مصطفى المنوزي
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 20:47
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
يضع قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026 في الملف عدد 317/26، بشأن إحالة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الفكر الدستوري أمام سؤال يتجاوز بكثير واقعة عدم إرفاق الإحالة بالوثيقة اللازمة لمباشرة الرقابة.
فالمسألة لم تعد فقط: هل احترمت الإحالة شروطها الإجرائية؟ وإنما أصبحت: ماذا يفعل النظام الدستوري عندما تتحرك الرقابة بصورة صحيحة من حيث مصدرها وغايتها، ثم تتوقف قبل بلوغ موضوعها بسبب نقص قابل، من حيث طبيعته، للاستدراك؟
هل لا يملك القضاء الدستوري سوى ثنائية المطابقة وعدم المطابقة؟ أم توجد بينهما مساحة ثالثة يمكن أن يمتنع فيها عن الحسم دون أن يعني ذلك استنفاد الرقابة؟ وإذا وجدت هذه المساحة، فمن يتحمل مسؤولية ما بعدها؟ وهل يجوز أن يتحول الامتناع المؤقت إلى نهاية نهائية للرقابة؟
من هذه الأسئلة يمكن اقتراح مدخل أوسع لما أسميه «فقه الاستدراك الدستوري»، باعتباره امتداداً نقدياً لفكرة «الفضائل السلبية» عند ألكسندر بيكل، وفي الوقت نفسه محاولة لتأسيس طريق ثالث للقضاء الدستوري لا يقوم على الاختيار الحصري بين إجازة القانون وإبطاله، بل يفسح المجال أمام استكمال شروط الرقابة عندما يكون العائق قابلاً للإصلاح.
أولاً: حين لا تكفي الوضعية القانونية لتفسير الواقعة الدستورية
يقدم التصور القانوني الوضعي جواباً يبدو، للوهلة الأولى، بسيطاً: إذا كانت الإحالة غير مستوفية لشروطها، تعذر على المحكمة الانتقال إلى فحص الموضوع.
وهو تفسير يحتفظ بقيمته من داخل المنطق الإجرائي، لكنه لا يستنفد الواقعة الدستورية.
ذلك أن الدستور لا ينشئ الرقابة من أجل سلامة الملفات في ذاتها، وإنما يجعل الإجراءات وسيلة لغاية أعلى هي ضمان سمو الدستور وحماية الحقوق وضبط ممارسة السلطة التشريعية.
لذلك يصبح السؤال أكثر عمقاً:
هل ينبغي للعيب الإجرائي القابل للاستدراك أن يمنع الغاية الدستورية من التحقق، أم ينبغي البحث عن تفسير للإجراء يسمح بحماية شكله دون التضحية بوظيفته؟
هنا تنتقل المسألة من فقه الإجراءات إلى فلسفة القضاء الدستوري؛ أي من سؤال: «هل استوفي الشرط؟» إلى سؤال: «ما الوظيفة الدستورية للشرط نفسه؟»
فالإجراء في الدولة الدستورية ليس صنماً شكلياً، كما أنه ليس تفصيلاً يمكن للقاضي تجاهله متى شاء. إنه ضمانة ينبغي تأويلها في ضوء الغاية التي شرعت من أجلها.
ثانياً: بيكل واكتشاف الخيار الثالث :
تساعدنا نظرية ألكسندر بيكل حول «الفضائل السلبية» (The Passive Virtues) على الخروج من التصور الثنائي لوظيفة القضاء الدستوري.
وألكسندر موردكاي بيكل (Alexander Mordecai Bickel، 1924–1974) فقيه وأستاذ أمريكي بارز في القانون الدستوري بجامعة ييل، عُرف خصوصاً بتحليله للعلاقة الدقيقة بين القضاء الدستوري والديمقراطية والسياسة. ومن أشهر إسهاماته صياغة إشكالية «الصعوبة المضادة للأغلبية» (counter-majoritarian difficulty)، أي السؤال عن مشروعية أن تتمكن محكمة غير منتخبة من تعطيل أو إبطال اختيارات صادرة عن مؤسسات منتخبة. وفي مقابل التصور الذي يجعل المحكمة مطالبة دائماً بإعطاء جواب دستوري نهائي، دافع بيكل عن أهمية ما سماه «الفضائل السلبية»: قدرة القضاء، في بعض الظروف، على تدبير توقيت تدخله وحدوده، بما يحفظ مكانة المحكمة ويتيح استمرار الحوار بينها وبين المؤسسات السياسية والمجتمع.
فالمحكمة، وفق هذا التصور، لا تملك خيارين فقط: أن تصادق على القانون أو أن تبطله. هناك خيار ثالث يتمثل في عدم إنتاج الحكم الدستوري النهائي في اللحظة المعروضة عليها.
وقد صاغ بيكل هذه الفكرة في دراسته الشهيرة المنشورة سنة 1961، ثم طورها في كتابه The Least Dangerous Branch: The Supreme Court at the Bar of Politics، مبيناً أن المحكمة تستطيع، بواسطة تقنيات إجرائية واختصاصية، أن تتحكم في ما إذا كانت ستقضي، ومتى ستقضي، وإلى أي مدى ستقضي ، وبذلك لا تصبح المحكمة آلة فورية لإنتاج الأجوبة الدستورية، وإنما مؤسسة تدير علاقتها بالزمن السياسي والاجتماعي، وتحافظ على رأسمالها الرمزي وقدرة أحكامها على النفاذ والقبول.
غير أن استدعاء بيكل في الحالة المغربية ينبغي ألا يكون نقلاً ميكانيكياً لتجربة دستورية مختلفة. فلا نزعم أن المحكمة الدستورية المغربية قد «طبقت» نظرية بيكل، ولا ننسب إليها قصداً سياسياً لم تصرح به؛ وإنما نستعمل مفهومه كأداة تحليلية تساعد على قراءة وضع قضائي لم تقع فيه المصادقة على القانون ولا إبطاله، بل توقفت الرقابة قبل الوصول إلى الحكم الموضوعي.
إنه، بهذا المعنى، قرار في شروط القرار، وليس قراراً في دستورية القانون ذاته ، وأهمية إدراج «الصعوبة المضادة للأغلبية» تحديداً أنها ستخدم النقاش العمومي لاحقاً؛ لأنها تضع «الفضائل السلبية» داخل سؤال أكبر: كيف يوازن القضاء الدستوري بين احترام الإرادة التشريعية المنتخبة وحماية الدستور من هذه الإرادة نفسها؟ ومن هنا يصبح «فقه الاستدراك» الذي نشتغل عليه ( انظروا مقالات سابقة ) محاولة لتجاوز ثنائية خطرة: لا استبداد قضائي باسم الدستور، ولا حصانة للأغلبية بسبب عيب إجرائي قابل للتدارك.
ثالثاً: من «الفضائل السلبية» إلى السياسة القضائية للزمن
تكشف نظرية بيكل عن سلطة قلما تحظى بما تستحقه من الاهتمام: سلطة المحكمة على الزمن الدستوري.
فالقضاء لا يتحكم فقط في مضمون ما يقوله، وإنما، في حدود نظامه القانوني، في توقيت قوله أيضاً.
وهكذا يصبح الزمن نفسه عنصراً من عناصر ممارسة السلطة القضائية الدستورية.
لكن هذا الاكتشاف يطرح مشكلة مقابلة: الزمن ليس محايداً بالنسبة إلى الحقوق.
فعندما تؤجل المحكمة جواباً دستورياً، لا يتوقف الواقع الاجتماعي والسياسي في انتظارها. وقد يستمر القانون في إنتاج آثاره، وتتكون أوضاع ومراكز قانونية، وتتغير موازين القوى، وقد يصبح ما كان مجرد احتمال تشريعي أمراً واقعاً.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أزمنة:
الزمن السياسي الذي تحكمه موازين القوى والانتخابات والاحتجاجات؛
والزمن التشريعي الذي يتحرك وفق إجراءات صناعة القانون ودخوله حيز النفاذ؛
والزمن القضائي الدستوري الذي يفترض أن يضمن خضوع الزمنين السابقين للدستور ، وتظهر المعضلة عندما يسمح توقف الزمن القضائي للزمن التشريعي والسياسي بأن يسبقه ويصنع واقعاً يصعب تداركه لاحقاً ، لذلك فإن «متى تحكم المحكمة؟» ليس سؤالاً إجرائياً فقط؛ إنه سؤال حقوقي وديمقراطي أيضاً.
رابعاً: متى تتحول الفضيلة السلبية إلى كلفة دستورية؟
هنا يمكن قلب مفهوم بيكل نقدياً ، قد يكون الامتناع فضيلة عندما يسمح بتجنب حكم متسرع، أو يحمي المحكمة من الدخول في نزاع غير ناضج، أو يتيح للمؤسسات السياسية فرصة معالجة الإشكال بنفسها ؛ لكن الفضيلة لا تبقى فضيلة بالضرورة مهما امتد الزمن، فإذا ترتب عن عدم الحسم تعطيل ضمانة دستورية، أو استمرار قانون تحوم حوله منازعة دستورية جدية دون جواب، أصبح علينا أن نتحدث عن «الكلفة الدستورية للامتناع».
ومن يتحمل هذه الكلفة؟
هل يتحملها أصحاب الإحالة الذين تحركوا لتفعيل الرقابة؟
أم الفئات التي قد تتأثر بالقانون؟
أم المحكمة؟
أم المؤسسة التي تسببت في قصور الإحالة؟
أم أن الضرر أوسع، لأنه يصيب النظام الدستوري نفسه عندما تتحرك إحدى آليات حمايته ثم تتوقف دون أن تبلغ غايتها؟
هنا تحديداً ينتقل النقاش من نظرية الفضائل السلبية إلى نظرية المسؤولية عن آثار عدم الحسم.
خامساً: الدَّين الدستوري المؤجل :
إذا لم تقل المحكمة إن القانون مطابق للدستور، ولم تقل إنه مخالف له، فإن السؤال الدستوري لا يختفي بمجرد انتهاء الملف إجرائياً ، إنه يظل قائماً. ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم «الدَّين الدستوري المؤجل» ، فكل سؤال دستوري جدي تحركت بشأنه آلية الرقابة ثم توقفت قبل الفصل في موضوعه يترك وراءه، متى سمح النظام القانوني بذلك، ديناً مؤسساتياً يتمثل في الجواب الذي لم يُنتج بعد. وهذا الدين لا يعني أن القانون غير دستوري؛ كما لا يسمح بافتراض دستوريته ، إنه يعني فقط أن المسألة الدستورية لم تُحسم موضوعياً.وإن هذا التمييز أساسي؛ لأنه يمنع الخلط بين انتهاء إجراء معين وحسم المسألة الدستورية التي كان يفترض أن ينظر فيها ؛ فقد ينتهي الملف، بينما يظل السؤال قائماً.
وقد يستنفد طريق إجرائي، بينما لا تكون الحجية الموضوعية قد تشكلت بشأن دستورية النص.
سادساً: عبارة «على حالها» وسيميائية الباب غير المغلق
من هذه الزاوية تكتسب عبارة «على حالها» الواردة في قرار المحكمة أهمية خاصة ، وهنا ينبغي بالطبع تجنب تحميلها ما لا تحتمله، لكن بنيتها اللغوية تسمح على الأقل بسؤال مشروع:
إذا كان تعذر البت متعلقاً بالإحالة «على حالها»، فهل المانع متعلق بجوهر الإحالة أم بالحالة التي قدمت بها؟
فالـ«حال» بطبيعتها وصف قابل للتغير ، وهنا يصبح الفرق كبيراً بين القول باستحالة الرقابة من حيث المبدأ وبين تعذر مباشرتها بسبب الحالة الإجرائية التي توجد عليها الإحالة.
ومن ثم يمكن النظر إلى العبارة باعتبارها لا تغلق، من الناحية التأويلية، سؤال الاستدراك ، فالاستدراك لا يعني مراجعة المحكمة لحكم موضوعي أصدرته، ولا الالتفاف على حجية قراراتها؛ بل يفترض، على العكس، أنه لم يوجد بعد حكم موضوعي في دستورية المقتضيات محل المنازعة.
سابعاً: الطريق الثالث ليس الامتناع، بل الامتناع القابل للاستدراك
هنا نصل إلى جوهر الأطروحة.
إذا كان بيكل قد كشف عن طريق ثالث بين التصديق والإبطال يتمثل في عدم الحسم، فإن التجربة الدستورية المعاصرة تحتاج إلى خطوة إضافية ، فالطريق الثالث الحقيقي لا ينبغي أن يكون:
المطابقة / عدم المطابقة / الصمت. بل يمكن أن يصبح:
المطابقة / عدم المطابقة / تعليق الحسم مع إبقاء إمكانية الاستدراك ، والفرق جوهري ؛ لأن الامتناع المجرد قد ينهي الرقابة عملياً، بينما الامتناع الاستدراكي يحافظ على سلطة المحكمة في عدم الدخول إلى الموضوع قبل استكمال شروطه، لكنه في الوقت نفسه يمنع تحول النقص القابل للإصلاح إلى حصانة موضوعية للقانون ، وبذلك يصبح الاستدراك أداة للتوفيق بين قيمتين دستوريتين:احترام الإجراءات من جهة، وفعالية الرقابة الدستورية من جهة ثانية.
فلا نهدر الشكل باسم الغاية، ولا نضحي بالغاية باسم الشكل.
ثامناً: فقه الاستدراك ليس توسعاً في سلطة القاضي :
قد يعترض على هذا التصور بأنه يؤدي إلى توسيع صلاحيات القضاء الدستوري على حساب المشرع ، لكن فقه الاستدراك، كما نقترحه، لا يعني منح المحكمة سلطة غير محدودة لتصحيح أخطاء الأطراف، ولا إنشاء اختصاصات من خارج النصوص.
إنه قبل كل شيء منهج في التأويل المؤسساتي يقوم على البحث، داخل الحدود التي يسمح بها النظام الدستوري والقانوني، عن الوسيلة التي تمنع العيب القابل للتدارك من إهدار الغاية الدستورية بأكملها ، وقد يكون الاستدراك قضائياً متى كان القانون يسمح باستكمال التحقيق أو الوثائق ، وقد يكون مؤسساتياً بواسطة الجهة المحيلة نفسها. وقد يتمثل، حيث يسمح النظام بذلك، في إحالة جديدة مستوفية للشروط ؛ وقد يكون تشريعياً بإصلاح القواعد المنظمة للإحالة مستقبلاً حتى لا تتكرر الواقعة.
إذن فنحن لسنا أمام سلطة استدراك واحدة، وإنما أمام منظومة استدراك دستوري تتوزع مسؤوليتها بين المؤسسات بحسب اختصاص كل منها.
تاسعاً: من الخطأ المرفقي إلى واجب عدم إجهاض الرقابة :
تتضح هنا أيضاً أهمية مساءلة مسؤولية الجهة المحيلة ، فإذا كانت إرادة تحريك الرقابة قد انعقدت بصورة صحيحة، ثم أدى نقص وثائقي في الملف إلى منع المحكمة من بلوغ الموضوع، فإن تحليل الواقعة لا ينبغي أن ينتهي عند حدود القضاء.
فالعملية الدستورية سلسلة مترابطة:
إرادة الرقابة - الإحالة - استكمال ملفها- وضع المحكمة يدها عليها - الفحص - الحكم ؛ وكل حلقة يمكن أن تؤثر في الحلقة التالية ، ومن ثم فإن السؤال عن الخطأ المرفقي للبرلمان لا يتعلق فقط بتحديد شخص المخطئ، وإنما بمبدأ أوسع يمكن تسميته:
واجب عدم إجهاض الرقابة الدستورية بعد تحريكها.
فمتى تحركت آلية دستورية لحماية سمو الدستور، أصبح على المؤسسات المشاركة فيها واجب إيجابي في عدم تعطيلها بسبب ما يمكن تداركه، كل في حدود اختصاصه.
وهنا تتحول الجدية المؤسساتية من قيمة أخلاقية إلى سؤال في المسؤولية الدستورية عن فعالية المؤسسات.
عاشراً: المحكمة ليست وحدها صاحبة الاستدراك ، وهذه النقطة ضرورية حتى لا يتحول النقاش كله إلى مطالبة المحكمة بما قد لا يدخل في اختصاصها.
فقه الاستدراك الدستوري لا يسأل فقط: لماذا لم تستدرك المحكمة؟ بل يسأل أيضاً: لماذا لم تستدرك الجهة المحيلة؟
ثم: هل توجد قواعد واضحة تنظم التواصل المؤسساتي عند اكتشاف نقص قابل للإصلاح؟
وأخيراً: من يقع عليه واجب إعادة تشغيل الرقابة إذا توقفت دون حسم موضوعها؟
بهذا المعنى، لا يكون الاستدراك امتيازاً قضائياً، وإنما مسؤولية مؤسساتية موزعة ، وهذا ما يجعل المفهوم أقرب إلى منطق الحوكمة الدستورية منه إلى مجرد تقنية قضائية.
حادي عشر: من القضاء التربوي إلى الحوار الدستوري :
يصف بيكل المحكمة، في جانب من تصوره، باعتبارها مؤسسة تشارك في تربية المجتمع دستورياً عبر الزمن ؛ لكن الديمقراطية الدستورية المعاصرة تسمح بتجاوز التصور التربوي العمودي نحو مفهوم أكثر أفقية هو الحوار الدستوري ، فالمحكمة لا تعلم المجتمع من موقع أعلى، والبرلمان لا يحتكر التعبير عن الإرادة العامة، والحكومة لا تحتكر تقدير المصلحة العامة، كما أن المجتمع المدني والهيئات المهنية لا ينبغي اختزالهما في موقع المتلقي ، وإن الدستور نفسه يصبح فضاءً لحوار مستمر بين هذه المؤسسات والقوى ؛ ومن ثم يمكن فهم الاستدراك باعتباره إعادة فتح للحوار الذي توقف قبل اكتماله. فالغاية ليست انتصار المحكمة على البرلمان، ولا انتصار المحتجين على المشرع، وإنما ضمان ألا يبقى سؤال دستوري جدي بلا مؤسسة مستعدة لتحمل مسؤولية الإجابة عنه.
ثاني عشر: نحو مبدأ دستوري في قابلية الرقابة للاستدراك :
يمكن في ضوء ما سبق اقتراح فرضية فقهية قابلة للنقاش:
كلما تحركت الرقابة الدستورية وفق مصدر مختص، وتعذر بلوغ موضوعها بسبب عيب إجرائي قابل للتدارك، وجب ـ ما لم يوجد مانع دستوري صريح ـ تأويل القواعد المنظمة لها بما يحافظ قدر الإمكان على إمكانية استكمال غايتها، دون المساس بحجية القرارات أو توزيع الاختصاصات بين المؤسسات.
ليست هذه قاعدة وضعية ندعي وجودها مكتملة في النصوص، وإنما مبدأ فقهي مقترح يستحق الاختبار على ضوء الدستور والاجتهاد الدستوري المقارن ، وقيمته أنه ينقلنا من سؤال شكلي:
هل انتهت الإحالة؟ إلى سؤال دستوري أعمق: هل استنفدت الغاية الدستورية التي من أجلها وجدت الإحالة؟
وختاما فإن فقه الاستدراك بوصفه حوكمة لما بعد عدم الحسم ،
فإن أهم ما يمكن أن نتعلمه من «الفضائل السلبية» ليس تمجيد صمت القاضي، وإنما إدراك أن عدم الحكم نفسه فعل دستوري ينتج آثاراًومن هنا تبدأ الحاجة إلى فقه الاستدراك ، فإذا كان بيكل يسأل: متى ينبغي للمحكمة أن تتكلم، ومتى يكون من الحكمة ألا تتكلم؟
فإن فقه الاستدراك يضيف سؤالاً آخر:
إذا لم تتكلم المحكمة اليوم، فمن يضمن أن يبقى الدستور قادراً على الكلام غداً؟
بهذا المعنى لا يكون الاستدراك خصماً للفضائل السلبية، بل ضابطاً لها، ولا يكون الطريق الثالث طريقاً للهروب من الحكم، بل طريقاً لإدارة عدم الحسم دون تحويله إلى إجهاض للحماية الدستورية.
وعندئذ يمكن إعادة بناء المسار في خمس حلقات مترابطة:
الفضائل السلبية - السياسة القضائية للزمن → الكلفة الدستورية للامتناع → الدَّين الدستوري المؤجل → فقه الاستدراك.
ويصبح قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26، بصرف النظر عن الموقف من مآله، واقعة فقهية كاشفة لسؤال يتجاوز قانون المحاماة نفسه:
هل نريد رقابة دستورية تعتبر الإجراء نهاية في ذاته، أم رقابة تحمي الإجراء باعتباره ضمانة، وتحمي في الوقت نفسه الغاية التي من أجلها أنشئ؟
لعل الطريق الثالث يوجد في المسافة الدقيقة بين الأمرين: صرامة إجرائية لا تجهض الحق، ومرونة استدراكية لا تهدر الاختصاص؛ قضاء يعرف متى يمتنع، ونظام دستوري يعرف كيف يستدرك؛ لأن سمو الدستور لا يقاس فقط بما تحكم به المحكمة، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات على منع ما لم يُحسم اليوم من أن يصبح، بفعل الزمن، محصناً من الحسم غداً.
#مصطفى_المنوزي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟