أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - كيف يصبح المستقبل تهديدا















المزيد.....

كيف يصبح المستقبل تهديدا


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 01:58
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس غريبا أن ينظر الإنسان إلى الجديد ببعض الحذر. فالجديد لا يأتي دائما حاملا أداة جديدة فحسب، بل يأتي أحيانا ليغير الطريقة التي اعتدنا أن نعمل ونفكر ونتعلم بها. وربما لهذا السبب لا يكون خوفنا من التكنولوجيا خوفا من الآلة نفسها بقدر ما يكون خوفا مما قد تفعله بعاداتنا القديمة، وبالمهارات التي اعتدنا أن نعدها جزءا من قدراتنا الإنسانية.
أتذكر، من سنوات الدراسة والعمل في الجامعات الغربية، كيف كان بعض أعضاء هيئة التدريس ينظرون إلى الحاسوب عندما بدأ دخوله إلى الحياة الجامعية بشيء من الريبة. كان هناك من لا يريد أن يضع حاسوبا في مكتبه، بل كان يعتقد أن ما يصدر عنه من إشعاعات قد يؤذي صحته. وكان هناك من لم يكن مرتاحا أصلا لفكرة أن يستخدم الطلاب الحاسوب والإنترنت في إعداد أعمالهم. بل إن بعضهم لم يكن يقبل أن يستند الطالب إلى مصادر إلكترونية أو يقتبس من المكتبات وقواعد البيانات الإلكترونية التي بدأت الجامعات تتيحها آنذاك، وكأن المعلومة تصبح أقل قيمة لأنها انتقلت من رف المكتبة إلى شاشة الحاسوب.
كان في ذلك شيء من المفارقة. فالمرجع نفسه قد يكون مقبولا إذا كان في كتاب ورقي، لكنه يصبح موضع شك إذا ظهر على الشاشة. لم تكن المعرفة قد تغيرت، وإنما تغيرت الوسيلة التي وصلنا بها إليها.
لم يكن هذا الحذر حكرا على بعض الأكاديميين. ولعلني أتذكر هنا موقفا بقي في ذاكرتي منذ سنوات دراستي في برلين، عندما جاء الكاتب والمفكر الإيطالي أومبرتو إيكو ضيفا إلى الجامعة. كان إيكو، مثل كثير من المثقفين في تلك المرحلة، ينظر إلى الحاسوب والإنترنت بشيء واضح من الحذر. ولم يكن موقفه رفضا بسيطا للتكنولوجيا أو للمعرفة الجديدة، بقدر ما كان قلقا من أن يؤدي التدفق الهائل للمعلومات إلى إغراق الإنسان بالمعلومات من دون أن يمنحه بالضرورة القدرة على التمييز بين ما يستحق المعرفة وما لا يستحقها.
وكان النقاش في تلك الفترة يدور بين من رأى في ثورة الاتصالات تحولا تاريخيا سيفتح المعرفة أمام الجميع، ويكسر كثيرا من الحواجز والتراتبيات التي كانت تحكم الوصول إليها، ويمنح قطاعات أوسع من الناس فرصة التعبير عن أصواتهم، ومن كان يرى فيها خطرا على الثقافة وعلى الطريقة التي اعتاد الإنسان أن يتلقى بها المعرفة. واليوم، بعد مرور سنوات، تبدو المفارقة لافتة: ما كان يبدو آنذاك تهديدا للكتاب والمكتبة أصبح جزءا عاديا من حياتنا، وأصبح من الصعب أن نتخيل الجامعة الحديثة من دون الحاسوب وقواعد البيانات الإلكترونية والإنترنت.
وليس في ذلك ما يدعو إلى السخرية من المخاوف القديمة. فقد كان بعضها مشروعا. المشكلة أن الإنسان كثيرا ما يخطئ في تقدير ما ستفعله الأداة الجديدة بحياته. قد يرى في بدايتها تهديدا لما يعرفه، بينما لا يستطيع أن يتخيل بعد ما ستتيحه له مما لم يكن يعرف أنه ممكن أصلا.
وهذه ليست قصة الحاسوب وحده.
عندما دخلت الآلة الحاسبة إلى التعليم، ظهرت مخاوف من أن يؤدي الاعتماد عليها إلى إضعاف قدرة الطلاب على الحساب. لكن أحدا لا يتصور اليوم أن استخدام الآلة الحاسبة في المجالات التي تحتاج إلى حسابات سريعة ومعقدة هو اعتداء على العقل البشري. لقد أدركنا، تدريجيا، أن قيمة الإنسان لا تكمن في قدرته على إجراء كل عملية حسابية بنفسه، وإنما في قدرته على فهم المسألة، واختيار الطريقة المناسبة لحلها، وتفسير النتيجة واستخدامها.
والأمر نفسه حدث، بدرجات مختلفة، مع الحاسوب ثم الإنترنت ثم الهاتف المحمول والكتاب الإلكتروني. كل واحدة من هذه التقنيات غيرت شيئا في علاقتنا بالمعرفة والعمل والتواصل، وكل واحدة حملت معها مشكلات حقيقية إلى جانب إمكاناتها. فالإنترنت جعل الوصول إلى المعرفة أسرع وأوسع بصورة لم تكن ممكنة من قبل، لكنه جعل انتشار المعلومات غير الدقيقة والانتحال أسهل أيضا. والهاتف المحمول منحنا وسيلة اتصال ومعرفة لا تكاد تفارقنا، لكنه خلق في الوقت نفسه مشكلات تتعلق بالتشتت والخصوصية والإفراط في الاستخدام.
إذن، لا ينبغي أن تكون الخلاصة أن كل جديد جيد، ولا أن كل من يخاف من الجديد مخطئ. التاريخ أكثر تعقيدا من ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحذر المشروع إلى رفض مطلق.
وربما لهذا السبب تبدو مخاوفنا الحالية من الذكاء الصناعي مألوفة إلى حد ما. غير أن الذكاء الصناعي يضعنا أمام حالة أكثر تعقيدا من كثير من التقنيات السابقة. فنحن لا نواجه اليوم آلة جديدة فحسب، وإنما أداة قد تعيد تعريف معنى المعرفة والعمل والمهارة نفسها.
فالذكاء الصناعي لا يساعد الإنسان في الأعمال اليدوية أو الحسابية فحسب، بل دخل إلى مناطق كنا نعدها زمنا طويلا جزءا من النشاط العقلي نفسه: البحث، والترجمة، والكتابة، والتحليل، والتلخيص، والبرمجة، وإنتاج الصور والصوت والفيديو. ولهذا يشعر كثيرون بأن الأمر مختلف هذه المرة. فالآلة الحاسبة لم تنافس الإنسان في التفكير، والحاسوب لم يكن بالضرورة قادرا على محاورة الإنسان بلغة طبيعية، أما الذكاء الصناعي التوليدي فيستطيع أن ينتج في ثوان نصا أو تحليلا أو ترجمة تبدو، في كثير من الأحيان، شبيهة بما ينتجه الإنسان.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل نخاف من الذكاء الصناعي أم لا؟
السؤال الأهم هو: ماذا نريد أن نفعل بهذه القدرة الجديدة؟
لم يعد الذكاء الصناعي مجرد احتمال مستقبلي. لقد أصبح جزءا من الحياة اليومية، ويتوسع استخدامه في مجالات مثل الطب والنقل والأعمال والتعليم. وتشير التقارير الحديثة إلى استمرار التحسن السريع في أداء أنظمته واتساع نطاق استخدامها وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي. وفي المقابل، تؤكد المؤسسات الدولية، ومنها اليونسكو، أن هذه الإمكانات يجب أن ترافقها قواعد تحمي الخصوصية والإنصاف والاستقلالية البشرية، وتضمن استخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة وآمنة.
وهذا يعيدنا إلى الدرس الذي كان ينبغي أن نتعلمه من تاريخ التكنولوجيا.
ليست المشكلة في أن نستخدم الآلة، وإنما في أن نستخدمها بطريقة تجعلنا أقل قدرة على التفكير. وليست المشكلة في أن يستعين الطالب بالآلة الحاسبة، وإنما في أن يصبح عاجزا عن فهم ما يحسبه. وليست المشكلة في أن يستخدم الباحث المكتبة الإلكترونية، وإنما في أن يتوقف عن تقييم المصادر التي يجدها فيها. وليست المشكلة في أن يستعين المثقف بالذكاء الصناعي، وإنما في أن يسلمه عقله ويكتفي بما ينتجه دون فحص أو تفكير أو مسؤولية.
ربما علينا، إذن، أن نعيد تعريف معنى المهارة.
حين ظهرت الآلة الحاسبة، لم يعد من الضروري أن يقضي الإنسان وقته في العمليات الحسابية البسيطة. وحين ظهر الحاسوب، تراجعت الحاجة إلى كثير من الأعمال الروتينية. وحين جاء الإنترنت، أصبح الوصول إلى المعلومات أسرع بصورة هائلة. وربما يفعل الذكاء الصناعي الشيء نفسه مع بعض الأعمال الذهنية التي نمارسها اليوم.
لكن تحرير الإنسان من عمل معين لا يعني بالضرورة إفقاره؛ فقد يكون فرصة لكي ينتقل إلى عمل أكثر تعقيدا.
فالإنسان الذي لا يحتاج إلى قضاء ساعات في البحث عن معلومة يمكنه أن يقضي وقتا أطول في التفكير في معناها. والباحث الذي يستطيع الوصول بسرعة إلى مجموعة كبيرة من المصادر يمكنه أن يكرس جهدا أكبر للمقارنة والنقد وصياغة السؤال. والكاتب الذي يستخدم الذكاء الصناعي لتجاوز بعض الأعمال الروتينية لا يفترض أن يتخلى عن صوته، بل يمكنه أن يكرس مزيدا من الوقت لما لا تستطيع الآلة أن تمنحه له: التجربة الإنسانية، والذاكرة، والحس النقدي، والمسؤولية، والرؤية الشخصية.
لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يواجهنا في عصر الذكاء الصناعي ليس: هل سيأخذ الذكاء الصناعي أعمالنا؟
بل: ماذا سنفعل بالوقت والقدرة اللذين سيحررهما لنا؟
وهنا تكمن المفارقة. كلما اخترع الإنسان أداة قادرة على القيام بشيء كان يفعله بنفسه، شعر في البداية بأن الآلة تنتزع منه جزءا من إنسانيته. لكنه سرعان ما اكتشف أن الإنسان لم يكن غايته أن يظل أسيرا للعمل نفسه إلى الأبد، بل أن يستخدم أدواته لكي يذهب أبعد.
لقد أخذت الآلة الحاسبة منا جزءا من الحساب، وأخذ الحاسوب منا كثيرا من الأعمال الروتينية، وقلل الإنترنت مشقة الوصول إلى المعرفة، وربما يأخذ الذكاء الصناعي منا بعض الأعمال التي اعتدنا أن نعدها ذهنية خالصة.
لكن التاريخ لا يقيس التقدم بما أخذته الآلة من الإنسان، وإنما بما أتاحته له بعد ذلك.
ولعل التحدي الحقيقي أمامنا ليس أن نمنع المستقبل من الوصول، فهذا لم ينجح معه الإنسان يوما، وإنما أن نتعلم كيف نستقبله دون أن نفقد قدرتنا على التفكير فيه.
فالتكنولوجيا لا تصبح خطرا لمجرد أنها جديدة، كما أنها لا تصبح خيرا لمجرد أنها متقدمة. قيمتها النهائية تتوقف على الإنسان الذي يستخدمها، وعلى القواعد التي يضعها لها، وعلى الغاية التي يسعى إليها من خلالها.
وربما يكون أفضل موقف من الذكاء الصناعي، كما كان ينبغي أن يكون موقفنا من كل تقنية جديدة، ليس الرفض ولا الانبهار، بل شيء أكثر صعوبة ونضجا: أن نتعلم كيف نجعل الآلة أكثر قدرة على خدمة الإنسان، من دون أن نجعل الإنسان أقل قدرة على أن يكون إنسانا.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
- عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
- الوحش الكامن
- أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه ...
- سقط الأسد وبقيت الأسدية
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...
- القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
- كتاب مقدس في الإنسانية
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟


المزيد.....




- مظاهرات في موسكو بعد استبعاد حزب معارض من الانتخابات
- أزمة الشواطئ في مصر: السيسي يوجه بـ-ضمان حرية نفاذ المواطنين ...
- سفينة في مرمى النيران الأمريكية بسبب حصار إيران
- روسيا وسوريا والاتفاق حول القواعد
- لماذا تتخوف إسبانيا من -تهديد خطير- جراء كسوف الشمس الكلي غد ...
- الحوثي: لم نغلق باب التفاوض مع السعودية
- نتنياهو يتحدى ترامب في غزة ولبنان وإيران
- ليبيا.. اغتيال وقصف مصفاة الزاوية بمسيرة
- باحث مصري لـRT: إعلان كولومبيا بشأن الجولان -وصمة عار-.. ولا ...
- كولومبيا.. ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال المدمر إلى 234


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - كيف يصبح المستقبل تهديدا