أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع














المزيد.....

التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 04:53
المحور: قضايا ثقافية
    


بعض الناس لا يغيرون مواقفهم السياسية لأنهم اكتشفوا خطأ في موقف سابق ولا لأنهم أعادوا التفكير فيما يؤمنون به، بل لأن الريح تغيرت. تراهم بالأمس يهتفون لزعيم ويعددون فضائله ويدافعون عن كل ما يقول ويفعل، ثم لا يلبثون، بعد أن تتبدل موازين القوة، أن ينتقلوا بالسرعة نفسها إلى الزعيم الآخر، وكأن الذاكرة قد مُسحت من عقولهم. المدهش حقا ليس أنهم غيروا ولاءهم، بل أنهم يفعلون ذلك من دون أدنى شعور بالتناقض أو الحرج، وكأنهم يمارسون رياضة لا أخلاق لها سوى الانتصار.

هذه الظاهرة ليست وليدة العصر العربي، بل رافقت التحولات الكبرى في التاريخ. لنأخذ مثالا مفكري أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي: بعض المثقفين اليساريين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى فاشيين، لمّا رأوا قوة موسوليني وهتلر، ثم عادوا ليكونوا شيوعيين بعد هزيمة المحور. لم يتغير تفكيرهم، بل تغير موقع القوة. وفي عالمنا العربي، نرى اليوم من كانوا أمس من أشد المدافعين عن نظام سقط، يتحولون إلى شرس مناقشيه لا لأنهم اكتشفوا حقيقة جديدة، بل لأنهم اكتشفوا أن القوة صارت في مكان آخر.

جورج أورويل، في مقاله الشهير Notes on Nationalism، لفت إلى هذه الظاهرة حين تحدث عن قابلية بعض الولاءات للانتقال من عقيدة إلى أخرى، ولاحظ أن الإنسان قد ينتقل من ولاء متطرف إلى آخر مناقض له، بينما تبقى حاجته النفسية إلى الولاء كما هي. وكأن المشكلة لم تكن يوما في الزعيم الذي يؤمن به، بل في حاجته إلى زعيم يؤمن به مطلقا.
وهؤلاء لا يحبون الأفكار بقدر ما يحبون اليقين الذي تمنحه لهم الجماعة. ولذلك لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عمن يقول لهم ما ينبغي أن يعتقدوا به. وكما قالت هانا آرندت في أصول الشمولية: "إن أكثر الصفات رعبا في الأنظمة الشمولية هي قدرتها على جعل الناس يعتقدون أنهم أحرار وهم يرددون أكاذيبها." إنهم أحرار في اختيار الطاغية، لكنهم أسرى الحاجة إلى طاغية.

إذا كان الزعيم قويا أصبح عظيما، وإذا أصبح خصمه أقوى اكتشفوا فيه فجأة صفات لم يكونوا يرونها بالأمس. وقد يتحدثون عن المبادئ والأخلاق والوطنية بحماسة شديدة، لكن المبادئ عندهم تظل قابلة لإعادة التعريف كلما تغير صاحب السلطة. هنا يصبح الولاء أشبه بالمرآة: لا تعكس ما يؤمن به الإنسان، بل تعكس صورة القوة التي يريد أن يكون قريبًا منها. ولعل عبارة نيتشه الشهيرة، "القناعات سجون"، تكتسب في هذا السياق معنى آخر: فبعض الناس لا يعيشون داخل قناعاتهم، بل داخل قناعات الجماعة التي تمنحهم شعورا بالأمان والانتماء.
لكن... تغيير الرأي في حد ذاته ليس عيبا. الإنسان الناضج يستطيع أن يعترف بأنه أخطأ، وأن يتراجع عن موقف دافع عنه بالأمس، بل إن القدرة على مراجعة الذات ربما تكون من علامات النزاهة الفكرية. الفرق كبير بين من يقول: "كنت مخطئا، وقد تغير رأيي لأنني اكتشفت ما لم أكن أراه"، وبين من يغير موقفه بمجرد أن يتغير صاحب السلطة. الأول يغير رأيه لأنه أعاد النظر في الحقيقة؛ أما الثاني فيغير الحقيقة نفسها كي تظل منسجمة مع موقفه الجديد. الأول يمارس حرية التفكير، والثاني يمارس حرية التكيف.
وبالتأكيد لم يكن كامو يقصد هؤلاء حين قال: "الرجل الذي لا يغير رأيه أبدا هو رجل يموت ببطء"، لأن التغيير الناضج يختلف عن الانتهازية التي تغير كل شيء ما عدا الرغبة في الانتصار.

ربما كان السؤال الأهم، في النهاية، ليس: لمن تؤيد؟ ولا: مع من أنت؟ بل: ماذا يبقى من موقفك عندما يسقط الشخص الذي كنت تؤيده؟
إذا بقيت المبادئ وبقيت القدرة على النقد والاختلاف، فربما كان ولاؤك للفكرة. أما إذا سقط الزعيم فسقط معه كل ما كنت تسميه مبادئ، فربما لم تكن تملك موقفا أصلا؛ كنت فقط تقف في المكان الذي تقف فيه القوة.

وربما لهذا كان أصعب أنواع الاستقلال هو أن يستطيع الإنسان أن يقول لزعيمه الذي يحبه: "أنت مخطئ"، وأن يستطيع، في الوقت نفسه، أن يقول لخصمه الذي يكرهه: "أنت محق". عند تلك النقطة فقط يتحول الولاء من تبعية إلى موقف، ويتحول الإنسان من تابع للسلطة إلى صاحب ضمير.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
- الوحش الكامن
- أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه ...
- سقط الأسد وبقيت الأسدية
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...
- القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
- كتاب مقدس في الإنسانية
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟


المزيد.....




- رئيس جهاز استخبارات السعودية الأسبق: دول الخليج نجحت في بناء ...
- البنتاغون يخصص أكثر من 22 مليون دولار لتطوير شبكات أقمار صنا ...
- أوروبا.. سقوط ذرائع الغرب ضد روسيا
- عمدة موسكو: تدمير 7 مسيرات كانت متجهة نحو العاصمة الروسية
- هجمات حوثية بالصواريخ والمسيرات تستهدف الجيش اليمني في مأرب ...
- ليبيا: انفجار خزان وقود في الزاوية والمؤسسة الوطنية للنفط تع ...
- انفجارات وحرائق في كييف إثر هجوم صاروخي روسي وإصابات في زابو ...
- عاجل | القوات المسلحة اليمنية: مليشيا الحوثي تقصف مدينة المخ ...
- لماذا لم يعلن تنظيم -قسد- حلّ نفسه؟
- ترامب وإيران.. كيف بدأ الصدام خلال الفترة الأولى للرئيس الأم ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع