أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد الحيدر - محمد الأحمد - حين يصبح الزمن مادة في رواية ماجد الحيدر فجر الكرونونيت















المزيد.....

محمد الأحمد - حين يصبح الزمن مادة في رواية ماجد الحيدر فجر الكرونونيت


ماجد الحيدر
شاعر وقاص ومترجم

(Majid Alhydar)


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


حين يصبح الزمن مادة في رواية ماجد الحيدر فجر الكرونونيت

الكرونولوجيا والكرونيكل والكرونولوجي بديلا عن الانترنيت

محمد الأحمد


الروائي العارف بأدواته ليس مجرد كاتب يروي الحكايات، بل هو صانع نصٍّ يعي أن اللغة أداة دقيقة، وأن السرد بناء يحتاج إلى هندسة واعية. إنه يعرف كيف يوجّه الكلمة لتكون طلقة حينًا، ونهرًا حينًا آخر، ويمنح شخصياته عمقًا يجعلها تتحرك في النص كما لو كانت من لحم ودم. إنّه الحرفي الذي يختبر أدواته باستمرار، فيحوّل الرواية من حكاية عابرة إلى عمل متكامل قائم على وعي بالزمن، وإحكام في البناء، وحسّ نقدي يراقب النص وهو يتشكّل. هكذا يصبح الروائي العارف بأداته مهندسًا للمعنى، لا مجرد راوٍ للأحداث – وإزاء نص روائي يضع عنوانه امامنا عتبة منع لابد ان تفهم لما سوف يأتي بعدها .
ثمة كلمات لا تكتفي بأن تدل على الأشياء، بل تفتح أمامنا طريقة كاملة في النظر إليها و"فجر الكرونونيت" من أقرب هذه الكلمات التي تنحدر من الجذر اليوناني Chronos المرتبط بالزمن. ومنه جاءت مصطلحات مثل Chronology وChronicle وChronological؛ أي: الكرونولوجيا، والكرونيكل، والكرونولوجي. إن هذه الكلمات تبدو في ظاهرها مصطلحات تخص المؤرخ والباحث، لكنها حين تدخل عالم الرواية تصبح أكثر تعقيدًا؛ لأن الرواية لا تتعامل مع الزمن بوصفه سلسلة من الساعات والأيام والسنوات، وإنما بوصفه تجربة إنسانية قابلة للتشظي والاسترجاع والتداخل. الكرونولوجيا هي التسلسل الزمني؛ أن نضع الأحداث في مواقعها، حدثًا بعد حدث، وسنة بعد سنة. وهي تمنح التاريخ نظامه، وتجعلنا نعرف ما الذي حدث أولًا وما الذي جاء بعده. أما الكرونيكل فهو السجل أو الوقائع التي تحفظ ما حدث من الضياع. في حين أن الكرونولوجي هو ما ينتظم وفق ترتيب الزمن. لكن الرواية تستطيع أن تفعل شيئًا مختلفًا: تستطيع أن تكسر الكرونولوجيا لكي تعيد بناء الزمن.
هنا يبدأ السؤال الروائي الحقيقي. عندما نقرأ رواية لا تسير أحداثها وفق خط زمني مستقيم (وأنا غير ملزم بتلخيص احداث الرواية)، فلا ينبغي أن نسارع إلى وصفها بأنها مضطربة أو غير منتظمة، فقد يكون اضطراب الزمن هو الشكل الذي اختاره الكاتب لكي يعبّر عن حقيقة أعمق من تسلسل الوقائع.
في رواية ماجد الحيدر، المترجم والشاعر والكاتب الساخر؛ بوجود شخصية مثل مارك، الإنسان الذي يتميز بشفافيته واتساع خطوه في فضاءات الأساطير والأزمنة المتداخلة، يصبح سؤال الزمن جديرًا بالتوقف (وداعا لعصر الانترنيت، واهلاً بعصر الكرونونيت) هل نحن أمام حكاية تتحرك في زمن محدد، أم أمام تجربة روائية تتعامل مع الزمن بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل؟ إذا كانت الأساطير والأزمنة المختلفة تتجاور داخل الرواية، فإن الأمر لا يبدو مجرد اختيار زخرفي أو محاولة لإغناء السرد بالمرجعيات. قد يكون الشكل الروائي نفسه هو الذي يحمل الفكرة، فالزمن في الحياة اليومية يسير إلى الأمام، ولا يسمح لنا بالعودة إلى لحظة سابقة إلا في الذاكرة.
أما في الرواية، فكل شيء ممكن: يمكن للماضي أن يدخل الحاضر، ويمكن للمستقبل أن يظهر بوصفه احتمالًا، ويمكن للأسطورة القديمة أن تصبح أكثر حضورًا من واقعة حدثت بالأمس. وهنا تختلف الكرونولوجيا الواقعية عن الزمن الروائي. في الأولى يقع الحدث ثم يليه حدث آخر، أما في الرواية، فقد يقع الحدث في الذاكرة قبل أن يقع في الواقع، أو تستدعيه الشخصية بعد سنوات، أو يظهر في صورة حلم أو أسطورة أو استعادة، بحيث يصبح الزمن النفسي أكثر أهمية من الزمن التقويمي.
ومن هنا يمكن القول إن الرواية لا تسأل فقط: متى حدث الأمر؟ وإنما تسأل أيضًا: متى أصبح هذا الحدث جزءًا من وعي الإنسان؟ وهذا سؤال مختلف تمامًا؛ فقد يحدث شيء في الماضي، لكن تأثيره الحقيقي لا يبدأ إلا بعد عشرين عامًا؛ وقد ينسى الإنسان حادثة وقعت أمس، بينما تظل في داخله حادثة وقعت في طفولته، حاضرة كأنها حدثت قبل دقائق. الزمن إذن ليس واحدًا بالنسبة إلى الجميع؛ هناك زمن الساعة، وهناك زمن الذاكرة، وهناك زمن الحلم، وهناك زمن الأسطورة. والروائي يستطيع أن يجعل هذه الأزمنة كلها تتجاور في الصفحة نفسها. لهذا فإن عدم انتظام الزمن قد يكون هو انتظام الرواية الداخلي. فالكاتب الذي يكسر التسلسل الزمني لا يكون بالضرورة قد فقد السيطرة على الحكاية؛ ربما يكون قد رفض ببساطة أن يخضع التجربة الإنسانية لقانون الساعة، وهنا تصبح شخصية مثل مارك مهمة؛ فإذا كان وعيه يتحرك بين أزمنة مختلفة، فإن الطريقة التي تُروى بها حكايته ينبغي أن تعكس طبيعة هذا الوعي؛ فالشفافية التي يتميز بها ليست مجرد صفة نفسية، وإنما يمكن أن تصبح وسيلة لعبور الحدود بين الواقع والأسطورة، وبين الماضي والحاضر، وبين التاريخ وما تخزنه المخيلة الإنسانية. الرواية، في هذه الحالة، لا تكون سجلًا للأحداث، ولا كرونيكل بالمعنى التقليدي، ولا مجرد تسلسل كرونولوجي للوقائع، إنها محاولة لإعادة تركيب الزمن من الداخل. وهنا تكتسب الكلمات الثلاث معناها الأدبي الكامل: الكرونولوجيا تحفظ ترتيب الأحداث، والكرونيكل يحفظ الأحداث نفسها، والكرونولوجي يصف انتظامها في الزمن.
هذه الرواية تسأل:
- كيف عاش الإنسان هذه الأحداث داخل الزمن؟ وهذا هو الفارق بين التاريخ والأدب؛ فالمؤرخ قد يقول إن حدثًا وقع في سنة معينة، لكن الروائي يستطيع أن يقول إن ذلك الحدث ظل يعيش في الإنسان سنوات طويلة بعد وقوعه.
المؤرخ يحدد التاريخ، أما الرواية فتبحث عن أثر التاريخ في الروح.
ولذلك فإن الروايات التي تتلاعب بالزمن والاسماء لا ينبغي أن تُقرأ دائمًا بحثًا عن تسلسل الأحداث، بل ينبغي أحيانًا أن تُقرأ بحثًا عن منطق الزمن الذي صنعه الكاتب. قد لا يكون الزمن في الرواية خطًا مستقيمًا؛ قد يكون دائرة، أو متاهة، أو ذاكرة، أو حلمًا، أو طبقات متراكبة من الأسطورة والتاريخ والوعي، وفي هذه الحالة لا يكون السؤال: لماذا لم يلتزم الكاتب بالكرونولوجيا؟ بل السؤال الأهم: لماذا احتاج الكاتب إلى كسر كرونولوجيا الواقع لكي يقول ما يريد؟ إذا وجدنا جوابًا عن هذا السؤال، فإننا نكون قد بدأنا نقرأ الشكل الروائي لا بوصفه تقنية سردية فقط، وإنما بوصفه جزءًا من فلسفة الرواية نفسها، فالزمن في الرواية ليس ساعة معلقة على الجدار، إنه أحد أبطالها الخفيين. وأحيانًا يكون هو البطل الذي نراه جيدا، ولكننا لا نستطيع أن نفهم الرواية من دونه، وهذا ما اردت ان أقوله-انا- مثلما اعتقدت ان الرواية استطاعت بان تقول قولها.

‏16‏ آب‏، 2026



#ماجد_الحيدر (هاشتاغ)       Majid_Alhydar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سفر الرؤيا-الأصحاح ما بعد الأخير
- حول مصطلح الكرونونيت وتأصيله
- عبء الرجل الأبيض، تحدي المرأة السوداء - قصيدتان ونظرتان للعا ...
- حكايات عالمية-حين ذهبت الشمس والريح والقمر إلى وليمة
- حكايات عالمية-الأفيال والفئران
- حكايات عالمية - اللص الذكي
- القِدر المكسور - حكاية من الهند
- حكايات عالمية - الأفيال والفئران -حكاية من الهند
- حكايات عالمية - لماذا تتدلى آذان الكلاب
- حكايات عالمية - كيف جاء الصيف
- حكايات عالمية - عروس الجن
- حكايات عالمية - الحصان الأزرق - من حكايات الهنود الأمريكيين
- حكايات عالمية - الأميرة ذات التنّورات العشرين - حكاية من هول ...
- حكايات عالمية - أسطورة الحذاء الخشبي -هولندا
- حكايات عالمية - ملكة البقدونس - اليابان
- حكايات عالمية - كيف أُغريت إلهة الشمس بالخروج من كهفها - الي ...
- حكايات عالمية - الاستبصار
- حكايات عالمية - أسطورة الخلق اليابانية
- حكايات عالمية-لماذا لعن طائر السمان-البرتغال
- حكايات عالمية-الحلزونة والجاموس-الفلبين


المزيد.....




- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد الحيدر - محمد الأحمد - حين يصبح الزمن مادة في رواية ماجد الحيدر فجر الكرونونيت