|
|
الوحش الكامن
أكرم شلغين
الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 18:47
المحور:
قضايا ثقافية
كثيرا ما نقول عن شخص ما إنه إنسان خلوق، أو طيب، أو رقيق، أو هادئ، ونقول ذلك كما لو أن الأخلاق صفة مستقرة وثابتة فيه، شيء لا يتغير بتغير المكان والزمان والظروف. نثق في الرجل المهذب، ونطمئن إلى الوديع، ونصف بعض الناس بأنهم لا يمكن أن يؤذوا أحدا. لكن ماذا لو كنا نعرف منهم فقط الوجه الذي أتيح لنا أن نراه؟ ماذا لو كان في الإنسان شيء آخر لا يظهر إلا عندما تتغير الظروف؟ أتذكر، منذ سنوات طويلة، أنني شاهدت مقابلة تلفزيونية مع عسكري إيطالي كان قد ارتبط اسمه بحادثة بشعة في الصومال. كانت هناك صور ووقائع تتعلق بإهانة جثة صومالي، وعدم إعطاء الموت حرمته، في سياق كان الجنود الإيطاليون يتحدثون فيه عن فظائع ارتكبت بحق جثة جندي أمريكي. ما بقي في ذاكرتي ليس الحادثة وحدها، وإنما جواب العسكري عندما سئل ـ في مقابلة تليفزيونية ـ عن فعله وعن القيم وحقوق الإنسان. قال، بمعنى ما أتذكره، إنه لم يفكر في الأمر من هذه الزاوية، وإن الذهاب إلى مكان مثل الصومال يعني، في تلك الظروف، أن تترك وراءك القيم التي تحكم حياتك في أوروبا. قد تخونني الذاكرة في بعض التفاصيل، وقد لا تكون الكلمات التي سمعتها يومها هي الكلمات نفسها التي بقيت في ذاكرتي الآن. لكن الفكرة بقيت. وأظن أن سبب بقائها هو السؤال الذي تركته في داخلي: هل يتجزأ الإنسان أخلاقيا؟ هل يستطيع الإنسان أن يكون رقيقا في مكان، ووحشا في مكان آخر؟ أن يكون أبا حنونا، وصديقا وفيا، وإنسانا مهذبا في حياته اليومية، ثم يجد نفسه قادرا على فعل شيء لا يستطيع تخيل نفسه يفعله في الظروف العادية؟ وأين يكون الوحش في هذه الحالة؟ هل خرج من الإنسان فجأة؟ أم أنه كان هناك طوال الوقت، ينتظر فقط ظرفا يسمح له بالظهور؟ ربما يكون هذا السؤال أكثر إزعاجا من سؤال: هل الإنسان خير أم شرير؟ لأننا نميل إلى الاعتقاد بأن هناك أخيارا وأشرارا، وأن الشرير هو شخص مختلف عنا، شخص يمكننا أن نشير إليه ونقول: هذا هو الشر. لكن التاريخ، والحروب، ومخيمات الاعتقال، والاستعمار، والمجازر، وحتى بعض الحوادث الصغيرة في حياتنا اليومية، تجعل هذه الصورة أقل راحة بكثير. فالأخطر ربما ليس أن الشرير يرتكب الشر. الأخطر أن الإنسان الذي يرى نفسه خيرا يستطيع أحيانا أن يرتكب الشر وهو لا يزال يرى نفسه خيرا. وهنا يصبح السؤال مختلفا تماما: كيف يحدث ذلك؟ لعل جزءا من الإجابة يكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر. فالإنسان لا يعامل الجميع بالطريقة الأخلاقية نفسها. هناك دوائر للرحمة، ودوائر للواجب، ودوائر أوسع أو أضيق للاعتراف بالآخر. قد أكون رحيما جدا مع من أحب، متسامحا مع أبناء جماعتي، مستعدا للدفاع عن حقوق من أشبههم، ثم يصبح كل ذلك أقل وضوحا عندما يتعلق الأمر بشخص أراه عدوا أو غريبا أو خطرا. وعندما تنتعش في وعينا مفاهيم "الذات" و"الآخر"، لا يعود الآخر مجرد إنسان يقف أمامنا، بل قد يتحول إلى شخص ينتمي إلى "الجهة الأخرى". وعندما يصبح عدوا، يصبح إيذاؤه أسهل. وعندما يصبح خطرا، يصبح التخلص منه قابلا للتبرير. وعندما يصبح، في نظرنا، أقل إنسانية منا، قد يصبح ما نفعله به خارج حدود الأسئلة الأخلاقية التي كنا نطرحها على أنفسنا في السابق. ربما لا يبدأ الوحش إذن عندما نرتكب العنف. ربما يبدأ قبل ذلك بقليل، عندما نتوقف عن رؤية الآخر بوصفه إنسانا مثلنا. وهنا تبدو عبارة نيتشه شديدة القسوة والدقة: من يحارب الوحوش عليه أن يحذر من أن يصبح وحشا. فالإنسان الذي يبدأ معركة ضد الشر قد يجد نفسه، خطوة بعد خطوة، يستخدم الوسائل نفسها التي كان يكرهها في خصمه. وربما لا يشعر بأنه تغير، لأنه لا يزال يعتقد أنه يقاتل من أجل قضية عادلة. لكن ثمة مشكلة أخرى هنا: من يملك تعريف الخير؟ ومن يملك تعريف الشر؟ قد ترى جماعة ما أنها تدافع عن الخير، بينما يراها خصومها مرتكبة للشر. وقد يرى الإنسان نفسه منقذا، بينما يراه ضحيته جلادا. لا يعني هذا أن الخير والشر مجرد أوهام أو أن كل شيء نسبي، لكنه يجعلنا أكثر حذرا من الإنسان الذي يمنح نفسه وحده حق تحديد موقعه الأخلاقي. وهذه هي المفارقة المرعبة: قد لا يحتاج الإنسان إلى التخلي عن أخلاقه لكي يفعل الشر؛ قد يحتاج فقط إلى إقناع نفسه بأن الشر الذي يفعله ضروري. فرويد، من جهته، يعطينا سببا آخر للحذر من الصورة البسيطة عن الإنسان. فقد رأى في العدوان نزعة عميقة في النفس البشرية، ورأى أن الحضارة لا تلغي هذه النزعة، وإنما تحاول السيطرة عليها وكبحها وتنظيمها. بل ذهب إلى أن العدوان يمكن أن يتحول إلى الداخل، فيسهم في تكوين الضمير والشعور بالذنب. وهذا يعني أن الحضارة والأخلاق والقانون والتربية ليست بالضرورة دليلا على أن الوحش غير موجود؛ ربما تكون، في جانب منها، الأدوات التي تمنعه من أن يصبح سلوكا. وهنا أحب أن أتوقف عند فكرة بسيطة. ربما لا يكون الإنسان أخلاقيا لأنه لا يستطيع أن يكون شريرا، وإنما لأنه استطاع أن يمنع نفسه من أن يكون كذلك. لكن هل يكفي الامتناع عن الشر كي نسمي الإنسان خيرا؟ لنتخيل شخصا قضى سنوات طويلة في وظيفة تتيح له الوصول إلى المال العام. كان يستطيع أن يسرق، وكانت لديه الرغبة في ذلك، لكنه لم يفعل، لا لأنه كان يرى السرقة خطأ في ذاتها، وإنما لأنه كان يخشى أن ينكشف أمره ويخسر وظيفته وسمعته ويُعاقب على فعله. هل هو، في المحصلة النهائية، إنسان أمين لأنه لم يسرق؟ أم أن في داخله نزعة شريرة لم تتحول إلى فعل؟ ربما يكون السؤال نفسه غير عادل. فالأخلاق، في النهاية، لا تحاكمنا على ما يمكن أن نفعله، وإنما على ما نفعل ـ وهذا يتجسد في القول الغربي الشائع: "طريق جهنم معبد بذوي النوايا الحسنة". وقد تكون القدرة على مقاومة إغراء الشر جزءا من الأخلاق نفسها، حتى لو لم تكن الرغبة في الشر قد اختفت تماما. وهذا فرق مهم. فالإنسان الذي لم يجد نفسه يوما في موقف شديد القسوة لا يستطيع بالضرورة أن يعرف كيف سيتصرف فيه. نحن نعرف أنفسنا في ظروفنا المعتادة، لكننا لا نعرف دائما أنفسنا تحت الضغط والخوف والإذلال والرغبة في الانتقام والسلطة والجماعة والحرب. ربما لهذا السبب بقيت في ذاكرتي تلك المقابلة القديمة. لم أكن أعرف شيئا عن ذلك الرجل قبل الحادثة، ولا أعرف كيف كان يعيش حياته، ولا كيف كان يعامل عائلته وأصدقاءه، ولا إن كان يرى نفسه إنسانا صالحا. لكنني أتساءل أحيانا: هل كان يمكن أن يتخيل، قبل أن يذهب إلى الصومال، أنه قادر على فعل ما فعله؟ وربما لو سألناه قبل سنوات: هل تستطيع أن تهين جثة إنسان؟ لقال لنا: لا. لكن شيئا ما حدث في الطريق....قد يكون المكان، والحرب، والخوف، والجماعة، والغضب، وصورة العدو، والشعور بالانتقام، أو ذلك المزيج الغامض من كل هذه الأشياء. وهنا يصبح "الوحش" الذي نتحدث عنه أقل شبها بمخلوق مختبئ في أعماقنا، وأكثر شبها بإمكانية: إمكانية أن نصبح شيئا لم نكن نظن أننا قادرون على أن نصبحه. وربما يظل هذا الوحش كامنا طوال حياة الإنسان. وربما لا يخرج أبدا. وقد يكون هذا هو حال معظمنا. نعيش، نحب، نغضب، نتصالح، نخطئ، ونمضي في حياتنا دون أن نواجه الظروف التي تكشف لنا حدود قدرتنا على الشر. لكننا لا نملك ضمانا كاملا. وهنا أتذكر عبارة الفيزيائي ستيفن واينبرغ التي طالما أثارت الجدل، والتي اشتهرت عنه بصيغة تقول إن الأخيار يفعلون الخير والأشرار يفعلون الشر، لكن جعل الأخيار يفعلون الشر يحتاج إلى الدين. ويمكن الاعتراض على العبارة، بل ينبغي الاعتراض عليها، لأن الدين ليس الطريق الوحيد الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن يبرر العنف. تستطيع القومية والأيديولوجيا والسياسة والحرب والسلطة وحتى فكرة "المصلحة العامة" أن تقوم بالدور نفسه. المهم في العبارة ليس الدين وحده. المهم هو السؤال الذي تختبئ وراءه: كيف يستطيع الإنسان أن يفعل الشر وهو مقتنع بأنه يفعل الخير؟ ربما لا يحتاج الوحش إلى أن يقنع الإنسان بأنه شرير. ربما يحتاج فقط إلى أن يقنعه بأن ضحيته تستحق ما سيحدث لها. وهنا نعود مرة أخرى إلى السؤال الأول: هل يتجزأ سلوك الإنسان؟ ربما نعم. لكنني لا أريد أن أقول ذلك بثقة. فقد يكون الإنسان أكثر تعقيدا من أن نصفه بأنه خير أو شرير. قد يكون في داخله أكثر من إمكانية، وقد تكون حياته كلها نوعا من التفاوض بين هذه الإمكانيات. وقد تكون الأخلاق ليست شيئا نملكه مرة واحدة وإلى الأبد، بل شيئا نعيد اختياره في كل مرة نواجه فيها إنسانا لا يشبهنا. ولهذا ربما لا يكون السؤال: هل يوجد وحش داخل كل إنسان؟ بل السؤال الأكثر إزعاجا: "هل نعرف أنفسنا حقا، أم أننا نعرف فقط النسخة منا التي لم تُختبر بعد!؟" لا أعرف. وربما لا ينبغي لنا أن نعرف. فبعض الوحوش تظل نائمة حتى النهاية. ولعل أفضل ما يمكن أن نفعله هو ألا نمنحها يوما سببا للاستيقاظ.
#أكرم_شلغين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه
...
-
سقط الأسد وبقيت الأسدية
-
الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا
...
-
القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
-
كتاب مقدس في الإنسانية
-
تحت الركام
-
امتثال أم انتماء؟
-
الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
-
هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
-
الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
-
ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
-
عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
-
غاتسبي يحمل الدكتوراه*
-
نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن
...
-
أبعد من الشرق والغرب
-
حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
-
بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
-
من نحن قبل الطوائف؟
-
الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
-
حفار القبور لا يخطئ الموعد
المزيد.....
-
دخلت حيز التنفيذ.. ما مكاسب اتفاقية التجارة الجديدة بين الأر
...
-
أول تعليق إيراني على توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعود
...
-
تايوان تختبر جاهزية الطوارئ عبر مناورة إنذار جوي
-
خبراء: تحالف باكستان مع السعودية وتركيا فرصة جيدة محفوفة بال
...
-
رغم الهدوء الحذر بعد وقف الضربات.. تراجع حركة الملاحة عبر مض
...
-
اتفاق دفاع مشترك بين السعودية وتركيا وباكستان: -تحالف ضد إير
...
-
مجلس الشيوخ الأرجنتيني يقر قانون الملكية الخاصة المثير للجدل
...
-
فرصة نادرة للعلماء.. الإقامة في قاع المحيط مقابل مشروع بحثي
...
-
واشنطن بوست: مخاوف دفاعية تدفع دولا أوروبية لرفض تزويد كييف
...
-
قنابل -فاب-500- الروسية تستهدف نقاط التحكم بالمسيرات الأوكرا
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|