديا التي كانت تهتم بعرض قضية بعينها أو بمجرد الإضحاك والتسلية. وعلى العكس من ذلك كانت عملية تهييج اجتماعي تستدعي فكرة الضعف والظلم بأسلوب ساخر مأساوي باكٍ باطنيًا، لتكون بذلك الكوميديا السوداء أو التراجيكوميدي أو الكومك الصادم جمعًا بين خطين مهمين في الدراما هما الكوميديا والتراجيديا، التي تهدف إلى كشف زيف المجتمع وإيقاظ وعي المتلقي عبر وسائلها الجمالية والنقدية عن طريق السخرية الصادمة والهزل والمفارقة والبكاء والضحك والتعرية، فهي فلسفة تأملية مأساوية بنظرة عبثية لواقع مرير ومجتمع متهرئ عن طريق الضحك الهستيري الممزوج بالبكاء.»
وتُعرف الكوميديا السوداء بأنها نوع من الفكاهة يعالج موضوعات قاسية مثل العنف أو المرض أو الحرب عبر السخرية. وقد تعددت أسماؤها بين «الفكاهة المظلمة» و«فكاهة المشنقة» و«الكوميديا القاتمة»، لكنها جميعًا تشير إلى المعنى نفسه. وقد كانت الفكاهة المظلمة موجودة منذ أن وُجدت القصص، إلا أن التنظير الرسمي للكوميديا السوداء لم يظهر إلا في القرن العشرين .
وتقوم الكوميديا السوداء على تحويل المواقف المأساوية إلى لحظات ساخرة تكشف تناقضات الواقع؛ إذ «تأخذ الكوميديا السوداء أسوأ نزعات البشرية وتلقي في وجهها “فطيرة” ساخرة. تستخدم بعض الأعمال الفنية “فكاهة المشنقة” كوسيلة لتسليط الضوء على موضوع مهم، بينما يحاول البعض الآخر مجرد دفعك للضحك على موقف عبثي.» ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيلم «حياة برايان» لفرقة «مونتي بايثون»، حيث تغني مجموعة من ضحايا الصلب: «انظر دائمًا إلى الجانب المشرق من الحياة» ، في مشهد يجمع بين المأساة والتهكم بصورة لافتة.
وقد استخدم الفنانون والأدباء هذا اللون الفني لمعالجة قضايا إنسانية واجتماعية شديدة القسوة؛ فمن الصعب أن تنمحي أفلام الفنان نجيب الريحاني من الذاكرة، لأنها استطاعت أن تعالج موضوعات إنسانية عميقة عبر الكوميديا السوداء. وفي الأدب العالمي يبرز اسم فرانتز كافكا بوصفه أحد أبرز من استخدموا هذا الأسلوب لمعالجة موضوعات الكآبة والعبث. غير أن البداية الحقيقية لهذا اللون النقدي تعود إلى الكاتب الأوكراني نيكولاي جوجول، الذي استحدث أسلوبًا فريدًا في معالجة القضايا الواقعية المأساوية من خلال السخرية واللامعقول. .
وقد امتد تأثير جوجول إلى عدد كبير من الأدباء العالميين، ومنهم لو شون، ورايونوسوكي أكوتاجاوا، وفرانتز كافكا، وفلانيري أوكونر، إضافة إلى الكاتب الروسي فيودور ديستوفسكي، الذي قال عبارته الشهيرة: «جميعنا خرجنا من عباءة جوجول». ويُعدّ هذا التأثير منطلقًا لما عُرف لاحقًا بـ«مسرح العبث» وتيارات القسوة الفنية، حيث أصبح اللامعقول وسيلة لكشف تناقضات الواقع. .
ولا يزال تأثير الكوميديا السوداء حاضرًا حتى اليوم، خاصة مع تطور وسائل الذكاء الاصطناعي والسخرية الرقمية، إذ تُستخدم التكنولوجيا في تصوير الشخصيات السياسية والمشاهير في مواقف عبثية أو بيئات مغايرة، من أجل نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية بطريقة ساخرة تكشف زيف الواقع.
وفي السينما المصرية برزت الكوميديا السوداء بوضوح في عدد من الأعمال، ومن أهمها فيلم «الحب في الثلاجة»، الذي يواجه السلطة والواقع الاجتماعي مواجهة مباشرة دون مواربة. إذ يقوم الفيلم على فكرة تأجيل حياة المواطن وأحلامه إلى مستقبل وهمي، حدده الفيلم ساخرًا بسنة 2000، وكأن الحل الوحيد هو تجميد الحياة نفسها داخل «الثلاجة» انتظارًا لمستقبل قد لا يأتي أبدًا .
ويكشف الفيلم هذا الواقع عبر حوارات ساخرة تحمل أبعادًا نقدية عميقة، كما في الحوار الشهير:
(أنا مش شايف لا خرسانة ولا خوازيق.)
(ما هي خوازيقنا ما بتتشافش.)
وكذلك في مشهد عربة نقل الموتى:
(بسرعة يا أسطى عايز ألحق أندفن.)
(أنا مالي هو أنا اللي سايق.)
وقد حرص سعيد حامد على أن يكون الفيلم جافًا وخاليًا من المهادنة، لينقل رؤية ماهر عواد التي تسعى إلى تعرية الجذور الفاسدة داخل المجتمع. فالفيلم لا يكتفي بالسخرية من الواقع، بل يكشف حالة الركود والعفن الكامنة خلف مظاهر الاستقرار الوهمي، وهو ما يجعل «الحب في الثلاجة» نموذجًا واضحًا للكوميديا السوداء بوصفها أداة للنقد الاجتماعي والسياسي .
ومن هنا يمكن القول إن الكوميديا السوداء ليست مجرد وسيلة للضحك، بل هي فلسفة فنية عميقة تقوم على مواجهة الواقع بالسخرية، وكشف تناقضات المجتمع عبر المزج بين المأساة والهزل، بما يجعل المتلقي يضحك وفي الوقت نفسه يعيد التفكير في أزمات الإنسان والواقع المعاصر



#ياسر_جابر_الجمَّال (هاشتاغ)       Yasser_Gaber_Elgammal#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيلم -سواق الأتوبيس.. قراءة في فجوة الأجيال وانكسار الروابط- ...
- هدم التابوهات المقدسة: قراءة في المشروع الحداثي لدى أدونيس
- «المرجعية الاستشراقية في القراءات الحداثية للقرآن الكريم: يو ...
- «المنهج التاريخي والتفكيكي في قراءة التراث عند عبد المجيد ال ...
- فضل الرحمن مالك وإشكالية القراءة التاريخية للنصوص الدينية
- مشروع علي حرب وإعادة صياغة مفهوم الحقيقة في ضوء الحداثة وما ...
- الترجمة في سياق الحداثة العربية: من الوساطة اللغوية إلى إعاد ...
- إعادة تأويل التراث بين الثابت والمتغير في مشروع حسن حنفي
- إشكالية المرجعية والقراءة التاريخية للنص القرآني عند نصر حام ...
- من تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي إلي تهافت القراءات المعاصرة ...
- التاريخانية والتجاوز التشريعي في مشروع الطيب تزيني.
- -النص القرآني بين القداسة والمنهج النقدي: الحداثة التفكيكية ...
- إعادة تشكيل مفهوم المكان في الفكر الإسلامي بين الفلسفة والكل ...
- إشكالية نقل المصطلح الشرعي إلى الحقل الصوفي: دراسة في ضوابط ...
- من الخلق إلى اللغة: تحوّلات المعرفة وتفكّك المرجعية بين التر ...
- تحولات الوعي في المشروع الحداثي: من مركزية العقل إلى تفكيك ا ...
- من الممارسة الفعلية إلى البنيوية: تطور الفكر اللغوي العربي ب ...
- من الشاهد إلى التأويل: مقاربة في تأسيس الفاعلية النصية بين ا ...
- المسرح العربي بين الوافد والموروث: قراءة في النشأة والتحولات ...
- المسرح بوصفه خطابًا تفاعليًا: المتلقي وصناعة المعنى


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسر جابر الجمَّال - الكوميديا السوداء في السينما: الضحك على حافة المأساة