أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الأمني














المزيد.....

التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الأمني


رياض هاني بهار

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 21:51
المحور: المجتمع المدني
    


لماذا لم تعد الإحصاءات وحدها تكفي؟

يشهد العالم اليوم تحولاً جذرياً في فلسفة العمل الشرطي، فلم يعد نجاح عمل الشرطة يقاس بعدد الدوريات المنتشرة، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب .
وهذا التحول لم يكن وليد التطور التقني فحسب، بل جاء نتيجة إدراك أن الجريمة أصبحت أكثر تعقيداً وتنظيماً، وأن مواجهتها تتطلب فهماً عميقاً لأنماطها وأسبابها واتجاهاتها، وليس مجرد الاستجابة لها بعد وقوعها .

في هذا السياق برز التحليل الجنائي بوصفه أحد أهم أدوات الإدارة الأمنية الحديثة، إذ لم يعد مجرد نشاط إحصائي يقتصر على عد الجرائم وتصنيفها، بل أصبح عملية علمية تهدف إلى تحويل البيانات الجنائية إلى معرفة استراتيجية تساعد القيادات الشرطويه على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.

لقد اعتادت التقارير التقليدية أن تعرض أرقاماً عن عدد الجرائم ونسب الزيادة أو الانخفاض وهي معلومات مهمة بلا شك، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي يحتاجها صانع القرار مثل: لماذا ارتفعت الجريمة؟ ولماذا تركزت في منطقة معينة؟ ولماذا تكررت في توقيت محدد؟ وهل يمكن توقعها ومنعها قبل وقوعها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي جوهر التحليل الجنائي الحديث


فالتحليل الجنائي لا يكتفي بوصف ما حدث وإنما يسعى إلى تفسيره، والكشف عن العلاقات بين الجرائم، وتحليل أنماطها، وتحديد البؤر الساخنة، ودراسة خصائص الجناة والضحايا، ثم تقديم توصيات عملية تساعد القيادة على اختيار البديل الأمني الأكثر فاعلية.

ومن هنا أصبح التحليل الجنائي يمثل حلقة الوصل بين البيانات وصناعة القرار. فالبيانات في حد ذاتها لا تصنع أمناً، وإنما تتحول إلى قيمة عندما تخضع للتحليل العلمي، وتترجم نتائجها إلى سياسات وخطط وإجراءات ميدانية.

وتعتمد أجهزة الشرطة المتقدمة على منظومة متكاملة من أدوات التحليل، تشمل تحليل الجريمة، وخرائط الجريمة، وتحليل البؤر الساخنة، وتحليل الشبكات الإجرامية، وتحليل الجناة المتكررين، والتنبؤ بالجريمة باستخدام الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية.

وهذه الأدوات لا تهدف إلى إنتاج تقارير أكثر تعقيداً، وإنما إلى تمكين القيادة من توجيه الموارد إلى الأماكن والأوقات والأشخاص الذين يمثلون الأولوية الأمنية الحقيقية.

ولعل أبرز ما يميز التحليل الجنائي أنه يقلل من درجة عدم اليقين التي تواجه القائد الأمني. فكل قرار يتخذ في ظل معلومات ناقصة يحمل معه قدراً من المخاطرة، بينما يسهم التحليل في كشف الصورة الكاملة للموقف الأمني، ويعرض البدائل المتاحة، ويبين الآثار المتوقعة لكل بديل، الأمر الذي يجعل القرار أكثر دقة وأقل كلفة وأكثر قدرة على تحقيق أهدافه.

كما يسهم التحليل الجنائي في الانتقال من الأمن التفاعلي إلى الأمن الاستباقي، فالشرطة الحديثة لا تنتظر وقوع الجريمة حتى تتحرك، بل تعمل على استشراف المخاطر من خلال تحليل البيانات التاريخية، ودراسة الاتجاهات، وربط المتغيرات الزمنية والمكانية، بما يمكنها من توقع الأماكن والأوقات الأكثر احتمالاً لوقوع الجريمة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات الوقائية قبل حدوثها.

إن هذا التحول يغير أيضاً طريقة تقييم الأداء الأمني. فلم يعد النجاح يقاس بعدد القضايا المسجلة أو بعدد المقبوض عليهم فقط، بل بقدرة المؤسسة الأمنية على خفض معدلات الجريمة، وتقليل تكرارها، ورفع مستوى شعور المواطنين بالأمن، وتحسين كفاءة استخدام الموارد

وفي هذا الإطار، يصبح دور القيادة الأمنية أكثر ارتباطاً بالتحليل من أي وقت مضى. فالقائد الناجح ليس من يمتلك أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يستطيع تحويل تلك المعلومات إلى قرارات صحيحة في الوقت المناسب. ولهذا فإن التحليل الجنائي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من دورة القرار الأمني، يبدأ بجمع البيانات، ثم تحليلها، وتقييم المخاطر، وصياغة البدائل، واتخاذ القرار، وتنفيذه، ثم قياس نتائجه واستخلاص الدروس المستفادة.
إن وزارة الداخلية العراقية تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى هذا النموذج الحديث من خلال تطوير منظومة التحليل الجنائي، وإنشاء قواعد بيانات موحدة، واعتماد خرائط الجريمة، وتوظيف نظم المعلومات الجغرافية، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبناء كوادر متخصصة في التحليل، لتصبح المعلومات أداة لصناعة القرار، لا مجرد سجلات تحفظ في الأرشيف.
إن بناء منظومة متكاملة للتحليل الجنائي ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل هو مشروع لإعادة صياغة فلسفة العمل الأمني، بحيث يصبح القرار قائماً على الأدلة، والتخطيط قائماً على التحليل، وتقييم الأداء قائماً على النتائج
.
وخلاصة القول، فإن البيانات من دون تحليل ليست سوى أرقام، والتحليل من دون قرار لا يحقق قيمة، أما القرار الأمني المبني على الأدلة فهو الأساس الذي تقوم عليه الشرطة الحديثة، وهو الطريق الأقصر نحو أمن أكثر كفاءة، وموارد أكثر استثماراً، ومجتمع أكثر استقراراً.



#رياض_هاني_بهار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفكير الجماعي وهيئات الرأي في الوزارات العراقية
- الزيارات المليونية من الادارة العسكرية الى التخصص المؤسسي
- التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الامني
- فالكوني هزم المافيا بالقانون فهل يتعلم العراق الدرس
- لا تستهلكوا الجيش بمهام الامن الداخلي
- المخدرات المجنحة… بالونات الموت ومسيرات السموم
- عندما تختطف النخبة مؤسسات الدولة قراءة في كتاب مافيا الدولة
- تنظيم برامج الجريمة.. عودة إلى سيادة القانون وفهم الإنسان
- رجل المرور العراقي.. صمود يومي في مواجهة الفوضى
- اثنا عشر عاماً على أخطر انهيار أمني في تاريخ العراق الحديث
- تنظيم برامج الجريمة.. عودة إلى سيادة القانون والقيم الشرطوية ...
- الكفاءات الشرطية بين التمكين والاحباط
- لماذا تتصارع القوى السياسيه على وزارة الداخليه
- هندسة الخراب الإداري في العراق
- العقل المغلق في موقع القرار… كارثة مؤجلة
- الادله الرقميه في العراق بين القصور التشريعي وضعف الاجراءات
- الدوله حين تهدد نفسها
- علم الجهل حين يصنع الغموض ويعطل الدولة
- التلوث الرقمي رسائل الجمعة حين تفقد معناها
- الوطن يبدأ من الاسرة أم البنات قلب أنجب وطنا


المزيد.....




- أزمة صامتة في مطابخ غزة: السوس يغزو مخزونات الطحين وسط مخاوف ...
- مسئولة بالأمم المتحدة: أكثر من 360 ألف شخص لا يزالون نازحين ...
- الحكم بالإعدام على بشار الأسد... هل من ردود فعل في روسيا حيث ...
- الكويت: اعتقال مواطن بتهمة الانضمام لداعش والتخطيط لهجوم بطا ...
- دخل السفارة ولم يخرج.. مأزق ضباط الأسد في لبنان يواجه لبنان ...
- وزارة العدل السورية ترد على انتقادات العفو الدولية بخصوص أحك ...
- الأمم المتحدة: ارتفاع حاد في أعداد وفيات المهاجرين من إفريقي ...
- البرلمان اللبناني يقرّ قانون العفو العام للمرة الأولى منذ إق ...
- ماليزيا: تصاعد خطاب الكراهية يهدد اللاجئين الروهينغا
- لانتراتوفا: روسيا عرضت على كييف 3 قوائم لتبادل الأسرى وأوكرا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رياض هاني بهار - التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الأمني